حكاية جندي حكاية كارهي الحرب والجشع   Leave a comment

 

حكاية جندي حكاية كارهي الحرب والجشع

                                                                                   عباس الجميلي

   شهد مسرح ” الاولدفك” وهو من أقدم المسارح في لندن عرضا مسرحيا مشتركا ـ عراقيا أوربيا ـ وتميزه لاينحصر في موضوع المسرحية الذي تناغم مع ذكرياتنا المرة عن الحروب التي خاضتها بلادنا في عصر الدكتاتورية أو غيرها من البلدان فحسب، بل في ريادته التي انعدم مثيلها على مسارحنا العربية، وربما الأوربية على حد سواء،فهو التجربة الأولى التي حطت رحالها في لندن أعرق العواصم الأوربية في تاريخها المسرحي والثقافي فكانت المسرحية تجمع بين الريادة تاريخا والتألق فنا وجمالا. لابد لقارئنا الكريم من معرفة ظروف ولادتها أولا. المخرج الإنكليزي اندرو ستيغال شاب ممتلئ طموحا ورغبة في معرفة أسرار عمله كمخرج مسرحي مدفوعا بروح المغامرة والتحدي التي يتميز بها الشباب، قدم هذه المسرحية على مسارح بلده أولا ووجد في موضوعها تماثلا واسعا مع هموم جمهور الشرق والغرب ضد الحروب بكل أشكالها ودوافعها فكانت زيارته للعراق هوساً فنيا ورغبة شخصية لمعايشة بلد خاض ثلاث حروب رغم انه لا يشير في هذا العمل من قريب إلى علاقة بين أحداث المسرحية وموضوع العراق تحديدا، فالجندي في العراق أو روسيا أو فيتنام تتوحد معاناته في زمن الحرب. كما أراد أن يضيء حقيقة أن الحرب هي أكثر مايثير قلق الناس وخوفهم، فاستطاع أن يمسك بالقناعة الأولى نحو مواصلة عمله والصفة المشتركة بينه كمخرج والمشاهدين. ويعرف المسرحيون ماذا تعني قناعة الفنان بعمل ما. إن تحديد هدف المسرحية من أهم ما يواجه المخرج كاختيار تقع علية تبعية النجاح أو الفشل و آلية تنفيذه، هذه إذن كانت الضربة الأولى المسجلة لصالح المخرج والعمل مضافا لها ضربات موفقة أخرى تكمن في خطورة التجربة وريادتها من حيث وجود لغتين مختلفتين نسمعهما على المسرح ووجود ستة ممثلين كل اثنين منهما يمثلان شخصية واحدة بلغتين محملتين بمشاعر ودلالات مختلفة فالممثل العراقي لم يكن يترجم الحوارالأنكليزي بل يكمل حوارا كتب عربيا وانكليزيا لممثل واحد بلغتين مختلفتين مع خيوط اتصال متقنة مع المشاهد الذي خرج برؤى شديدة التركيز لمعنى الحدث والمواقف. المسرحية شعرية كتبت موسيقاها منذ بداية القرن الماضي. لقد أراد المخرج بهذه التجربة أن تسمع اللغة العربية كما الانكليزية بدل سماع أخبار بن لادن كما يقول المخرج، أو لرد موقف سلبي تجاه اللغة العربية والعرب وسط اختلاط الرؤى والتصورات عن العربي، فكان دخول المخرج سهلا من نافذة الفن للسياسة. لقد جمع المخرج بين المنطق الغربي العقلي والعاطفي العربي سوية على المسرح بجرأة عالية مع كون الموضوع متناولاً يوميا في وسائل الإعلام. لقد أراد المخرج أن يثبت رؤاه تجاه موقف يخصه ، فالفن سجل مفتوح لذوي النوايا الطيبة.إن هذه التجربة الجمالية للمخرج وجدت شيئا متحداً ومشتركاً بين النص والمخرج الذي أحس بحاجة للتعبير عنه، وهنا تكمن قيمة المخرج الفنية، ومن هنا جاء احترامنا لمؤلفي المسرحية ومخرجها وممثليها وكل من ساهم في إنجازها.
المسرحية ناقشت موضوعا قديما قدم المسرح نفسه مع حقيقة تطور المفاهيم المعرفية وتزامنها كما أشار إليها ت. س. اليوت إحساسا بتزامن الآداب كلها بكونها ذات وجود متزامن بل تشكل نظاما، وهو ما يمكن أن نسميه بلا زمانية الآداب أو ما دعاه اليوت بالإحساس التأريخي، فالمخرج بهذا الخيار القديم المتجدد حقق مسألة مهمة في فهمه للأعمال الفنية والادبية بإحساس تأريخي لموضوع قديم كفل له النجاح، فالمبدع يعيش حاضرا مرتبطا روحيا بالماضي (الذاكرة) والحاضر والمستقبل (التوقع والطموحات والأماني). لقد فند المخرج أحادية النظرة القاصرة لدى البعض بالتوجه الأحادي نحو المستقبل وأراد أن يعد قضية التزامن من خلال فكرة التطور المربوط بأكثر من زمان عبر بحثه عن رغبات وحقائق خارج حدود بيئته ولكن عبر التحلل والابتعاد عن أية ضغوط وتدخلات مهما كانت ليعيد ويشكل نظامه القيمي الخاص به وبالتأكيد أن هذا المسعى سيكون مؤثرا في منظومة القيم السائدة في أي زمان ومن هذا ما يحدد مهامنا نقاداً ومشاهدين في تفسير وتحليل ما تتضمنه الأعمال الفنية . لقد بقيت موضوعة الخير والشر أبدية منذ الإغريق والى الآن. كتب عنها كثيرون في كل أجناس الأدب وأهمها عمل جوته (فاوست) الذي جسد الإنسان حين يضعف أمام الشيطان ليبيع نفسه له.
يدور حدث المسرحية حول جندي في مكان ما يعود من جبهة القتال ليلتقي بالشيطان الذي يغريه بكتاب فيه من الحيل والأفكار الكثير ليصبح ثريا ويقبل الجندي ببيع روحه (ورمزها آلة الكمان) إلى الشيطان. المعادلة على صعيد التنظير صراع بين أفكار شريرة وعواطف ونوايا صادقة وروح متعبة معذبة وليدة صراع بيد قوى الشر الخائبة في لي عنق حقيقة الإنسان والقضاء عليه بكل الطرق،لقد ترتب على فعل هذا الجندي أن أصبح مكروها فاقداً لعلاقاته الخيرة بالأهل والحبية، وكذلك النوايا الطيبة المعروفة فيه كمقاتل. الدلالة هنا مقارنة مجازية بين خواء الطموحات غير المشروعة في قتل الناس في قرارات الحروب الجنونية وفي مفارقة الدفاع عنها لتحقيق مصالح يعتقد القادة أنها عليا حيث يكون الخاسر الأكبر فيها الشعوب. قال المخرج إنه أراد جمع ثقافتين مختلفتين لغرض إنساني ومعرفي، فرشح الشاعر العراقي عبد الكريم كاصد ليكتب نصا مستوحى من المسرحية مع كامل التصرف مع حفظ الأساسيات التي تشكل قاسما مشتركا لكلا النصين وكذلك كاتبة النص الإنكليزي الجديد (ربيكا لينكيو فيتش) وشكلا وحدة عمل ثلاثية الأركان. وإذا ما تجاوزنا النص الانكليزي كونه يقدم للمرة الثانية يصبح الحديث عن حجم التجربة الثانية العراقية (تأليفا). أكد لي عبد كريم كاصد أن المهمة ليست بالسهلة ولكنها كانت ممتعة وناجحة بقدر مقنع بشهادة الكثيرين. الحرية الكاملة دفعت عبد الكريم كاصد لان يغير ويضيف الكثير للنص فهو لم يكن مترجما كما اعتقد البعض إنما كاتبا جديدا تمثل بإضافة مشاهد مهمة، لقد اقترب عبد الكريم كاصد من روح المخرج وبنيت بينهما علاقة شديدة الصلة وسعت آفاق العمل الفنية بتلاقح الأفكار ومعهما الكاتبة الإنكليزية ربيكا، التي كانت وعبد الكريم كاصد على اقتناع تام بأن قوة أي من النصين قوة للثاني وكان هذا دفعا للمخرج لأن تتمازج رؤاه الإخراجية معهما بتفاني مؤلفي العرض مع تفوق واضح للنص العربي وهذا ما سمعته من بعض المشاهدين.
إن عمل المخرج وسط أجواء غير اعتيادية فنيا ـ نصان جديدان ولغتان مختلفتان وثلاثة ممثلين عراقيين يتحدثون بلغة لايفهمها المخرج ـ ( كان معه مترجم للعربية) مع ثلاثة ممثلين إنكليز وبيئتين شديدتي الاختلاف على المسرح (مقهى عراقي يقابله بار إنكليزي في طرفي المسرح) شكل تحديا كبيرا له، مما افقده السيطرة أحيانا لتقديم عمل درامي بشكل دقيق حيث تحول العمل في بعض مشاهده إلى عرض يفتقد إلى التصنيف الدرامي البحت وخصوصا في الفصل الأول ما يمكن تسميته بـ (show) أي العرض المنوع. فقد أراد المخرج مع شدة حساسيته ورغبته بتقديم دراما بلغتين كتجربة رائدة تشاهد سوية وفي لحظة واحدة على المسرح إلا انه اخفق كما أكد المخرج نفسه لي “لقد قدمت عرضا ممتلئاً عاطفة يجمع الشعر والموسيقى حظي بتعاطف الجمهور معه” وبالـتأكيد ليس دراميا، ان هذا التعاطف في جانب آخر مع كل عوامل العمل الأخرى خفف من رغبة المخرج بالوصول إلى دراما ناجزة بالكامل ورغم أن هذا التواضع الفني لايعفيه رغم اعترافه إلا ان المنطق يطالبنا بأخذ الأمور وكل حيثيات التجربة بنظر الاعتبار وان ندرس التجربة ككيان معرفي ذهني يترجم وعياً جمعياً. لقد تمنينا مثلا أن نجد مخرجا عراقيا يقف مع المخرج اندرو كما الممثلين العراقيين ليمنح العمل بعدا عراقيا كانعكاس لتجربة فردية وجماعية مع العلم أن الكاتب عبد الكريم كاصد تصرف بذكاء فأضاف ما استطاع من تراثه العربي والعراقي ومن هنا كانت إضافة مخرج عراقي مع الانكليزي تبدو مقنعة في أمور إخراجية، في الأقل( مشهد البساط السحري، السوق، وجود الفرقة الموسيقية العراقية على المسرح النطق…الخ). ان تنوع العمل كونه نصا شعريا وموسيقيا بلغتين مختلفتين ضاعف من أطرافه الفنية ومساهماتها الإبداعية وانعكاسها على الجمهور بقوة فكان النجاح حليفها ولو كان غير هذا فبماذا نفسر امتلاء قاعة العرض في كل ليلة من ليالي العرض؟ الصحافة الانكليزية غطت العمل بشكل يومي بأشهر نقادها وفي مقدمتهم المخرج المشهور بيتر بروك الذي ربما اعتبرها تتطابق مع تطلعاته في رفد المسرح الأوربي المستهلك بفطرية مسرح الشرق الطقوسي. لقد أنجز المخرج صورا بصرية ناجمة عن تنوع أساليبه الإخراجية وتنوع رؤاه التي جربت الكثير من المفاهيم وعالجت الهاجس لتصرف الخيارات والأفكار أو العواطف لبشر تجاوزوا فرديتهم. ان اللااستقرار أو اللامنهج في استجابة المخرج لتحقيق الهدف العام للمسرحية يقع ضمن موضوعة تأليف العرض الجديد نجح أم فشل في تقديم موضوع معروف وبشخوص محدودين ولكنه اعتمد أو لنقل ربما استغل واقعا معيشا في العراق وفي بقع متعددة من العالم يعاني منه الناس كل زمان ومكان هو الحرب فلا زال الجنود الإنكليز في العراق وجنود العراق وشعبه في حالة حرب ومن هنا كل الأمور واضحة وبينة ونتائجها معروفة. لقد ألبس المخرج الشيطان لباسا عسكريا في بعض مشاهده فهل لهذا الإسقاط علاقة برعونة بعض القادة العسكريين في العراق السابق أو في أمريكا أو بريطانيا. المخرج يتعامل بعمومية مع موضوعة الحرب ولا يحددها فنيا بدولة ما فمعاناة الناس لديه متساوية ولا فرق يقنعه بين معاناة أم جندي انكليزي أو عراقي كما ان شخصية الشيطان هي تقترب بمواصفاتها في العراقية والأمريكية وغيرهما فمعاناة الناس واحدة. لقد شعرت في لحظات محددة بصغر حجم الموسيقى العراقية واعتقد أن المخرج أراد تصغير حجمها أو دورها لرغبة منه في كبح جماح حجم العاطفة التي تمنحها الموسيقى العراقية التي ألفها الموسيقي العراقي احمد مختار والتي أحبها الجمهور رغم قلة عدد المشاركين فيها من الموسيقيين ولكنهم من الفنانين المعروفين (عازف القانون الفنان حسن فالح والفنان احمد مختار مؤلف الموسيقى وأخيه حيدر عازف العود) ان عدد عازفي الجانب الانكليزي سبعة ببالات هوائية عالية ولكن أراد المخرج الحفاظ على نوع من التوازن الدقيق بين موسيقى المسرحية المؤلفة خصيصا لها والتي لم يستطع حذف أي جزء منها كونها محفوظة الحقوق من ورثة المؤلف الموسيقي سترافنسكي. انشغل المخرج بخلق التوازن الدقيق حريصاً على تقديم الحوادث بلغتها بشكل يتيح لكلا الجمهورين العربي والإنكليزي الاستمتاع بالعرض وإحساسه وتأكيده على إيقاع الفعل. إن المسرحية عمل معرفي ليس سهلا لان أسسها مبنية من ألفاظ وكلمات. وهنا تأتي معانيها من خلال نطقها الذي يعبر عن نوع من الأحاسيس التي ليس لها مسميات قاموسية وأحيانا تجافي معانيها المعروفة مطلوبا منها عبر النطق أن تتجاذب أطرافاً مشتركة في قاعة العرض المشاهد والأخر يودي دورا على المسرح يتكون من المتحدث المصغي. لقد قدم المخرج ما استطاع قياسا بتجربته الشخصية والعمرية، ليؤثر في ممثليه أولا ويعكس ذلك أو ينقله للمشاهد وفي حدود المشايعة الإنسانية خالقاً علاقة سليمة إلى حد ما بين جسد العمل. لقد كان يقظا في ما يتعلق بخيوط الصراع عبر رغبات الإنسان الشريرة والطيبة واحتمالات التوقع التي من شأنها تغيير وقائع متعددة .
•النص العربي
استطاع عبد الكريم كاصد بشاعريته الأصيلة أن ينقل تجربته بلغة تصلح للمسرح، لغة خاصة تترصد الفعل وتخلقه، وتختلف عن المعتاد وكأنه يمزج الشعر بمسحة النثر وهذا لايصل إليه إلا المتمكن. وما ميز النص العربي أيضا ذلك الإيقاع الخاص بكل شخصية. المشاهد في المسرح الشعري يشعر بالاختلاف اللغوي ولكنه يستمتع بالشعر وكما يقول اليوت ” ليس هناك لونان من المتعة أي متعة المسرحية ومتعة بلغتها، ففي اعتقاد اليوت نفسه أن أداة المسرحية سواء كانت شعرا أم نثرا، وإيقاعهما ينبغي أن يكونا غير ملحوظين ” لقد استطاع كريم كاصد أن يبعدنا عن الرتابة تماما من خلال مقاطع قصير تلذذنا بها وهي مشفرة دراميا بالتأكيد
انظر!
هل تبصر؟
ذاك النهر
دجلة ما اجمله
وذاك القصر!
كم يبدو سحريا!
لكن ما أبشع ذاك المنظر!
وحين يسأل الجندي الشيطان:
ما هو؟
يجيبه:
احذر !
أن تتردد في ذهنك تلك الأصداء
شعر بلغة مسرحية متسق مع متطلبات المسرح وحركته ( كثافة لغة موحية) عبر نفس شعري موسيقي يشدنا طردا مع تصاعد الأحداث وبقربه من عامة الناس وليس النخب حسب.. لمحات منتقاة من الشارع العراقي في السوق ـ سوق القشلة في البصرة، ومستفيدا من إحداثيات السوق وأصوات الباعة فالممثل ينطق الفصحى بنفس شعبي متآلف معنا كما انه من الملاحظ أيضا لدى كريم كاصد تضمينه حواراته الشعرية أجواء وظلالاً عاشها العراقيون في زمن الحروب وتضمينه الشعر لمحات ودلالات قربت النص وانزلته للواقع كما قالت مقدمة راديو 3 في لندن عن نص عبد كريم كاصد على سبيل المثال:”… لقد ارتفع النص الانكليزي الى الموسيقى اما النص العربي فهو الموسيقى نفسها” .
رغم المساهمة الجادة لعنصر الموسيقى للفنان احمد مختار كمؤلف للموسيقي ولكننا امام نفس حيرتنا السابقة بخصوص توصيف العمل فقد واجهنا نفس الشعور ونحن نتابع موسيقى موضوع يعيش أجواء حرب تبدو لنا هنا وكأنها وضعت لتخفف عن كاهلنا ويلات هذه الحرب او أي حرب فهي لم تكن بشكل مباشر تساهم بتصعيد المواقف دراميا وانما كانت تجسد الأجواء العراقية فاختيارات احمد مختار جمعتنا مع التراث والأجواء الشعبية البغدادية فكنا نلتقي بالموسيقى وجدانيا بعيدا عن الضرورة الدرامية ولكن الموسيقى تظل مسموعة ليس للعراقيين من الجمهور بل لجمهور مشترك. اني اتفق مع ما قالته الصحفية غالية قباني في جريدة الحياة في 15/2 من” أنها لا تدري بماذا تصف المسرحية هل هي مسرحية موسيقية أم مسرحية مغناة أو أوبرا ولا يبدو أن شكلا مسرحيا محددا ينطبق عليها ” مع هذا كان للموسيقى أثرها الواضح في إغناء الجانب الروحي للعمل فالتراث العراقي والأطوار الجنوبية الخالدة حاضرة مما ساهم في بلورة جو شرقي عراقي أحبه الجمهور بعمومه رغم أن المخرج لم يعط هذه الإمكانية ما تستحق على صعيد رؤيته الإخراجية بل كان تركيزه ينصب على أمور أخرى يتقنها أكثر من سماعه موسيقى شرقية لاينتمي اليها ولم يألفها خاصة وهو شاب، لقد انشغل المخرج بمسألة اللغة والممثلين وهو التحدي الحقيقي له.
•عنصر التمثيل كان الأبرز في المسرحية ويبدو مما شاهدته أن المخرج استطاع أن يمسك بزمام عمل الممثلين تماما ويجب ألا ننسى هم ستة ممثلين بلغتين مختلفتين لقد كانت جهوده واضحة في إخراج ممثلين استطاعوا تقديم مشاهد ناجحة أقنعتنا وصفقنا لها وبالخصوص مع الجانب العراقي ربما لكون المخرج كان قد درس التمثيل ولم يدرس الإخراج وقد انعكس ذلك على الممثلين. لقد نجح الفنان علاء حسين في تقديم دور الجندي بشكل متقن فكان أفضل الثلاثة من حيث قابليته الجسمانية المطواعة إضافة إلى صوته الواضح القوي وهذا يدل على استرخاء وسيطرة جيدة وموهبة بينة أيضا كما أن الممثل فلاح الفلاحي جسد شخصية الراوي واستطاع أن يسيطر علينا وهو يروي حكاية الجندي التي بعض مقاطعها من التراث الجنوبي العراقي ولكن بلغة فصحى قدمها ببراعة تنم عن موهبة. اما دور الشيطان فقد لعبه الممثل ضياء الدين فنجح فيه الا في بعض الجمل التي شعرت بها وكأنه ينافس مثيله الأجنبي فينفعل ليكون تابعاً في بعض المشاهد كما يفعل الآخر ليخرج من شخصيته جراء انفعال ينساب إليه مع اختلاف اللغتين مع ان ضياء ممثل جيد والشخصية تلائمه فهو ينتقل من شخصية لأخرى بسهولة ليقنع الجندي ويستبدل كتابه بآلة الكمان.
المقطع الذي غناه الراوي بطور محمداوي (الجنوبي):
إن نحن ملكنا الأشياء
فستملكنا الأشياء
وسنصبح حجرا نتطلع في الكون
حجرا أعمى
ما نملكه الآن
لن يوهب ثانية
فلتمسك نفسك عن جمع الأشياء
ولنتذكر
أن سعادتنا واحدة لن تتكرر
رغم ان المسرحية كتقنية كتبت ليقدمها ثلاثة ممثلين (الراوي والجندي والشيطان) الا انها يمكن ان تختصر بشخصية واحدة يمكن ان تقول عبر الراوي ومن هنا يمكن فهم المقطع الشعري السابق وكأنه خلاصة فكرية وفلسفية تحاكي الجندي والشيطان بمحاولاته الإغرائية للجندي. لقد بث الشاعر في ثنايا نصه الشعري حساً دراميا لا تخلو منه اغلب قصائد عبد الكريم كاصد عبر تجربته الشعرية الطويلة.

Posted 17/12/2009 by talibart in دراسات

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: