غياهب الذات : مسرح العنف ضد المراة   Leave a comment

غياهب الذات: مسرح العنف ضد المراة

                                                                                                                  عبد الحسين ماهود

طالما إن للمسرح كحاضن للثقافة والفنون دورا هاما في نشر ثقافة حقوق الإنسان .. كان للجمعية العراقية لحقوق الإنسان في البصرة أن تقيم مهرجانا للمسرح بتمويل من الصندوق الوطني للديمقراطية . ولأنها تفهم العنف ضد المرأة على وفق ما انطوت عليه الثقافات في العالم والتي أكدت إن أشكالا من العنف تبدو طبيعية وتكاد أن تكون غير مرئية مع التأكيد على استمرار تيار العنف ضد المرأة مادامت السلطات وأطراف المجتمع تخفي ظواهره أو تقره أو تتغاضى عنه ومادام الجناة لا يلقون العقاب عما اقترفوه .. خصصت هذه الجمعية محورا لعروض مهرجانها يتعلق بمفهوم العنف ضد المرأة على أن يراعي ما كابدته النساء العراقيات من ويلات الحروب الجوفاء ومن أوجه القمع الحكومي في العهد المباد ومن أعمال الإرهاب الآيلة للانتهاء ولكنها تساهلت مع عروض هذا المهرجان التي لم تصب في ترجمة هذا المفهوم حتى إن احد العروض جاء خاليا من العناصر النسائية ولم تأت ثيمته بما يتطرق للمراة من قريب أو بعيد (حب جكاير علج)
كانت (غياهب الذات ) من بين العروض المسرحية الأربعة التي احتواها المهرجان قد صبت في صلب الموضوع انطلاقا من ذلك الصراع الذي يتعلق بجنس المرأة على اعتبارها قد فارقت شريك حياتها عبر موته أو اختفائه الغامض .
قدمت المسرحية كلية الفنون الجميلة – جامعة البصرة بعد تولي د. حازم عبد المجيد تأليفها وإخراجها وجسد أدوارها وميض فالح وخلود جبار ومصطفى عبد الجليل ، ففاز عرضها بجائزة أفضل عمل مسرحي في المهرجان متفوقا على العروض الأخرى السابقة لأوان تقديما في مهرجان .
يطالعك في هذا العرض تكدس الأثاث بطريقة فوضوية احتلت مساحات مهمة في فضاء المسرح وحالت دون إضاءتها بفعل مسرحي يعتمد على تفاعل جسد الممثل مع قطع الأثاث وتلوينها بالضوء الذي كان مفقودا بسبب افتقار قاعة العرض (قاعة عتبة بن غزوان ) لمنظومة الإضاءة مما سبب خللا في السينوغرافيا
ناهيك عن عدم تفعيل جسد الممثل بما ينقذ أداء الممثل لدوره المقتصر على لغة الحوار المحدثة لإيقاع ثابت وممل دون خضوعه لرقابة لغوية تحول دون نصب الفاعل ورفع المفعول به مما جعل الاستغراق في غياهب الذات محاطا بأسلاك شائكة
ولقد أعاد لي عرض مسرحية (حب جكاير علج ) في استحواذ صانعه(محمد قاسم ) على عناصره الرئيسية الثلاث ذكرى إخفاقي في تقديم أكثر من عرض مسرحي على مسارح البصرة مؤلفا ومخرجا وممثلا بما أساء إلى نصوصي المسرحية المشار إليها بالتمييز . لكن هذا العرض أشار إلى قدرات ممثليه الشباب المتوجة بقدرات محمد قاسم على أداء أدوارهم عبر مشاهد لا يربطها نسيج درامي بقدر ما يربطها التعبير عن محنة البلد الذي يرضخ تحت نير الاحتلال .
وطالعتنا في (حواء في السوق السوداء ) معالجة بدائية لنص مسرحي مرتبك وأداء تمثيلي بلا سمات ورؤية إخراجية قاصرة لا تستدعي الوقوف عندها نقديا مثلما تستدعي من القائمين على العرض الإذعان لنصائح الآخرين بضرورة مراجعة النفس قبل الإقدام على خطوة كهذه لا تحمد عقباها
وفي (اعتداء ) من تأليف علي هاشم وإخراج طالب خيون وتقديم فرقة لكش ثمة مفارقة تتمثل بنفاذ مقال من سلطة النشر ليجد طريقه منشورا على صفحات جريدة جل اهتمامها حل الكلمات المتقاطعة ليحدث ضجة تؤدي إلى تعرض الجريدة للتهديد الذي يطال بالتالي كاتبة المقال (بلسم ) على يد العاملين في الجريدة لتموت تحت ضربات هراوة أضافتها ( الصحافة ) إلى مدفعها المتميز الذي لا يعدو عن كونه قلما دون أن نفهم ماهية فحوى المقال الذي لا يتعلق بالتأكيد بقضية المرأة ودوافعها المتصلة بنوع الجنس . من هنا فان العنف في المسرحية كان متوجها نحو الأفكار التي تضمنها المقال بغض النظر عن جنس كاتبته .
لم يمتد فضاء العرض نحو عمق المسرح الخالي من مفردات السينوغرافيا مثلما امتد نحو القاعة ليشير إلى مكتب رئيس التحرير عبر قصاصات الورق المنتشرة بكثافة لدلالة معبرة
ولقد أدى الممثلون ما عليهم بقدرات متفاوتة حتى برز علي الشطري في أدائه لشخصية رئيس التحرير أداء كاريكاتوريا متقاطعا مع الآخرين ومع أدائه في المشهد الأخير عند وقفته بصرامة أمام جثة المحررة وإطلاقه لضحكة غير مبررة
وبدا زيدون داخل في دور عوني تلقائيا دون أن ينمي لديه مواصفات ياغوية . وحرص ضياء الساعدي على أن يكون عبر أدائه مسحوقا بعبيء عمله في الجريدة التي تحول فيها من رسام كاريكاتير إلى محرر وفيات مع إن صوته الذي لا يخلو من أصالة ينبغي أن يدفعه إلى أن يكون هادرا لا ( تافه )
وتغلب شاكر القطيفي على سمنته بأداء رائع افتقدته فاطمة الوادي بزعيقها المتكرر الذي افقدها الشفافية وابعد ها عن تقنية فن الإلقاء المبني على مشاعر صادقة ينبغي أن تتوفر لدى امرأة راكزة لا تنعت زميلا لها بكلمة ( عربي ) ولا تهدد بإقامة دعوى قضائية دون الاستناد على مادة قانونية كما لا تفكر بغباء بسحب مقالة نشرت في الجريدة مطالبة هيئة تحرير الجريدة بإعلان البراءة منها. وإذا كانت مثل هذه الملاحظات تتعلق بالنص فينبغي عليها أن تناقش كاتبه بنباهة
أضاء مهرجان البصرة المسرحي الأول إلى ضاهرة مسرح منظمات المجتمع المدني التي اطمح أن لا تكون امتدادا لمسرح المنظمات الجماهيرية التي سعت إلى تقديس رموز العهد المباد أو إلى المســــرح التجاري الضاحك بعروضه على الذقون ، بقدر ما اطمح لان تكون امتدادا لحركة المسرح الجاد التي تستدعي من منظمات المجتمع المدني أن تكتفي بتمويل المهرجانات تاركة إمكانية تنظيمها إلى لجان فنية مختصة تنتقي العروض المسرحية وتشخص إمكانيات القائمين عليها كي ترتقي بها إلى مستوى تقديمها في مهرجان
ahmahood@hotmail.com

Posted 17/12/2009 by talibart in دراسات

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: