البنية الادبية وتحولاتها مسرحيا وسينمائيا قاسم علوان   1 comment

البنية الأدبية وتحولاتها مسرحيا وسينمائيا

تأليف قاسم علوان

 

تقديم

 

أ. د. عقيل مهدي يوسف

 

الأهداء…

 

الى الشاعر والناقد صادق الصائغ.. استاذا وصديقا

 

المقدمة

 

يعالج الكاتب قاسم علوان موضوعة جديرة بالتحليل في عالم السينما، فما زال مفهوم (تحولات البنية الأدبية) للنص يشكل تحفيزا نقديا مثمرا في الدراسات النظرية والتطبيقية في كل من السينما والمسرح.

إذ اننا نتعرف دائما على تقنيات مستحدثة في عالم السينما لم تخطر على بال الرواد انفسهم، حتى ان المدارس الاخراجية واتجاهاتها الابداعية بدت متناقضة مع تقنيات كانت تبدو راسخة ومتماسكة في إطار اللغة السينمائية المتفوقة في نهايات القرن العشرين حتى بتنا نسمع في السينما اصواتا وصورا تخلق لنفسها وجودا ما، لم نكن على سابق عهد به في واقعنا اليومي والحياتي، واقع يتحرك مجسما على الشاشة فقط بفعل تقنيات رقمية وبرامجيات حاسوبية تتحكم بعديا في صياغة الخطاب الفني للفلم وقل الأمر نفسه في سينوغرافية العرض المسرحي من حيث اختزال الزمن ورفع الكفائة الانتاجية عالية الجودة لعناصر العرض وتقنيات الجسد، والتقطيع المشهدي المونتاجي لصنع أجواء مبتكرة ومؤثرة بقوة على المتلقي.

إذ لم تعد الموسيقى والمؤثرات منقولة من مصدرها الأصلي والثابت بل جرى توليدها وابتكارها بتفاعل مخيلة المبدع السنمائي والمسرحي، مع التقنيات المستحدثة ببناء موسيقي يضاهي اصوات الحياة نفسها ويتفوق عليها لحنا وايقاعا بصورة سمعية مبهرة.

لكن هذا التوسع الاخراجي الجيد لايعني تقريضا لما تأسس من قبل، هذا ما يؤكده كتابنا هذا، فالمؤلف ـ قاسم علوان ـ لاينكر ما تدخره السينما من تحولات حقيقية في منجزاتها، وكذلك المسرح في بحثه الدائم عن عوالم افتراضية جديدة وخلاقة على مستوى الصورة والصوت، النقد السينمائي قدم تحليلا صائبا في نظرية الفلم بوصفه واقعا يحتوي على حجوم اللقطات والاتجاهات والزوايا، يغيب عن اطارها المتصل الزماني والمكاني وتخلق عمقا فراغيا من ضوء وظل وأشكال نوعية دالة.

وكذلك المسرح بات أيضا منفتحاعلى شبكة تأويلية وإحالات وتلميحات وكأنه يحاكي الميزانسين السينمائي، بانتقاء المشاهد وتغير زوايا المناظر المسرحية، هذا التحول السردي والشكلاني تحرك كذلك على مستوى القيم الإنسانية تبعا للوسائط الفنية التي تقيم علاقة قصدية مع الصورة التي ينبني من خلالها نص العرض سينمائيا ومسرحيا، عروض قد تكون تنميطية وتقليدية أو تبشر بانحراف مغاير للمفهومات المعرفية والأيديولوجية والاجتماعية المغلقة تبعا لقدرات مخرجيها، انها تقترح رؤى إخراجية، وتبصرات جديدة للواقع الفلمي المتداول، وتعيد النظر بآليات الإنتاجية التقليدية وتعدل مادتها الخام لتجعله ملائما لاغراضها الدرامية والفكرية والجمالية.

ولارتباط صناعة الفلم بالعلم وتطوره ولعلاقة العرض بالنص، فان تحولات البنية الأدبية اتخذت مسارات متباينة، لا على صعيد الأعداد والاقتباس وسواها، انما تجاوزت النقل المباشر الى صناعة خطاب فني “تأويلي” موازي للمرجعية الأدبية الأصل، سواء في لغته وأدواته وأساليبه أو في ابتداع عالمه الفني الخاص. يتابع ـ المؤلف ـ مخرجين عالميين في السينما، وعراقيين في المسرح، بوعي يخص تلقيه المستقل ولا يخشى الاختلاف والمغايرة.

سنتابع قراءته للمنجز الفني منذ لافتات السينما الصامتة حتى استعارات جون هيوستن المذهلة التي خرجت برواية (موبي ديك) لمؤلفها هرمان ملفيل عن نسقها الأدبي، لتكون حافلة بمرجعيات ثقافية متنوعة، وبمعالجة سينمائية خاصة، كما يذكرنا المؤلف بمنجز المخرج الأسباني السريالي بونويل في فلم (روح ليونارا) الذي انزاح عن مرجعيته في ثلاثية الحب والحياة والموت.. التي وفرتها قصة إدغار ألن بو، بعالم فلمي حافل بالغرائبية وبأصوات بشرية وصهيل حصان وصفير تنفثه ريح عاصفة.

هل يمكن ربط الكاميرا بقذيفة مدفع..؟

كيف تتحول الاستعارات من محاكاة تصويرية للهيروغلوفية الى تكوين لقطات ما..؟ كيف هو المونتاج الذهني عند إزنشتاين..؟ ما التحول في بنية (المحاكمة) للروائي كافكا عند المخرج السينمائي أرسون ويلز..؟

كيف ترنحت رواية ناباكوف (لوليتا) عند تحولها الى فلم..؟

ما علاقة السرد بوجهة النظر الذاتية للمخرج..؟

هل باتت بنية (روميو وجوليت) هي نفسها في فلم روبرت وايز في شريطه (قصة الحي الغربي)..؟

بمثل هذه الأسئلة وسواها في حقل السينما يتابع المؤلف مسرحيا ما أنجز من محددات وعلامات الوعي الجمالي الهادية فكريا وأسلوبيا للمخرج المسرحي العراقي.. وهنا تكون عّينة الفنان قاسم محمد المبدع الخلاق في صنع مشهد مسرحي جاد يتعامل مع تحولات النص من أفق الاخراج المسرحي العالمي بأشكاله المبهرة ولغة الميزانسين المعبرة عن موروثات عالمية وعربية ومحلية، واستثماره لطقوس احتفالية وطرائق فرجة تعلو على البنية الأدبية لتحرك بفعالية وكثافة من عناصر العرض المسرحي، وتشحنه بشخصيات وتركيبات شكلية وموضوعات مهيمنة متحركة في جدل من التحول والمغايرة والتأويل، وثمة مسرحيات عن تحولات السندباد، وسواها لمبدعين عراقيين آخرين، سيتوقف عندها الكاتب الجاد قاسم علوانن هي محاولة جديدة لتقصي عيّنات منتخبة قصديا من عالم السينما والمسرح تذكر بالثوابت وتغني الذاكرة..

 

 

أستاذ جماليات الفن

أ‌. د. عقيل مهدي يوسف

عميد كلية الفنون الجميلة

2008

 

 

 

الرواية والسينما….

في إشكالية النقل الأدبي للسينما

 

تمهيد

إشكالية علاقة السينما بالأدب إشكالية مركبة، تمتد تقريبا الى تاريخ السينما منذ نشأتها. فقد تشكلت تلك العلاقة وتشاكلت بصور مختلفة مع مرور الزمن، وهي في حقيقتها علاقة تناظر إشكالية العلاقة بين الأجناس الأدبية والفنية الأخرى مع بعضها، والمقصود ببحث هذه العلاقة هنا ليس الاقتباس أو التأثر أو النقل عن.. بل البحث في استقلالية آلية التعبير، الأسلوب وأدوات البناء، مثلا اللغة في كل من الأدب والسينما ومفرداتهما الخاصة في التحليل والتركيب، وهما عنصرا ّالبناء الفني في كل جنس أدبي أو فني كعلامة.. واختلافهما مع الصورة كعلامة أخرى في بنية السينما كجنس ابداعي آخر.. وبالتالي السؤال الأساس:ـ ما شكل طبيعة النقل الأدبي للسينما…؟ وهذا بحكم العلاقة المبكرة للسينما بالأدب عندما اعتمدت على السرد الأدبي وأساليبه المعروفة خصوصا منذ طفولتها الأولى..

تناول الكثير من نقاد السينما ومؤرخيها هذا الإشكال وفي وقت مبكر من تاريخها كما كتب الكثير فيه حتى من خارج هذا التخصص. ربما تميزت علاقة السينما بالرواية بشكل خاص في كونها اقتبست منها العديد من الروايات منذ بدايات صناعتها الأولى في السينما الصامتة عندما كانت تستخدم اللافتات المكتوبة للتعبير عن مضمون الحوار أو للتعريف بما تعجز عن نقله الكاميرا السينمائية حينذاك.. مما عمق إشكالية العلاقة المتبادلة بينهما، كما أشار إلى ذلك ألبرت فولتون في أربعينات القرن الماضي في كتابه (السينما آلة وفن) وكان يتحدث عن رواية (الآمال الكبيرة) التي أخرجها ديفيد لين حينذاك قال: (أن الأسلوب السينمائي أشبه بالأسلوب الروائي، والفلم أشبه بالرواية منه بالمسرحية، ولا يمكن بالطبع أن يكون مثل رواية تماما، أنما الفلم شيء أقل من رواية، ولكنه شيء أكثر من ذلك)(1) نلاحظ هنا الوعي المبكر لجدلية هذا الإشكال والتفكير به في هذه المقارنة، والتي أنتبه لها النقاد في ذلك الوقت، ومن ثم السعي الحثيث على صعيد الإبداع لترسيخ استقلالية اللغة السينمائية عن اللغة الأدبية، والعمل على خصوصية مفرداتها، عن الأجناس الفنية والأدبية الأخرى، وبالذات الرواية، كما تجسد في أعمال الكثير من المخرجين. ولكن الشيء نفسه يمكن أن يقال عن علاقة السينما بالمسرح في كونها أخذت عنه فكرة الدراما تحديدا وبجميع عناصرها، وكذلك يمكن أن يقال الكلام نفسه عن علاقتها بالفنون الأخرى….الرسم، النحت، الموسيقى، وهكذا تتعمق هذه الإشكالية بل وتتأبد، وبذلك يصح ما قيل عن السينما بأنها وليدة كل الفنون مجتمعة.

والذي يهمنا من هذا الموضوع علاقة السينما بالرواية تحديدا، أو كيفية النقل الأدبي من الرواية للسينما، وبالذات في السينما الروائية، التي استعانت بنسق السرد الروائي الأدبي نفسه كأداة مهيمنة، وهذا ما يدفعنا لأن نطرح المشكلة التالية:ـ هل نستطيع أن نحقق استقلالية هذه البنية الجديدة في السينما عنها في الرواية المكتوبة..؟ لماذا لا تكون السينما قد أخذت بنية السرد أصلا أو الروي من الحكاية الشفاهية أو الأساطير البدائية أو الملاحم القديمة..؟ وهنا يصعب أن نضع الحدود أو الخطوط الحمر بين تلك الدوائر المستقلة عن بعضها، و ربما تبدو السينما حقا والى حد ما أقرب إلى الملحمة القديمة منها إلى الرواية أو إلى المسرح..! وفي الوقت نفسه هناك من يعتبر (الرواية ملحمة العصر)(2) كما ترد الإشارة الى هذه العلاقة الملتبسة في هذه المقاربة الأدبية.. في هذا النص التنبؤي الذي سنورده والذي ينذهل فيه الكاتب والمخرج الفرنسي آبيل جانس إلى درجة الافتتان الجنوني بهذا الفن فيقول.. ( لقد أتى زمن الصورة… أن كل الخرافات وكل الأساطير.. وكل مؤسسي الأديان، وكل الأديان نفسها، وكل الشخصيات الكبيرة في التاريخ، وكل الانعكاسات الموضوعية لمخيلات الشعوب، منذ ألوف السنين تنتظر البعث الضوئي… أما الأبطال فإنهم يترنحون على أبوابنا أملا في الدخول… أن كل حلم الحياة، وكل حياة الحلم مستعدان للجريان فوق ذلك الشريط الحساس. ولن يكون من قبيل التخريف أن نقول بأن هوميروس كان من شأنه أن يطبع ” إلياذته ” بل و “أوديساه” فوق شريط الفيلم..)(3) هذه هي حقيقة السينما كما يراها هذا المخرج والكاتب في زمن مبكر من عمر هذا الاختراع، وكان قد تعامل معها بنفس هذه الرؤية الشعرية في تجربته الشخصية في الإخراج عندما أشتغل على أفلام من مثل (نابليون) و(جان دارك) وكذلك أفلامه الأخرى في الثلث الأول من القرن الماضي، وذلك عندما كانت اللقطة الذاتية في السينما في بداية ابتكارها وتداولها خلال العمل السينمائي.. فقد أصرّ جانس عندما كان يعمل على إخراج فيلم (نابليون) على أن تربط الكاميرا مع قذيفة المدفع قبل إطلاقها.. هذا ليصور سقوط القذيفة بلقطة ذاتية…!!

وبفعل هيمنة الفن الروائي من حيث الانتشار في العصر الحديث على الأجناس الأدبية والفنية الأخرى، وفي القرنين المنصرمين تحديدا من تاريخ الأدب المدون، لذلك لابد أن نشهد هيمنة الرواية أيضا على الفن السابع الحديث العهد بشكل كبير، ونقصد بهذه الهيمنة سيادة بعض من المفاهيم الأدبية والأسلوبية، أو أدواتها في آلية وبنية السرد في التعبير الفيلمي.. وبشكل أدق منطقها الذهني الأدبي في نقل المتقاربات والمتناقضات الصورية المتخيلة عند المتلقي والمفترضة، وتقنين تجاور تلك الصور الخيالية.. والقيمة الإيحائية لذلك التقارب أو التناقض أو التجاور، في بث إيحاءات محفزة لذاكرة المتلقي، بنية مسبقة من قبل الكاتب، هذا في الرواية.. هذا التقنين (الأدبي) تلقفه صنّاع السينما بشكل مبكر على يد روادها الأوائل، هذه الهيمنة التي نشاهدها للمنطق الأدبي الذي أشرنا اليه هو الذي تحكم في تنفيذ الكثير من المشاهد والقصص السينمائية فيمابعد، حينما تلقف بعض المخرجين اللذين استغرقهم الهم الأدبي.. الاستعارات المجازية، أو المقارنات الصورية للمتناقضات، وتوظيفها فيما بعد في لقطتين متتاليتين، ومن ثم إحالتها إلى رموز أو قيم بلاغية قريبة من معاني اللغة الأدبية المجردة في ذهن المتلقي. كما يمكن إحالة ذلك التناظر أيضا إلى التقابل الصوري في اللغة المصرية القديمة (الهيروغليفية) أو أي من اللغات القديمة التي اعتمدت التصوير في الكتابة الأولى، فتجسدت تلك المتقابلات الصورية بشكل قصدي مسبق في ما أطلق عليه بـ (المونتاج الذهني..) مثلا المنهج الذي أبتكره المخرج الروسي سرغيه إزنشتاين ونظّر له في عشرينات القرن الماضي في كتابه المعروف (فن المونتاج السينمائي) فكان إبداعا مهما وابتكارا فذا في ذلك الحين، رغم معارضة نقاد ومنظرين معروفين أيضا فيما بعد لذلك الاتجاه، مثل اندريه بازان، وشارل رامبو الذي نقل عنه هنري آجيل في كتابه المشار إليه آنفا (رفض إعطاء السينما طابعا ثقافويا متطرفا، والى رفض مقولة الصور التي استحالت إلى رموز)(4)

ويمكن أن نحيل كل ذلك الإشكال والإبتكارات التي ترتبت عليه الى اختراع تقنية اللقطة الكبيرة في وقت مبكر من عمر السينما.. بعد إن انتشرت النزعة الأدبية القائمة على التجاور بين لقطتين كبيرتين مختلفتين، والذي يفترض الصورة الذهنية الثالثة..! كما افترضت ذلك نظرية (المونتاج الذهني) التي ابتكرها ازنشتاين وأشرنا إليه آنفا.. وحتى ما أنجزه مواطنه ومعاصره فيسفولد بودوفكين على صعيد مختلف وما أطلق عليه (المونتاج البنائي) كان مشبعا أيضا بتلك النزعة (الثقافوية..) ذات الطابع الفكري التجريدي السائدة آنذاك في الثقافة السوفيتية التي تصدرت المواجهة مع ماكان يسمى بـ (الثقافة البرجوازية..) أي الثقافة ذات الطابع الحسي.. (المونتاج البنائي) الذي يقوم بتجميع عدة عناصرـ لقطات مختلفة ليركب منها صورة حركية جديدة، أو إيحاءا لمعنى جديد في تجاربه السينمائية المبكرة في ذلك التاريخ، وبالرغم من أن ذلك يعتبر منجزا ثقافيا نظريا كبيرا، أكثر منه منجزا سينمائيا، ولكنه أقل حدة من منجز أزنشتاين في مونتاجه الذهني، الذي وصفه فيما بعد جان لوك كودار بأنه (عملية موت في علاقته بالحياة)(4) باعتبار الموت عملية مونتاج للحياة نفسها.

وفي الوقت نفسه الذي عمل فيه أولئك المخرجون الروس على ذلك النوع من المونتاج عمل المخرج الأمريكي جريفت الذي عاصرهم في بداية أعماله على صعيد فن المونتاج نفسه ولكن بطريقة أخرى، فقد ابتكر ما سميّ بـ (المونتاج المتوازي) القائم على تصوير حدثين متزامنين، بعيدين مكانيا، ويعرضان بالتناوب مع بعضهما، هذا المونتاج يشكل ابتكارا تاريخيا مهما في تعميق أدوات السينما واساليبها المستقلة عن الأدب والنظرية.. أو ما سميّ بالسينما الخالصة التي قادت إلى النتيجة القصوى فيما بعد.. البعيدة عن هيمنة الأدب والرواية تحديدا، أو حتى البعيدة عن التيارات الثقافية والفكرية النظرية الفاعلة اجتماعيا آنذاك، والتي تسعى الى أن تقود الصّورـ الرموز إلى معنى دلالي آخر غير بعيد عن الدلالة الرمزية للصورة بذاتها.. تلك الجهود التي اتجهت فقط الى إنتاج ما يسمى بـ (السينما البحت…) ولكن هذا الاتجاه هو الذي سيتطوّر لاحقا في السينما الأمريكية الحديثة ذات الطابع التجاري الذي هيمن إلى الوقت الحاضر في الانتاج السينمائي، وهو الاتجاه الذي أسس لسينما (الأكشن…)

وبالطبع لا نستطيع أن نعمم أو نطلق حكما عاما على السينما الأمريكية، ونضع أفلام شارلي شابلن مثلا تحت نفس التصنيف المذكور أعلاه، فهذا الأخير كان قد أشتغل تحت المؤثر الأيديولوجي أو الثقافي الذي دعا إلى التخلص من طغيان المرئي الحسي، لكي تصبح السينما وسيلة شبيهة بالكتابة…! صحيح أنه لم يظهر بالطريقة نفسها أو القوة (الفكرية) المهيمنة التي كانت لدى المخرجين الروس بالذات في ذلك الوقت، لكن شاهدناه بدرجة أقل في أفلامه المتأخرة تقريبا ذات المنحى التحريضي الثوري والسياسي المباشر.

في السينما الأمريكية ومنذ سنواتها الأولى لم نر فيها اهتماما بالجانب الثقافي أو النظري وتحديدا الفكري السياسي منذ أيامها الأولى، حيث سادت النزعة التجارية وحسابات الربح والخسارة، صحيح أنه كان هناك اهتمام بالجانب الفني التقني بشكل دقيق، وكان يحسب حسابه مع عمليات الإنتاج الأولى، لكن كان هناك أيضا اهتماما بالاستعارة من الروايات الأدبية المعروفة، ولكن ليس بالأدب لذاته، بل لاستعارة الثيمات القصصية فقط، وإعادة تقديمها على الشريط السينمائي، فكانت هناك نتاجات سينمائية رائعة أحيانا، لكنها لا ترقى غالبا إلى الأعمال السينمائية الروسية والفرنسية التي أخذت أيضا من أعمال روائية مماثلة. وفي وقت مبكر من تاريخ السينما الأمريكية عندما طلبت أحدى شركات الإنتاج الكبيرة المعروفة من المخرج فون ستروهايم أخراج فلمه المشهور(الجشع) الذي أعده عن رواية فرانس نوريك (ماك تيج) فقد أجمع معظم النقاد والمؤرخين على ان اعداده يعكس احترامه العميق لموقف المؤلف الاجتماعي…!! فقد كان يبحث عن مقابل سينمائي صوري لكل كلمة في الرواية.. على حد تعبير الناقد والمؤرخ الأمريكي آرثر نايت(5)… فقد كانت رواية فرانس نوريك تزخر بتفاصيل رهيبة عن الحياة الاجتماعية وتناقضاتها في نهاية القرن التاسع عشر، فجاء فلم ستروهايم في (42) فصلا (بوبينة أو بكرة) أي حوالي (10) ساعات، وبناء على طلب الشركة المنتجة أختصره إلى (20) فصلا، فرفضته الشركة أيضا على انه طويل جدا، وطردته من العمل، وكلفت مونتيرا آخر (نذلا) كما أشار الى ذلك تحديدا المؤرخ آرثر نايت(6) وكانت النتيجة أربع ساعات رفض ستروهايم أن يشاهدها…!! لذا ظلّ الفلم أسير العلب ولم يعرض بشكل تجاري أبدا. هذا مثال على طريقة تعامل شركات الإنتاج الأمريكية مع النتاجات التي تعتمد الأدب المكتوب. هذا رغم إن نفس الشركة ( مترو كولدن ماير) أنتجت فيما بعد أفلاما طويلة مثل (ذهب مع الريح) المعد عن رواية مارغريت ميتشل بالاسم نفسه.

وسنتناول في هذا البحث كإجراء تطبيقي نموذجين من أفلام سينمائية مختلفة قدر الإمكان.. مختلفة عن بعضها من ناحية شكل الأعداد السينمائي عن الأصول الروائية.. فهي عن روايات مهمة ومعروفة، من مثل رواية فرانتز كافكا الشهيرة (المحاكمة) وكذلك رواية فلاديمير ناباكوف الشهيرة (لوليتا) تجارب مختلفة عن بعضها البعض في طبيعة إنتاجها وزمانها، وكذلك في صميم تجاربها الإخراجية، وتنوع تلك التجارب.. وهذا الاختلاف المتعمد حتى لا نقع قدر الإمكان في نسق من المقارنة الفكرية والفنية يمكن أن يقود إلى فرض أو تسويق رؤية أو قواعد منهجية محددة أو أسلوب فني محدد أيضا لعلاقة الرواية بالسينما كاقتباس أو إعداد.. وبالتالي يمكن أن تذهب مذهب القواعد الثابتة وهذا ما لا نريده..

 

كافكا وأرسون ويلز في (المحاكمة)

سلطة الأدب.. وسلطة الكتابة في السينما

 

تعتبر معالجة المخرج الأمريكي ارسون ويلز المعروف بمفاجآته المذهلة دائما في وقت مبكر منذ بداية عمله في السينما الأمريكية عندما كان شابا يافعا، تعتبر معالجته لرواية كافكا الشهيرة (المحاكمة) وهي رؤية سينمائية متميزة وهامة جدا ليس في تاريخ هذا المخرج فقط، بل في تاريخ السينما بشكل عام، أو تحديدا في إشكالية تاريخ السينما وعلاقتها بفن الرواية بشكل خاص. وهي كأي عمل من أعمال ويلز الأخرى حازت على شهرة كبيرة، وأصبحت من كلاسيكيات السينما حيث تدرس في معاهدها الأكاديمية في مناطق مختلفة من العالم، ليس لأنها مأخوذة عن رواية كافكا فقط، بل لتفرد هذه المعالجة في تقديم قراءة جديدة لعمل أدبي ذائع الصيت كهذا، وهي بحق إعادة كتابة للرواية المذكورة بطريقة سينمائية مختلفة جدا عن الكتابة الأدبية التي جاءت فيها الرواية، ويحق لنا أن نفترض لو كان قد تسنى للمؤلف مشاهدة الفلم الذي أعد عن روايته لأعجب به كثيرا، ولما أمتعض كما يحدث لأغلب الكتاب في الوقت الحاضر عندما يشاهدون أعمالا روائية لهم على الشاشة، وخاصة عندما يكون العمل الروائي كبيرا ومشهورا وبحجم رواية (المحاكمة…!).

لقد عرف عن أرسون ويلز براعته في التعامل مع الأعمال الروائية والدرامية المكتوبة سلفا، وابتكاره لتقنية أسلوبية سينمائية جديدة مع كل عمل سينمائي يشتغل عليه. فإضافة إلى تجربته الطويلة على أعمال حازت شهرة كبيرة في وقت مبكر من حياته الفنية، مثل (المواطن كين) و(أيام العذاب العشرة) و(عطيل) و(سيدة من شنغهاي) وأعمال سينمائية أخرى. فهو لم يترك لعناصر اللّغة المقروءة عادة وبلاغتها الأدبية التي تتميز بها تلك الروايات، فقد تميزت أيضا رواية (المحاكمة) أصلا بالتعبير الصوري بعيدا عن المجازات اللغوية والبلاغة المجردة.. أو فيما يخص الوقوع تحت تأثير الأساليب البلاغية اللغوية في الروايات ومناظرتها صوريا كما هو شائع، فقد أغرى هذا المؤثر الكثيرين قبله وبعده، ليذهب بهم الأدب بعيدا عن السينما، وتوقعهم الرواية في حبائل السرد الروائي وبلاغة اللغة الأدبية.. وكل ما يتمثل فيها من جماليات اللغة والأدب ومقارباتهما، وكل ما يتعلق بها من بلاغة وجناس وطباق صوريين شاع استخدامهما بعد الابتكارات الجديدة في فن المونتاج ومذاهبه المختلفة..!

سبق وأن شاهدنا ذلك التأثر أو النقل الأدبي في أعمال سينمائية كثيرة متنوعة، وعلى يد مخرجين معروفين يمكن أن نستشهد بهم، تمثل أعمالهم كيف يمكن للرواية أن تنقل للسينما بعملية أشبه ما تكون بترجمة أدبية أكثر منها شريط سينمائي ينتمي الى حقل إبداعي آخر مختلف، كما هو في أفلام كثيرة، أعدت عن روايات معروفة مثل (الآمال الكبيرة) و(أوليفر تويست) وأيضا (الدكتور زيفاكو) وكلها للمخرج ديفيد لين، وأعمال أخرى كثيرة أيضا لمخرجين آخرين. ومع عملية النقل الأدبي تلك التي تتراوح بين النقل كترجمة سينمائية كما ذكرنا، أو كما تكتب وتجسد من جديد في الأعمال المذكورة، هذا ونستطيع أن نسمي هذا النوع من الاقتباس بأولا.. أما ثانيا.. فهو النقل الأدبي للسينما الذي يعكس تأثر المخرج ببلاغة الكاتب وأسلوبه اللغوي، بلاغته الأدبية لدرجة نقل مفرداتها وترجمتها صوريا كالجناس والطباق والتورية البلاغية اللغوية إلى الشاشة، وهناك أمثله كثيرة على ذلك مثلا (الحرب والسلام) لسيرغيه بوندراتشوك و(القاهرة الجديدة) لصلاح أبو سيف. وأما ثالثا.. فهو الاستفادة من العمل الأدبي كمرجع لا أكثر ومن ثم العمل بشكل مستقل عنه بحيث تكون النتيجة عملا إبداعيا جديدا ربما لا ينتمي الى الأصل أحيانا إلا بالاسم، وهذا ما تجسده إعمال عديدة ومشهورة، ولمخرجين كبار مثلا عمل جان رينوار على رواية (مدام بوفاري) وكذلك مسرحية (مكبث) التي أخرجها كل من الياباني كيراساوا والأمريكي البولوني الأصل رومان بولانسكي، وكذلك فلم (قصة الحي الغربي) المعد عن مسرحية (روميو وجوليت) للأمريكي أيضا روبرت وايز.

الإشكالية هنا ليست في موضوع الأمانة والخيانة كموقف أخلاقي من النص الروائي الذي كتب مسبقا، والاقتراب أو الابتعاد عنه كما يشكل ذلك مشكلة عند البعض، أو كما يطرح في بعض مناهج النقد السينمائي، بل هي في عملية إعادة أنتاج نص/عمل جديد لا ينتمي للأصل بأية صلة، ربما إلا بالاسم كما ذكرنا، وأحيانا حتى الاسم يتم تغييره كما هو الحال مثلا في مسرحية شكسبير (روميو وجوليت) عندما أصبح اسم العمل الجديد أو الفلم السينمائي (قصة الحي الغربي) فلا ضير من ذلك، أو ربما يبقى الإطار الحكائي للرواية الأصل فقط.

فلم (المحاكمة) ينتمي إلى الصنف الذي تكلمنا عنه في ثالثا، فقد أستطاع المخرج أن يوظّف أدواته السينمائية ولغته التعبيرية الجديدة أثناء كتابته للسيناريو وكأنه يعيد كتابة الرواية الأصل من جديد، إنه يستعير منها ثيمتها، أو بالأحرى فكرتها، أو أجواءها لكنه ظلّ أمينا لروحها أو الجو العام الذي أراده الكاتب رغم أنه لم يلتزم بنصها، والى حد ما بحسب المعايير النقدية الحديثة أنه كتب نصا جديدا..! لقد حوّل أرسون ويلز العمل الأدبي الروائي إلى عمل سينمائي بحت. فانه لم يأخذ من الرواية سوى ثيمتها الأساسية ليشتغل عليها من جديد. ولكن في مثل هذه التجارب السينمائية مع الأدب ليس من السهولة أن ينجو المخرج ـ أي مخرج كان ـ من سلطة العمل الأدبي ولغته الأدبية المهيمنة، ومفرداتها المؤثرة، وآلية تعبيرها (الأدبية) في عملية النقل تلك، وهنا تكمن براعة ويلز في وعيه لاستقلالية أدواته الصورية والسينمائية في التعبير، وآلية النقل باللغة السينمائية لا باللغة الأدبية الى الشاشة. وبكلمة أخرى أستطاع أن يرقى أرسون ويلز بالسينما إلى مصاف الأدب بالتوازي، بوصفها إبداعا مستقلا بذاته وليس تماهيا معه أو سيرا خلفه، كما شاهدناه في أعمال سينمائية كثيرة.

مشهد الاستهلال أو مشهد التقديم الذي يعتبر من المشاكل المهمة في أي عمل درامي أو أدبي، فقد شغل هذا المشهد أذهان الكثير من المؤلفين والمبدعين، وخاصة في مجال الأدب وبالذات المسرح، إذ يعتبر غاية في الأهمية، ففي هذا المشهد يستطيع الكاتب أن يوجز أو أن يوضح أو أن يقدم الفكرة الفلسفية للعمل الأدبي أو تمهيدا للثيمة الدرامية بشكلها التجريدي أو الإشاري الذي أشتغل عليها الكاتب أو المؤلف. وبعبارة أخرى فأن هذا المشهد عبارة عن عملية توضيح أو تفسير بشكل غير مباشر للعنوان الرئيسي للعمل، وفي الوقت نفسه عملية تجريد فلسفية لذلك الموضوع. وهذا ما أستطاع أن ينجزه المخرج أرسون ويلز على الشاشة في مشهد المقدمة المذهل.. وهو مشهد قل نظيره في السينما العالمية بشكل عام آنذاك، فقد قدمه المخرج على شكل رسوم ثابتة تتغير مع تسلسل السرد أو رواية الحدوتة التي أخذت حكايتها أصلا من الرواية بعد التعديل أو الإضافة، والتي تروى على لسان الراوي.. والذي هو في الواقع المخرج… فهو في هذا المشهد يضعنا في مواجهة المقابل الفلسفي لثيمة الرواية التي أشتغل عليها الكاتب في روايته الشهيرة.. متجسدا بشكل متخيل صوري جديد، إذ يقول الراوي: (أن منطق هذه الحكاية هو منطق الحلم، هل تشعرون أنكم وسط متاهة..؟ لا تبحثوا عن المخرج، فلن تستطيعوا العثور عليه أبدا، ما من مخرج هناك.. هذه الحكاية مروية في قصة أسمها “المحاكمة”)

لقد أشتغل الكاتب في الرواية على فكرة فلسفية غاية في الأهمية وهي إدانته لأي نظام قمعي شمولي، أو لأية سلطة قمعية تدرج في سياق الأنظمة السياسية التي ألفناها فيما بعد… أما كيفية تجسيد تلك الإدانة فقد جاءت عبر عرض كيفية عمل آلية الهيمنة لتلك السلطة على الأفراد، أو أي فرد لا على التعيين، متمثلة في عرض لمجسم بيروقراطية شمولية هائلة وغريبة الشكل، بأذرع أخطبوطية معقدة، تجسدت بخيال سينمائي جامح ومدهش، وعبر صيغ مبالغة مقصودة مسبقا في تعميق غربة الفرد عن تلك البنية الاجتماعية التي صنعت ذلك المجسم، وتغييب لفردية الإنسان. وقد تجسدت تلك الغربة والغياب في مواجهة الفرد لسلطة سرمدية غير منظورة، عبر شبكة آلية من القوانين الخرافية التي تثقل كاهل الفرد والمجتمع، عبر أكداس الوثائق الكثيرة غير المهمة والمنتشرة هنا وهناك في أقبية رديئة الإنارة، والمراسلات الغامضة بين أطراف غير مرئيين، والتراتبية الاجتماعية غير المرئية أيضا، والمكاتبات المبهمة (مشهد مكتب المحامي مثلا..) التي تغرق حياة (مستر ك) في سيل من الاتهامات والإدانات غير الواضحة وغير المسماة وبشكل غير مبرر… ومن ثم شعور ذلك المواطن بالذنب مسبقا، وإدانته من قبل تلك السلطة التي يقف أمامها عاجزا وضعيفا وبإرادة مسلوبة، ردود أفعالها محسوبة بدقة، عدا ردّة فعله في مشهد الإعدام أو القتل بالمتفجرات في نهاية الفلم.

لقد جاء ذلك التعبير الصوري في ذلك الشريط السينمائي أشبه ما يكون بإدانة لكل ما هو مدون أو مكتوب باعتباره جزءا من تراث ونظام تلك السلطة الشمولية التي اعتمدت في إذلالها للمواطن التدوين الكتابي الورقي من خلال كمية الوثائق المكدسة في كل مكان…!! التي استمدت قوتها وسلطتها الشمولية من كل من يقف من خلف تلك المدونات (القانونية) أو السلطة الورقية أو… موضوعة الكتابة والتدوين بشكل عام أصلا..! فقد ارتبطت الأخيرة دائما بالسلطة القمعية والتعسف السياسي منذ نشوئهما تاريخيا عبر العصور واستخدامها لها، وقد كانت أحد أدواتها في فرض التسلط وأدامته، وقد سخرتها بالكامل في فرض تلك الهيمنة وتأبيدها في مختلف العصور.

أما إدانة المخرج لتلك الموضوعة التي تناولها الفيلم فقد تجسدت عبر تخلصه كموقف متماثل لاستنتاجنا، من موضوعة الكتابة أيضا أو التدوين بشكل عام.. وحتى كتابة (التايتل أي شريط أسماء العاملين) التقليدي بالتحديد في بداية الفيلم ونهايته، وسخريته من موضوع وثائق الاتهام ومحتويتها والتي تكدست في كل مكان بشكل مثير للسخرية والاشمئزاز، صحيح أنه ظهرت في بداية الفلم كتابة بأسماء الفريق التقني للفلم فقط لا غير، ولم تشكل أي حضور مؤثر على الشريط لا من ناحية المساحة أو الزمن. أما في نهايته فقد عوّض عن ذلك التعريف الضروري بالسرد عن طريق شريط الصوت (الصوت من خارج الكادر) مع آخر لقطة ثابتة من الفيلم التي تمثل غيمة الدخان التي تتبقى من الأنفجارات التي تقتل (مستر ك) والتي شكلت نهاية الفيلم مع صوت الراوي مرة وأخرى ليتلو علينا أسماء الممثلين وكل العاملين الآخرين ويختمها الراوي بقوله (أنا لعبت دور المحامي وكتبت السيناريو وأخرجت هذا الفلم وأسمي أرسون ويلز).

لوليتا… الرواية ـ السينما

 

تزدحم رواية فلاديمير ناباكوف المعروفة (لوليتا)(7) بإحالات كثيرة إلى المنظومة الإشارية للسينما، حتى من خلال قراءتها الأولى، وربما ذلك الإيحاء لدى القريبين أو المطلعين على الحقل المعرفي الثقافي لهذا الفن، وفعلا قد تولد لدينا ذلك الانطباع قبل أن نشاهد الفلم السينمائي المعد عن تلك الرواية، لدرجة انه بدا لنا بأن كاتب الرواية يعمل في حقل العمل السينمائي، ويمتلك إلماما كبيرا بمفرداته وآلياته..! إلماما يبدو أحيانا وكأنه إلمام المحترفين وهذا ما نجهله عنه، إذ ترد تلك الإحالات وكأنها تأثر مباشر بالأساليب السينمائية أو بأدواتها التعبيرية في التصوير والمونتاج، وما إلى ذلك من المفردات المعروفة في اللغة السينمائية، وهي تأتي أحيانا على شكل إحالات أو تذكير بمرجعيات أو بثقافة سينمائية واسعة، مثلا يرد هذا الوصف على لسان الراوي حين ينظر الى زوجته على الشكل التالي (ألتفتت بوجهها الدياتريشي..) هكذا دون أن يفسر هذه الإحالة أو مصدرها أو حتى معنى الكلمة، ويتكرر ذلك مرات عديدة، كل هذا بجانب شكل آخر من التأثر التقني الواضح.. إذ احتوت الرواية على مشهد رئيسي وكأنه مشهد كتب أصلا كمشهد من سيناريو مستقل للسينما، وهو المشهد الذي تخرج فيه السيدة شارلوت هاز (أم لوليتا) زوجة الراوي فيما بعد وهي غاضبة من الدار لكي ترمي الرسائل في صندوق البريد القريب من منزلها عبر الشارع بعد شجارها معه، أو بعد ان كشفت ما كتبه في دفتر مذكراته.. الذي يفصح فيه عن عواطفه تجاه (لو…) ابنتها الوحيدة من زوجها المتوفى…. فتدهسها فجأة سيارة سريعة عابرة حينذاك، فأن هذا المشهد مثلا جاء في الرواية وفي تسلسل سببي كأنه جزء من سيناريو محكم البناء قبل أن يكون مشهدا في رواية عاطفية.

وعلى مستوى الرواية نفسها فقد جاء مقتل السيدة هاز بهذا الشكل الدراماتيكي وكأنه تحول مفاجئ وفريد في تسلسل السرد، لدرجة يبدو فيها الراوي السيد همبرت، هو الذي رتب ذلك المشهد أو الموت المفاجئ للسيدة هاز. إذ تخلو الرواية تماما من مشهد آخر يماثله في مثل هذه الحدة في الانتقال أو القطع المفاجئ الى حد يتمناه البطل من كل أعماقه. هذا حتى إذا ما جردنا حادث هروب أو اختطاف لوليتا من همبرت فيما بعد، من التمهيد الذي كان الراوي يهيء له أو يتوقعه، وهذا من طبيعة السرد الروائي الذي جاء على لسانه أي همبرت الذي كان يتوقعه ويمهد له كثيرا، فلم يرق هذا الحدث الى مستوى الحدث الأول الا وهو موت السيدة شارلوت هاز…

لقد قدمت الرواية شكلا سرديا غير مغر إلى السينما، أو هو أبعد ما يكون عنها، إلا وهو توالي سرد الأحداث، أو الاعترافات على لسان بطل الرواية نفسها من البداية حتى النهاية، إذ أن هذا الشكل قلما استخدمته السينما أو اتكأت عليه، فعندما تروى الأحداث في السينما على شكل مشاهد استرجاع (فلاش باك) فأنها تضعف التسلسل الدرامي الذي تحتاجه الدراما في نموها وتطورها بشكل عام سواء على المسرح أو في السينما، إذ أن التذكر يقع خارج سياق التصاعد الدرامي المفترض للأحداث ومسبباتها، وإذا حدث ووقعت مشاهد الاسترجاع تلك ضمن ذلك السياق فأنها ستكون الحلقة الأضعف في ذلك التصاعد، أو أنها تكسر حدة ذلك النمو المفترض، فالتذكر هو حالة استرخاء.. أو على أنها لا أكثر من إشارات أو معلومات أضافية عن أحداث وقعت في الماضي، وخاصة عندما تتقاطع تلك المشاهد (الاسترجاع) بأحداث آنية أخرى، لذا تخلص كاتب سيناريو الفلم ومخرجه أدريان لين من تلك المشكلة.. بأن جاء الشريط كله كإطار سردي استرجاعي استهله مع المشهد الأول وكلمات الراوي/البطل بصوت من خارج الكادر بالكلمات نفسها التي تبدأ بها الرواية كما هو في النص الأدبي.. عن دلالة أسم لوليتا بالنسبة له (أي الراوي) ثم ليخاطب في الصفحة نفسها من الرواية (سيداتي وسادتي القضاة) وهذه مسالة في غاية الأهمية، فالقضاة الذين لم نرهم على شريط الفلم، لم يتمتعوا بأي شكل من الوجود السينمائي وحتى الروائي في النص الأدبي، وهذا ما سنتعرف عليه فيما بعد من خلال السرد وتكرار تلك الكلمات في بعض الأحيان (سيداتي سادتي) كل هذا مع لقطات عامة لسيارة (فورد بوكس) التي سنتعرف عليها فيما بعد في الرواية، فهي سيارة (مدام هاز) بعد أن قتلت في حادث الدهس المفاجئ الذي أشرنا إليه، وهي تسير بشكل مترنح على طريق ريفي متعرج، ومن ثم للبطل/الراوي بلقطات كبيرة وهو يقود تلك السيارة، حينها كان يبدو بحالة منهكة مزرية، ثيابه ملوثة بالدم، شارد الذهن وبجانبه مسدس مرمي على المقعد الجانبي يتأرجح مثله بلا أي اهتمام، يتأرجح مع السيارة وترنحها على ذلك الطريق، والتي يقودها كما يبدو وهو يائس وبلامبالاة واضحة، مع توالي اعترافه بصوته الخارجي (أي من خارج الكادر) من النص الروائي.

لم يكشف الكاتب أبدا عن تقنيته هذه بوضوح أو بمباشرة فجة.. (أي مشهد الاعتراف أمام المحكمة وهيئة المحلفين غير المرئية.. أو غير الموجودة أصلا بالنسبة للمتلقي حيث يتلو المتهم/الراوي اعترافه أمامهم…! وهو الشكل السردي الذي اتخذته الرواية) إلا بشكل ملتو.. ملتبس غير مباشر، إذ إننا لم نسمع أي صوت غير صوت الراوي وذكرياته وهو يبرر لجريمة القتل التي سيرتكبها في خاتمة الرواية…!! وهذا على شكل مونولوج طويل أمتد من بداية الرواية الى نهايتها، فابتدأ مخرج الفيلم من ما بعد ذلك بالضبط.. أي من نهاية ذلك المشهد الختامي أو نهاية الرواية… أي هروب البطل/الراوي المفترض بعد مشهد القتل أو الإعدام الذي نفذه بغريمه شقيق طبيب الأسنان.. الذي اختطف لوليتا…! الرواية كذلك لم تكشف كل حبائلها مرة واحدة، أو توضح بشكل جلي تلك الإشارات المتفرقة التي وردت من خلال سرد تلك الاعترافات، إلا في الصفحات الأخيرة من الرواية وبالتحديد نهاية فصلها الأخير.

أما المشهد الثاني في الفيلم الذي جاء في نص الرواية، وهو أيضا جزء من ذلك الاعتراف، وهو ما يرويه الراوي همبرت همبرت عن ذكريات مراهقته الأولى وبصوت من خارج الكادر أيضا، مع تجسيد سريع مقتضب لتلك الحوادث على الشاشة عن قصة غرامه الأول مثلا، الغرام الذي ترك أثرا حسيّا ونفسيا كبيرا في حياته فيما بعد كما يرويها البطل في الرواية وليس الفلم. وهو يسهب في تقديم ذلك التمهيد في الرواية كمبرر لسلوكه (المشين..) فيما بعد، أي التعلق بالفتيات الصغيرات، وكما قلنا كنا نقرأ في الرواية أو نسمع ذلك الاعتراف في الفلم السينمائي فقد كان بلغة أدبية منمقة معتنى بها، هي أبعد ما تكون اعترافا شفويا أو كلاما عفو الخاطر أمام هيئة المحلفين غير الموجودة في المحكمة، أو إجابات عن أسئلة القضاة أو الادعاء العام، إذ يرد في الرواية وفي خضم ذلك الاعتراف الطويل فيما بعد، أن الراوي طلب من هيئة المحكمة ورقا وقلما ليدون دفاعه أو اعترافاته…! هذه التي يتلوها علينا وعلى هيئة المحلفين منذ البداية سواء في الرواية أو في الفلم…!!! وذلك عبر جملة مقتضبة ترد خلال ذلك السيل من الاعترافات في منتصف الرواية، لكنه يشير الى ذلك بشكل واضح في الصفحات الأخيرة من الرواية..(8) ولكن هذا ما وقع ضمن ما تخلصت منه السينما عندما أعدت الرواية في كتابة السيناريو.. من دون أي أشارة لهذه الثيمة الأساسية التي أشتغل عليها كاتب الرواية ولكن تركتها السينما من دون أي تذكير…!

يبدأ المشهد الثالث سينمائيا.. المشهد الذي سيدخلنا في الثيمة الرئيسية للرواية أو الفلم، مع استمرار ذلك الصوت/الاعتراف لوصول همبرت بالقطار إلى رامسدال المدينة الصغيرة في ولاية نيوأنغلند، التي سيلتقي فيها فجأة بالجنية…! التي يحلم بها ويبحث عنها بشكل دائب طيلة حياته الا وهي.. لوليتا وابتداء من هذا المشهد سيقتصد المخرج تماما وبشكل ملحوظ في استخدام الصوت من خارج الكادر الذي يسرد أحداثا سابقة أو يعلق عليها كما جاء في المشاهد الأولى من هذا الشريط، ففي المشاهد التالية يهيمن استخدام الصوت من داخل الكادر.. أي الصوت الطبيعي والحوار بين الشخصيات، ولكنه يعود إلى تلك التقنية الصوتية لاحقا عندما يكون هناك حوار داخلي للبطل/الراوي أو في تعليق له على حدث ما من خارج الكادر، أو عندما يعود ليخاطب هيئة المحلفين والمحكمة أحيانا.

أما كيف تجسد الأعداد السينمائي للرواية في مواجهة تلك المعضلة (التذكر أو الفلاش باك في السينما) فقد تمثل بأن بدأ السرد السينمائي، أو سيناريو الفلم من نهاية الحكاية التي وردت في اعتراف المتهم/الراوي، أي بعد قتله لخاطف جنيته وحبيبته لوليتا.. وهروبه اليائس من العدالة سينمائيا.. أي كما جاء في الفلم والرواية.. وهكذا أختزل كاتب السيناريو/المخرج جزءا مهما من الرواية وتخلص منه على حسابها وعلى حساب شخصية الراوي/البطل نفسه، وهو السرد الذي يقدمه البطل لفصول طويلة من حياته عن مستهل شبابه وبداية أزمته النفسية أو الجنسية، وبحثه الدائب عن (الجنيات) وتأكيده على الأثر الذي تركه في نفسه غرامه الأول حيث ماتت حبيبته (الجنية الأولى في حياته) بمرض التيفوس..! ومن ثم بحثه الدائب عندما يتقدم به العمر عن ذلك الصنف من الفتيات.. أو كما يسميهن فيما بعد لوليتا (أي لوليتا كانت..!) في بيوت الدعارة وأماكن أخرى كان يطوفها في حياته العاطفية الممزقة، التي تعلقت بجذر جنسي مفقود منذ زمن الصبا البعيد (حبه الأول) ظل يعيش ويعاني من فقدانه طيلة حياته، تحول معه إلى ما يشبه العصاب المرضي أو ما يسميه التحليل النفسي رضّة عصبية… أي كل ما يعتقد أنه مبرر له لاقترافه الجريمة الأخيرة…!!

أما زواجه الأول الفاشل وما رافقه من سرد لتفاصيل ساخرة جدا عن بداية تعرفه لزوجته الأولى، ومن ثم خيانتها له مع عشيقها (سائق التاكسي) الذي هجرته من أجله..! وغير ذلك من الأحداث والصوّر التي من غير الممكن أن تستوعبها السينما على شريطها الصوري المحدود الاستيعاب أصلا، فقد تم التخلص منها أيضا. ولكن كل تلك التفاصيل الأخرى فيما يخص الجزء الذي يتعلق بلوليتا من بقية الرواية، أي فيما يخص علاقته بـ (لو..) وتعرفه إليها والى أسرتها فقد جاء كما هو تقريبا وكما قرأناه في الرواية تقريبا، كل التفاصيل التي كان يراها ويرويها الراوي، مهما كانت صغيرة وغير مهمة سواء كانت عن (لو..) أو فيما يحيط بها، نقلها المخرج بعناية فائقة، لا نقول بأمانة بل لأن الكاتب أصلا وكما أشرنا في البداية كان يراها ويصفها بعين سينمائية نافذة، ولم تكن قط أضافية أو زائدة. ولأن المخرج أيضا سعى الى أن ينقل لنا بدقة الجو العام للرواية الذي صنعه الكاتب في هذا الجزء من الرواية، وكذلك السمة الحسية والشحنة العاطفية (الجنسية) التي كانت تعتمل في ذات البطل/الراوي والتي تستيقظ أمام مثل هذا النوع من الفتيات/الجنيات كما يحلو له أن يطلق عليهن، كان من المستحيل أن نصل الى ذلك الجو ونشعر به من غير ذلك التمثيل الصوري، والتجسيد الحقيقي لما جاء في مفردات الرواية واستيعاب طاقتها الوصفية له، كل هذا باستثناء الكثير من التفاصيل التي تخص الرحلة الطويلة التي قطعها همبرت مع لوليتا بعد وفاة أمها، وما رافقها من وصف مسهب لكل صغيرة وكبيرة صادفتهما في طريق الهروب من رامسدال.. وعلاقته الجنسية غير الشرعية معها، وغيرته المفرطة عليها وإحساسه الغامض بأنه سيفقدها والذي يمهد له ويشير إليه كثيرا.

بذلك يكون المخرج قد أخفى بكل ذكاء مؤقتا خط الشروع الذي بدأ به سرده السينمائي (المشهد الأول) في تسلسل انسيابي للقص أو السرد الصوري، فها هو يعود إليه بكل سلاسة ومن دون أي مفاجئات درامية، في ابتكاره لمشهد الهروب الختامي في الرواية..! فبعد أن يقتل همبرت مستر كيلتي الكاتب المسرحي الذي خطف لوليتا في نهاية الرحلة تلك، يهرب هنا البطل في المشهد السينمائي الأول (ليس بمعنى الهروب من الشرطة.. بل الشعور بالخلاص من عبء ثقيل.. على حد تعبير الراوي..) في السيارة المترنحة، لتلقي الشرطة عليه القبض في ذلك الطريق الريفي، وبذلك ينتهي الفلم.

كل ذلك إذا أردنا أن ننظر إلى إشكالية علاقة تلك الرواية بالسينما. ولكن مما يسجل للرواية خاتمتها الرائعة والجميلة إلى حد لا ترقى إليها الكثير من النهايات في أنماط الدراما وفنون السرد الروائي، وبكل أشكاله، وهو مشهد القتل بعد أن يهيئ همبرت لائحة الاتهام (الشعرية..) تلك ليقرأها على (المجرم..) كيلتي قبل أن يبدأ بإطلاق النار عليه، وتعمد قتله تدريجيا أو ببطء، ومقاومة الأخير له في تلك الحوارات المذهلة المتبادلة بينهما، والتي قل نظيرها في الأدب المكتوب كله، فقد كان مشهدا أدبيا أو شعريا بحق، حيث كان يتظاهر مستر كيلتي وهو جريح ويتلقى رصاصات متتالية ولكن بشكل بطيء.. بأنه يستمع الى قصيدة شعرية جميلة، وليس الى لائحة اتهام تجريمه شخصيا.. وكان يدعو غريمه للكف عن هذا المزاح الثقيل.. فلم يكن يترجاه أو يتوسل إليه.. بل يأمره بأن يبعد هذا المسدس عنه…!! أو (كف عن هذا يا صديقي فهو مؤلم جدا..) كما يصف الراوي انفعالات الضحية وهو يتلقى الرصاص.. (كان وجهه يتشنج بتقطيبات دقيقة تهريجية كأنما يبالغ في إظهار ألمه..) أو (كلما كانت أحدى الرصاصات تخترق جسمه كان يرتعش ويصيح “آه” بلهجة نسائية..)(9) الى أن يقضى عليه تماما…!! من غير الممكن أن نقارن هذا المشهد بالمشهد التقليدي الذي اختتم به الفلم السينمائي الذي رأيناه، والذي جاء مماثلا لكل النهايات التقليدية التي شاهدناها ونشاهدها دائما في أغلب نتاجات السينما الأمريكية (الأكشن) أو النتاجات السينمائية الأخرى التي تقلدها (إلقاء القبض على المجرم من قبل الشرطة بعد ارتكابه الجريمة) صحيح أن الراوي في الصفحات الأخيرة يشير بشكل غير مباشر الى ذلك الهروب… ولكنه كما قلنا آنفا ليس هروبا اعتياديا كما نشاهد في بقية الأفلام.. فالراوي/البطل يعتبر نفسه عند تنفيذه القتل غير مذنب بالمرة.. فهو الآن (أي عند كتابته للرواية) نزيل مصحة عقلية…!!

والشيء الآخر الذي لم يكن بمقدرة السينما الوصول إليه من الرواية وتجسيده صوريا هو قابلية السخرية اللغوية الفاحشة الرهيبة التي يتمتع بها الكاتب.. السخرية من كل شيء حوله، حتى من أسمه أو ذاته التي نالت الجزء الأوسع من ذلك القذف، وقد كانت أحيانا سخرية مريرة الى حد الشتائم، ومقارنات أو مقاربات لغوية قاسية جدا قل نظيرها في الأدب المكتوب، تعكس ما كانت تجيش بها نفس البطل من ألم مرّ وحرمان مبكر كبيرين. هذه السخرية مرة من الآخرين مثل (ومنذ تلك اللحظة أصبح هذان الخنزيران في عداد خير أصدقائي..)(10) ومرة أخرى من الذات واهانتها والنيل منها مثل (فأن الشهواني فيّ وهو شيطان قذر جبار..)(11) وغيرها من تعابير مماثلة.. ربما تعكس دلالة غاية في الأهمية ليس لدى شخصية الراوي فقط بل لدى الكاتب أصلا الذي أراد طمس تلك السمة أو الهوية وتغييبها، الا وهو الشعور بالإثم والذنب إزاء تلك الرغبات المعلن عنها..! بالإضافة إلى شعوره بالغربة والاغتراب المادي عن ذلك المجتمع (المجتمع الأمريكي) في كونه طارئا عليه، رغم كل محاولاته من أظهار انسجامه مع ذلك المجتمع وتأكيد انتمائه إليه، إلا أن الرواية تتضمن إحالات كثيرة تعني الإيحاء بذلك بشكل غير مباشر، مثلا خوفه المريع من الاقتراب من رجال الشرطة، كما أن سمة الشعور بالذنب تبطنت الرواية من أولها إلى آخرها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الهوامش

(1) السينما آلة وفن ترجمة صلاح عزالدين وفؤاد كامل، مكتبة الفنون الدرامية (18) منشورات مكتبة القاهرة ص321

(2) جورج لوكاش

(2) علم جمال السينما تأليف هنري آجيل ترجمة إبراهيم العريس ـ المكتبة السينمائية دار الطليعة بيروت ص29

(3) المصدر السابق ص 149

(4) السينما بين الوهم والحقيقة تأليف بول وارن ترجمة علي الشوباشي الهيئة العامة للكتاب 1972 ص 56

(5) قصة السينما في العالم من الفيلم الصامت إلى السينيراما تأليف آرثر نايت ترجمة سعد الدين توفيق ومراجعة صلاح أبو سيف (دار الكاتب العربي للطباعة والنشر) القاهرة 1967 ص 118

(6) المصدر السابق ص 117

(7) رواية (لوليتا) لفلاديمير ناباكوف منشوارات مكتبة النهضة بغداد ستة 1984 الطبعة الأولى.. بدون أن يحتوي الغلاف أية إشارة الى اسم المترجم..

(8) ص 409 الرواية..

(9) ص 409 الرواية..

(10) ص157 الرواية..

(11) ص165 الرواية..

 

 

مصادر قاسم محمد المسرحية

 

المؤثـــرات والتــأثــير

قد يبدو من الصعب جدا الإحاطة بمساحة جغرافية الإبداع المسرحي المتنوعة التي تحرك عليها الفنان المسرحي العراقي قاسم محمد، وذلك بسب غزارة إنتاجه إخراجا وإعدادا وتأليفا، وفي أحيان أخرى تمثيلا.. وتدريسا لاختصاصات مختلفة في فن المسرح في معهد الفنون الجميلة واكاديميتها (كلية الفنون.. لاحقا) ببغداد (إخراج ، تمثيل ، رياضة مسرحية الخ..) فهو ينفرد من بين جميع زملائه المسرحيين العراقيين بهذه الغزارة المتنوعة في الإنتاج المسرحي, لذا نود أن ننوه.. بأنه كان من الصعب جدا أن نلم أو أن نتابع جميع المسرحيات أو العروض المسرحية التي أعدها أو أخرجها أو(كتب..!) النص لها كما يشير الى ذلك دليل العرض (الفولدر) في معظم الأحيان، وهذه النقطة الأخيرة (كتب..) موضع تساؤل منّا كما سنوضح ذلك خلال هذه الدراسة، أو مقارنة في ما يسميه الفنان نفسه أحيانا (سيناريو..) العرض المسرحي..! وسيقتصر بحثنا على فترة تاريخية محددة من نشاط هذا الفنان ويبدأ منذ عودته بعد إكمال دراسته الأكاديمية بموسكو عام 1971 ولغاية عام 1984 لأسباب فنية وأخرى واقعية…..

وكذلك لا نعني بمصادر قاسم محمد المسرحية كما جاء في عنوان البحث.. بمعنى النصوص أو المصادر التاريخية والأدبية التي شكلّت مرجعية ثقافية أو نصية لأعماله ونتاجاته المسرحية, بل نعني المؤثرات.. أو المحددات التي أشتغل تحت تأثيرها فكريا أو أسلوبيا… المؤثرات السياسية والفكرية والفنية التي تركت مؤشراتها أو آثارها واضحة على أعمال هذا الفنان.. وسواء كانت هذه المؤثرات مباشرة أو غير مباشرة والتي طبعت جميع أعماله المسرحية بطابعها، المؤثرات سواء بشكلها التقني الظاهر في الشكل الفني أو الأيديولوجي أو ألظرفي السياسي أحيانا، وأيضا طبيعة ذلك التأثر والأشكال الفنية الإبداعية المختلفة التي تجلى بها في تلك الأعمال والعروض المسرحية الكثيرة، مع الإشارة إلى تلك المصادر أو المرجعيات سواء بشكلها الأدبي أو الوثائقي أو الظرف السياسي الذي سمح بها.

عندما عاد ذلك المسرحي العراقي الشاب من موسكو عام 1971 بعد (التغيير الثوري..) الذي حصل في البلاد في السنوات القليلة التي سبقت عودته (1968) وكما شاعت تلك التسمية في الأدبيات السياسية حينها… كان الفنان العائد أيضا محملا بطموحات فنية مسرحية كبيرة جدا… لمسناها في تلك الغزارة والتنوع المثير في تلك التجارب المبكرة له بعد عودته مباشرة, وربما ساعده على ذلك ما أتاحه المناخ الثقافي والسياسي المحلي السائد آنذاك، والمنفتح على اليسار العالمي وأفكاره ومناهجه المتنوعة في مستهل عقد السبعينات. في بداية أعماله المسرحية بعد عودته مباشرة نستطيع أن نقول: أن المضمون السياسي الإنساني والاجتماعي (الثوري التقدمي…) هو الذي شغل تفكير ذلك الفنان الشاب العائد توا من موسكو، العاصمة البراقة لليسار العالمي آنذاك، قبل ثورية الشكل. وبشكل أدق لم نستطع أن نحدد في تلك الأعمال وفي هذه الفترة المبكرة من حياته المسرحية ونشاطه المتوقد هما واضحا للبحث عن شكل فني جديد للعرض المسرحي كالذي لمسناه لديه وشاهدناه بشكل واضح في فترة لاحقة من تجاربه, صحيح إننا شاهدنا أعمالا مسرحية جديدة شكلا ومضمونا, لكن هذا المضمون (الثوري التقدمي) هو الذي تقدم إلى واجهة العرض وأصبح لافتة علنية له.

ربما حداثة تلك النصوص التي أشتغل عليها، وكونها مترجمة أصلا عن مرجعيات يسارية أو مسرح (راديكالي) حديث في وقتها، فإنها عكست هذا الاتجاه في المسرح بسب سخونة الأحداث السياسية.. أحداث من مثل مناصرة القضية الفلسطينية والتضامن العالمي معها…. ظهور وانتشار نموذج شخصية الثائر الارجنتيني تشي جيفارا وترجمة مذكراته المثيرة للاهتمام وتوزيعها داخل العراق في ذلك الوقت، الى جانب الاهتمام بالتجربة الكوبية وتسليط الضوء عليها في ذلك الوقت.. القصف الأمريكي على فيتنام, ثورات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا, مناهضة التمييز العنصري في أمريكا وأفريقيا, وجذب تلك الأحداث لحملات تضامن الطلبة والشباب في العالم وعقد المهرجانات الدولية من اجلها، وقبلها ثورة الطلبة في فرنسا وآثارها العالمية الفكرية والسياسية فيما بعد. إذ نلمس ذلك المؤثر العالمي أو الأممي واضحا في المسرح العراقي عموما بشكل ملموس ومباشر ليس عند قاسم محمد وحده، فقد شهدت تلك الفترة عروضا مسرحية هامة جدا تنضوي تحت تلك اللافتة أيضا نفسها من مثل مسرحية (أين تقف..؟) التي أعدها وأخرجها المخرج السينمائي والمسرحي الراحل جعفر علي، كما قدم المخرج نفسه أيضا في الموسم التالي مسرحية (فيت روك) لبيتر بروك, وأخرج أيضا الفنان حميد الحساني في الوقت نفسه مسـرحيـة (أنشودة أنغولا أو غول لويتزيانا…) لبيتر فايس.

في هذا الجو الفني والأدبي المشحون بالقلق والهم السياسيين الواضحين وبـ (القضية العالمية…!!) غائمة الملامح، وبنزعة أممية عاطفية بالدرجة الأولى، مقابل اهتمام بدرجة أقل منه بالقضايا العربية باستثناء القضية الفلسطينية.. إضافة الى الاهتمام بالدرجة الأدنى بالموضوع السياسي المحلي..! بدأ قاسم محمد نشاطه المسرحي، إذ قدم بعد أن ترجمها بنفسه مسرحية (حكاية الرجل الذي صار كلبا) لأزفالدو دراكون، كما ترجم ومثل في مسرحية للكاتب نفسه أيضا (قصة صديقنا بانجيتو) والتي أخرجها في ذلك الموسم الفنان روميو يوسف, وقدم أيضا اخراجا في الموسم نفسه مسرحية (الإملاء) للكاتب الإيراني التقدمي كوهر مراد وهو أسم مستعار للدكتور غلام حسين ساعدي. كما أنه أشتغل في نفس الموسم أيضا على مسرحيته العراقية الشعبية ذائعة الصيت (النخلة والجيران) التي اسهم في إعدادها مع كاتبها العراقي المغترب غائب طعمه فرمان التي سنقف عندها لاحقا

. قدّم قاسم محمد إخراجا في الموسم التالي مسرحية (أنا ضمير المتكلم) التي أعدها عن قصائد لشعراء (المقاومة الفلسطينية) آنذاك، وقصائد أخرى لبيتر فايس وبيتر بروك وبرتولد برشت وآخرين، وهذه المسرحية تتمتع بأهمية خاصة لدى الباحث..! إذ إنها عكست لأول مرة شكل التأثر السياسي والفني السريع بما هو آني وسائد والذي وسم بميسمه أغلب أعمال قاسم محمد للفترة اللاحقة من حياته المسرحية هذا أولا , وثانيا تأتي أهمية تلك المسرحية في كونها عرضت بمهرجان دمشق المسرحي الرابع، حيث شاهد قاسم محمد لأول مرة في حياته أعمالا مسرحية مستوحاة من التراث العربي الإسلامي، إذ قدم المخرج المغربي الطيب الصديقي هناك تجربة جديدة ومثيرة للجدل حينذاك، معدة عن أدب المقامات، وتحديدا مقامات بديع الزمان الهمذاني وتحمل الاسم نفسه، كما شاهد أيضا مسرحية (جحا في الصفوف الأمامية) للمخرج جلال خوري, وقد لعبت هذه المشاهدة لتلك الأعمال، وستلعب لاحقا دورا كبيرا مهما ومؤثرا فيما بعد، بل ستكون نقطة تحول في حياة فناننا الشاب.. إذ لفتت تلك التجارب نظره إلى حقل جديد لم يلتفت اليه سابقا إلا وهو التراث العربي والموروث الشعبي، وسواء كان العربي أو المحلي المكتوب منه أو ألشفاهي, بعد أن كان يشتغل في الحقل السياسي والاجتماعي المباشر، إذ طبعت تلك المشاهدة أكثر أعماله اللاحقة بطابعها، وبالتحديد الأعمال التي تناول فيها الموروث العربي الإسلامي والمحلي الشعبي، وسوف نتعرض لذلك بالتفصيل فيما بعد وفيما يخص أعماله اللاحقة.

وفي الموسم المسرحي للعام1971 قدم قاسم محمد رواية غائب طعمه فرمان (النخلة والجيران) بعد أن اسهم في أعدادها للمسرح مع المؤلف في إثناء مزاملته له خلال فترة دراسته للمسرح في موسكو. وقد جاءت هذه المسرحية تتويجا لنشاط المسرح العراقي الواقعي (السياسي) وتاريخه عموما في عقدي الخمسينات والستينات الذي ابتدأ مع مسرحيات من مثل (آنه أمك يا شاكر) تقريبا و (فلوس الدوه) وأعمال مسرحية أخرى أقل أهمية، فقد كانت مسرحية (النخلة والجيران) قمة ذلك الاتجاه من دون منازع، إذ لم يرتق أي عمل مسرحي عراقي آخر تلك القمة بعدها أبدا، لكن ذلك المنحى بدأ ينحدر بعد المسرحية الأخيرة تدريجيا سواء فكريا أو فنيا، من غير أن يحاول أحدا الارتقاء به أبدا، فقد استلبت الكوميديا التجارية فيما بعد التي تلبست بلبوس المسرح الواقعي في السنوات الأخيرة والتي أتسمت وأسرفت بالابتذال أغلب الأحيان.

لنعد الى مسرحية (النخلة والجيران) فقد منحت الرواية الواقعية نفسها للمسرح بسهولة.. بحكم منهجها وطريقة كتابتها, إذ كان فيها المؤلف والمعد ـ المخرج خاضعين فيها تماما لمذهب (الواقعية) الفنية في المسرح، والتي شكلت مرجعيتهما الفكرية والسياسية بحكم وجودهما معا في موسكو آنذاك. ربما تتفرد مسرحية (النخلة والجيران) بعدم خضوعها لأي مؤثر خارجي أو ظرفي آني، سواء كان سياسيا أو أيديولوجيا ظاهرا أو مباشرا كما هي الحال في أعمال المخرج الأخرى السابقة، اللهم إلا طراوة تجربته الدراسية التي أشرنا لها آنفا, ولكن هذا لا يعني وقوعها خارج الشرط الموضوعي أو التاريخي لتلك الفترة سواء من تاريخ المسرح العراقي، إذ سبقتها على نفس النهج الأعمال المسرحية التي ذكرناها ، أو من تاريخ العراق السياسي بشكل عام. ورغم ذلك فقد حضيّ هذا الشكل ـ أي المسرح الواقعي ـ باهتمام الجمهور سواء النخبة منه أو العامة، وكذلك نقاد المسرح في العراق, فالمنحى السياسي الفكري في المسرحية وخطابها الراديكالي غير المباشر، ووضوح شخصياتها وجذورها الواقعية، منحها صفة نمطية مماثلة لنمطية الشخصيات المسرحية في المسرح التقليدي, إضافة إلى ألفة المكان في الرواية (أزقة بغداد وبيوتها الشعبية) وتجسيدها كسينوغرافيا على المسرح مما أضفى عليها شيئا من الإبهار، وهذا ما جعلها علامة بارزة ومميزة في تاريخ المسرح العراقي.

وتحت تأثير النجاح الكبير لتلك المسرحية، أشتغل المخرج قاسم محمد بعد ذلك على مسرحية (نفوس) التي أعدها أو بالأصح (عرقها) عن مسرحية (البرجوازيون) أو (البرجوازي الصغير) كما جاء في بعض الترجمات لمكسيم غوركي، بعدما أشيع ذلك المصطلح (التعريق..) أي استعمال اللهجة العراقية المحلية في عملية الأعداد في الوسط المسرحي في تلك الفترة، لكن (نفوس) لم ترق لمستوى ذلك النجاح الفني والجماهيري الكبيرين الذي حظيت بهما مسرحية (النخلة والجيران) وذلك لأن عملية الاعداد أو التعريق في مسرحية (نفوس) جاءت بنقلها الى اللهجة المحلية فقط بعيدة عن الروح الشعبية العراقية، إذ أن بناء الشخصيات وتركيبها مسرحيا جعلها طافية على سطح الواقع، فلم تنحدر أو تتجذر في عمقه، فقد كانت شخصياتها فقط تنطق بلهجة عراقية. قبل عرض مسرحية (نفوس) أي في عام 1971 وتحت نفس التأثير السابق أي نجاح (النخلة والجيران) أخرج قاسم محمد مسرحية (الشريعة) التي كتبها الفنان يوسف العاني، ورغم المساحة الكبيرة التي شغلتها هذه المسرحية من اهتمام جمهور المسرح آنذاك، ونقاده أيضا في الصحافة المحلية والعربية، لكنها لم ترق إلى النجاح الذي حققته (النخلة والجيران) أيضا إذ لا يكفي الانبهار بالواقعي المحلي، وملامحه الشعبية الفولكلورية كما تلبست به تلك المسرحية، ومن ثم نقله على خشبة المسرح لكي تبث فيه الحياة من جديد فنيا، فهو يحتاج لعملية إعادة تحليل وتركيب بشروط العملية الفنية، وليست بشكل نقلي مفتعل، فقد نقلت المسرحية وقائع حياة فئات شعبية عراقية واسعة في لوحات مسرحية افتقرت في أبسط الاحوال إلى الوحدة الموضوعية والترابط المسرحي. فقد حاول المؤلف والمخرج أن يجمعا في مسرحية (الشريعة) بين مجموعة حكايات شعبية مختلفة هي حكاية فاضل البلام، وحكاية شريعة أبن طوبان بتفاصيلهما الواقعية ونقلها الى خشبة المسرح.

والشيء نفسه يمكن أن يقال عن تقديمه فيما بعد لمسرحية (شيرين وفرهاد) التي أعدها باللهجة البغدادية ـ أي عرقها ـ عن مسرحية الشاعر التركي ناظم حكمت بلاسم نفسه, فقد كانت المسرحية الأخيرة وبشكل واضح أيضا تحت تأثير النجاح الكبير لمسرحية (ألبيك والسايق) التي أعدها وعرقها الشاعر والناقد صادق الصائغ عن مسرحية برتولد برشت (بونتلا وتابعه ماتيه) والتي أخرجها بنجاح كبير الراحل إبراهيم جلال، وشارك فيها قاسم محمد وباستحقاق لقب ممثل كبير، عندما أدى شخصية التابع ماتيه أي السائق أو التابع.

نلاحظ في الأعمال السابقة باستثناء (النخلة والجيران) سمة التأثر السريع بما هو آني الذي تجلى وبشكل واضح في تلك الأعمال والعروض المسرحية, كما نلاحظ فيها الخضوع للمؤثر السياسي السائد أيضا بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد تجلى بشكل واضح في تلك الأعمال التي سبق ذكرها أو التي جاءت بعدها، لا بل أنه رسم جغرافية المسرح أحيانا كما في بعض أعماله تحت تأثير النفوذ الأيديولوجي الذي خضع إليه في ذلك الوقت، حتى انه وزع شخصياته على يسار ويمين المسرح حسب مواقفهم وأفكارهم السياسية كما لاحظنا ذلك في مسرحية (الإملاء) وكما أشار الى تلك النقطة بالذات معظم النقاد الذين تناولوا أعماله المسرحية آنذاك، مثلا ياسين النصير في كتابه (وجها لوجه) ص 123 والناقد علي مزاحم عباس في مقاله “ضوء على مسرحية الإملاء” في مجلة (المسرح والسينما) العراقية في عددها المزدوج 7 ـ 8 عام 1972 في الموسم المسرحي نفسه لذلك العام.. الذي قدّم فيه قاسم محمد مسرحية (الشريعة) قدم أيضا مسرحيتين هامتين في تاريخ حياته المسرحية، وقعهما باسمه تأليفا وإخراجا..! هذا رغم وضوح مرجعيتهما أو مصادرهما الأدبية المناقضة لذلك…!! هما كل من مسرحية (ولاية وبعير) التي يتضح أصلها من اسمها وبما لا يقبل اللبس بإحالتها إلى مسرحية (الفيل يا ملك الزمان) الشهيرة للكاتب السوري سعد الله ونوس، ومسرحية (طير السعد) التي تعود وبشكل لا يقبل الجدل أيضا بالنسبة إلى المتخصصين والدارسين في هذا الحقل إلى مسرحية (الطائر الأزرق) للكاتب التشيكي موريس مترلنك…!!

تعتبر مسرحية (بغداد الأزل بين الجد والهزل ) عام 1974 نقلة تجريبية مهمة ومميزة بين سلسلة تجارب قاسم محمد معدا أو مخرجا أو حتى مؤلفا، وكذلك في كونها الخطوة الأولى التي خطاها على صعيد التجريب في (التراث المكتوب والبحث بين صفحاته عن شكل مشهدي, أو طقس احتفالي يحتوي جذورا درامية ) كما جاء في (دليل العرض المسرحي ـ الفولدر) لذا فقد ظن جميع من يتابع أعمال هذا المخرج بأنه عثر على ضالته (النهائية) في كتب الجاحظ وأدب المقامات وفي رسائل أبي حيان التوحيدي وفي شعر الكدية في العصر العباسي الأول، وفي (السوق البغدادي القديم) وفي التناقضات الاجتماعية (الطبقية) التي عصفت ببنية المجتمع العربي الإسلامي في القرنين الثالث والرابع الهجريين, وما انطوت عليه تلك التناقضات من صراعات اجتماعية، وما أفرزته تلك الصراعات من شخصيات معروفة سواء كانت إيجابية أو سلبية عاشت في بطون كتب التراث. كل هذا منظورا اليه من وجهة نظر أيديولوجيا اليسار آنذاك.. فقد ظهرت في تلك الفترة الكثير من الدراسات والبحوث التاريخية والفلسفية المهمة في هذا المجال، ومن خلال وجهة النظر الجديدة تلك التي أثارت الاهتمام والتساؤل والنقاش بطرح وجهات نظر مختلفة مع ما هو سائد ومألوف حينذاك، التي طرحت لأول مرة فيها موضوعات ومقدسات لا تقبل الجدل على بساط البحث والتنقيب والتساؤل، في كل من التراث والفكر الإسلاميين، ولأول مرة أيضا توضع الكثير من الثوابت والمحظورات التاريخية موضع ونقد وبحث, بل أصبحت تلك الاتجاهات أحدى السمات الرئيسية السائدة في ثقافة تلك الفترة من حياتنا، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب الدكتور العراقي فيصل السامر الذي صدر مبكرا جدا من تلك الفترة (ثورة الزنج) ثم أطروحة الكاتب اللبناني د. حسين مروه (نظرات مادية في الفلسفة الإسلامية) وترجمة كتاب بندلي جوزي الشهير (تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام) وكذلك كتاب المفكر السوري الطيب تيزيني (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط) وكتاب الباحث اللبناني صادق جلال العظم (نقد الفكر الديني) إضافة إلى عدد آخر من البحوث والدراسات الجريئة التي نشرت في الدوريات العربية آنذاك، والتي يصعب حصرها ولإحاطة بها ولكنها تصب في الاتجاه نفسه. كل هذا شكلّ المناخ الثقافي والمرجع الفكري والتاريخي لطريقة التعامل مع التراث العربي المكتوب.

وتحت هذا المؤثر أو المحدد الثقافي الهام، إضافة إلى ما شاهده قاسم محمد من أعمال مسرحية في مهرجان دمشق التي أشرنا أليها في بداية البحث، بدأ مخرجنا عمله في (بغداد الأزل..) تأليفا وإخراجا، وأستمر بالعمل تحت المؤثر نفسه إلى حد ما.. وربما بدرجة مختلفة في أعماله المسرحية اللاحقة. إلا أن زاوية الرؤية الفكرية، أو طبيعة الموقف السياسي السائد والمعالجة الفنية للموقف فيما بعد، تختلف قليلا أو كثيرا، يمينا أو يسارا، باختلاف الظرف السياسي المتغير والسائد آنذاك، وبالتالي تأثير منحى ووضوح الايدولوجيا المعلنة التي تمسك بزمام السلطة السائدة في تلك الفترة.

في لقاء صحفي مع المخرج المغربي الطيب الصديقي في مجلة (المسرح والسينما) العراقية العدد 10 لسنة 1974 يتحدث فيه عن عمله المعروف (مقامات بديع الزمان..) بطل المقامات عيسى بن هشام، إذ يروي المخرج في أحد تلك المقامات على لسان الراوي عيسى بن هشام، بأنه مرّ بأحد الأسواق، وهناك جمع من الشحاذين، فيقترح عليهم بأنه سيعطي (دينارا ذهبيا أصفر.. للشحاذ الذي يتفوق في السباب والشتم بشكل أفضل وأخبث من غيره..) إلى نهاية المقامة.. أو المشهد المسرحي الذي يصفه الطيب ألصديقي في المسرحية التي لم نشاهدها نحن, بل شاهدنا (بغداد الأزل..) وكان ذلك نص المشهد المسرحي بتفاصيله وحواراته..! غير أن شخصية التاجر البغدادي في مسرحية قاسم محمد حلت محل عيسى بن هشام عند الطيب ألصديقي، وقد تكرر المشهد نفسه ـ المقامة في مسرحية (طال حزني وسروري في مقامات الحريري) بعد مرور عشر سنوات على عرض (بغداد الأزل..) وقد عرضت المسرحية الأخيرة فيما عرضته مقامات أخرى من الهمداني والحريري، إضافة إلى مشاهد معدة عن كتب الجاحظ المعروفة (البخلاء) و (البيان والتبيين) و (الحيوان) وأيضا كتاب توفيق الحكيم (أشعب أمير الطفيليين) إضافة إلى كتاب أبي الفرج الأصفهاني الشهير (الأغاني) وأيضا أبيات شعر منسوبة لـ (علي بن محمد) صاحب الزنج، ووضعت على لسان (عيّار من عيّاري) بغداد في ذلك الزمن، وسرد بعض من أخبار العيّارين الأخرى على لسان الراوي، كما أشار ذلك الراوي إلى كتب تراثية كثيرة بوصفها مراجع. وقد كان قاسم محمد (أمينا) جدا لوثائقه ومصادره في تلك المسرحية، إذ كانت الشخصيات الأخرى أيضا تشير دائما إلى أسم المصدر والمؤلف وحتى رقم الصفحة في نهاية كل مشهد تقدمه, وبهذا كان في العرض شيء أقرب للريبورتاج الصحفي في مجموعة من كتب التراث، منه إلى عرض يمتلك مقومات العرض المسرحي…!

في التجربة الثانية التي أشتغل فيها قاسم محمد على التراث المكتوب هي مسرحيته (حكايات وأحداث من مجالس التراث) عام1976 وأعاد تقديمها مرة أخرى عام 1983 , وقد كان أسلوب المعالجة وسينوغرافيا العرض فيها يختلفان كثيرا عما رأيناه في العمل الأول. في هذه التجربة أخذ المخرج حدثا تاريخيا محددا وأنطلق منه في معالجة درامية محددة المعالم وواضحة، إذ نراه فيها أقرب إلى سعد الله ونوس في مسرحيته ذائعة الصيت (مغامرة رأس المملوك جابر) والتي سيشتغل عليها قاسم محمد مخرجا فيما بعد، أقرب منه إلى الطيب الصديقي، ذلك الحدث هو إضراب النساجين ببغداد في نهاية القرن الرابع الهجري…!!

واضحا بأنه كان تحت تأثير المنحى الأيديولوجي (اليساري..) الذي تحرك تحت مؤثراته في أعماله السابقة، وكان مباشرا في اختياره ذلك الحدث، ومقابلته ضمنيا بأحداث معاصرة حينذاك (الإضرابات العمالية في العالم..!), ورغم اختلاف هذا العرض المسرحي عن العرض المسرحي السابق (بغداد الأزل..) لكنه كان يصر على أن يضعنا في الطقس المسرحي نفسه وأجوائه، وبمفردات متماثلة الى حد الدهشة…!! فها هي شخصية الصعلوك المتمرد تكاد تكون صدى لشخصية العيار.. فهو يردد الأفكار نفسها بل حتى الحوارات تكاد تكون متماثلة في المسرحيتين إضافة إلى تفاصيل العرض (مجموعة الصعاليك هنا تقابل مجموعة الشحاذين أو مجموعة الطفيليين هناك). في هذا العرض ابتعد المعد ـ المخرج عن المضمون الإخباري للوثيقة التاريخية بطابعها الاستعراضي كما شاهدناه في (بغداد الإزل..) الذي يشير فيه إلى اسم المصدر التاريخي ورقم الصفحة على لسان الممثل كما أسلفنا، ليقترب من الدرامي الفاعل بعض الشيء.. بعد أن يضفي عليه ملامح الحس الشعبي الممتزج بالمعاناة الإنسانية و(الطبقية…!!) ولكنه يتدخل أحيانا في إعادة بناء (الأفكار السياسية) الخاصة للشخصيات بل ومواقفهم الفكرية المفترضة…!! وبالتالي حل العقدة الدرامية بعيدا عن مضمون الرواية التاريخية وافتراضاتها الأيديولوجية المحتملة على وجه التقريب. وقد ترتب على هذه الخطوة (البنيوية..) الجديدة مضمون فكري (جديد) وبالتالي موقف أيديولوجي جديد أيضا، أي زاوية رؤيا جديدة اتخذت شكلا دراميا جديدا أيضا, كل هذا نتيجة لإعادة الصياغة تلك, تجلى ذلك في وضع حلول اجتماعية (إصلاحية) بعيدا عن الطابع (الثوري) السابق في معالجة الأزمة أو العقدة التي بنيّ عليها العرض المسرحي (أي اضراب العمال..) وهذا بعيدا عن المشكل التاريخي والفكري أيضا الذي حرّك اطراف الصراع كما طرحت في العرض المسرحي، أي التناقض الرئيسي بينهم، كل هذا انسجاما مع الوضع السياسي والأيديولوجي (القومي والوطني) الجديد، الذي بدأ يضيق الخناق على اليسار السياسي العراقي بشكل عام في تلك السنوات.

أما مسرحية (كان يا ما كان) والتي قدمت في مستهل موسم عام 1977 فقد اختلفت في نواح كثيرة عن العروض السابقة في طريقة تناول التراث ومعالجته على المسرح, فالمخرج هنا قد أنتقل الى الموروث الشعبي المحلي المدون حديثا، وهذه الانتقالة تبدو وكأنها استجابة لدعاوى النظام السياسي القائم حينذاك والتي أطلقت في تلك الفترة بـ (هدف أحياء التراث الشعبي) وكما جاء في كلمة المعد ـ المخرج في دليل العرض (تعتبر هذه المسرحية خطوة نحو تأصيل عرض مسرحي شعبي..) فهو هنا قد أبتعد قليلا عن التراث العربي المكتوب، باتجاه الموروث ألشفاهي والحكايات الشعبية البغدادية التي بدأت تدون آنذاك في المجلة الحكومية الرسمية (التراث الشعبي) الصادرة عن وزارة الثقافة والاعلام.. أي أنه غيّر زاوية الرؤيا الفكرية إلى درجة ملحوظة نسبيا..! وفي بنية درامية تكاد تكون تقليدية هذه المرة على وفق ما يفترضه منطق الحكاية الشعبية أصلا, فهو قد استعار منها إطارا سرديا كان قد سبقه إليه الآخرون ألا وهو المقهى الشعبي..! وشخصية القصخون..! وهو هنا يكاد يكون تأثرا مباشرا (تناصا) إذا لم نقل نقلا حرفيا من سعد الله ونوس في المسرحية المعروفة التي أشرنا أليها.

وعلى الرغم من أن هذه الشخصية (القصخون) مثلها الفنان خليل شوقي تذكر في جوانب كثيرة منها بشخصية الراوي في (بغداد الأزل..) التي مثلها الفنان سامي عبد الحميد.. مع الاختلاف في موقع الشخصيتين في كلتا المسرحيتين في منصة العرض المسرحي, فقد كان الراوي في المسرحية الأولى يحتل وسط أعلى المسرح، ويخاطب الجمهور مباشرة ويعلق على الأحداث، ويشرح لهم عمل الشخصيات وطبيعتها التي تظهر لأول مرة على المسرح ويعلق عليها، ويحاور الشخصيات. وهو هنا راوي بالشكل الذي استخدمه فيه برشت في مسرحه الملحمي وبذلك يختلف عن القصخون أو الحكواتي الذي يجلس مع رواد المقهى في الزاوية اليمنى السفلى من منصة العرض الذي سيحكي لرواد المقهى حكاية ستتجسد (خياليا) على المسرح. تضمنت المسرحية مشهدا رئيسيا في البداية كان مطابقا تماما للمشهد الثاني من الفصل الأول من مسرحية شكسبير الشهيرة (الملك لير) وهذا من دون الإشارة إلى المصدر كما عودنا قاسم محمد في عروضه السابقة, وهذا التطابق أقرب إلى ذهن المتفرج من أن يكون شكسبير قد أفاد من الموروث العربي ألشفاهي كما يؤكد المعد ـ المخرج في أحد اللقاءات الصحفية معه.

في مسرحية (كان يا ما كان) نلمس تراجعا فكريا بالمعنى (الأيديولوجي والسياسي) مقارنة مع ما لمسناه منه في اعماله السابقة.. وكذلك بالمعنى الفني أيضا.. وتأسيسا على هذا النهج الفكري والفني الذي أشرنا إليه في عمله السابق (حكايات وأحداث..) والذي ظهر بشكل غائم في ذلك العرض ـ أي التراجع ـ ظهر الآن وبشكل واضح، بل وتعمق أصلا وتمثل في أن الصراع الاجتماعي (الطبقي) بين أطراف الصراع (الدرامي) مثلا، هو لا أكثر من سوء فهم يجب أن ينتهي بحلول تراضي جميع الأطراف. هذا وقد زخر العرض بالكثير من المحاججات الفكرية والطروحات (النظرية) الثقيلة التي وضعت على لسان أبطال العرض, فقد جاءت تلك الحوارات وكأنها تماما من خارج سياق العرض وبعيدة عن شروط الحوار المسرحي. بجانب هذا فقد ظهرت براعة المعد ـ المخرج في الربط بين حكايتين شعبيتين مستقلتين عن بعضهما، هما حكاية (تنبل أبو رطبة) وحكاية (بنددر) المنشورتين في مجلة (التراث الشعبي) كما يشير إلى ذلك دليل العرض. وفعلا فقد جاء العرض وكأنه بني على حكاية واحدة. كما لابد أن نشير إلى دلالة عنوان العرض وعلاقته بمضمونه, وهنا تؤكد جميع تجارب قاسم محمد بأنها تفصح عن نفسها في كثافة ودلالة الاسم أو العنوان الذي يختاره للعرض, فمثلا في هذه المسرحية (كان يا ما كان) استعار العنوان من استهلال الحكاية الشعبية الشفاهية كما سمعناها من جداتنا.. والشيء نفسه ينطبق على أغلب عروضه المسرحية .

في كل تجربة من تجارب قاسم محمد المسرحية من تلك التجارب السابقة والتي أشرنا لها، يوهمنا أو في الأقل يغرينا بأنه أكتشف نهجا مسرحيا جديدا وسيستمر عليه, وبالفعل سرعان ما نلاحظ استقلالية كل تجربة مسرحية له، من ناحية الشكل والمضمون عن التجارب التي سبقتها أو ما سيأتي بعدها من تجارب لاحقة, هذه الاستقلالية التي تصل حد القطيعة الجذرية أحيانا مع ما قبلها، من ناحية بنية العرض المسرحي ككل، وما يترتب على ذلك من إشارات ودلالات تصل الى حد إلغاء المرجعيات السابقة والاختلاف معها..! ولا نقصد على صعيد الأيديولوجيا فقط، بل مناهج البحث الأكاديمي أحيانا، وهذا رغم وجود بقايا من التجارب السابقة تطل برأسها وبشكل واضح بين مشهد وآخر أو مسرحية وأخرى، أما الاستمرارية فهذا ما لم نلاحظه وهو لم يتحقق أصلا.

في صيف 1977 ظهر قاسم محمد في الوسط المسرحي، في وسط الصورة تماما من نشاطات ذلك الموسم، وكأنه يعلن يومها بأنه سوف ينهي علاقته مع التراث أو الموروث بكل أشكاله…!! ليقدم عرضه المسرحي الجديد الموسوم (أضواء على حياة يومية) ليعود أدراجه بنا إلى المسرح الواقعي، الذي سبق وان أشتغل عليه. المسرحية معدة عن قصة قصيرة للكاتبة هاديا حيدر. ومن خلال استهلال العرض وإلغائه لستارة المسرح عن منصة التمثيل نهائيا، نستشف بأننا أمام عرض مسرحي تقليدي (واقعية الديكور مثلا) التي أراد لنا المخرج أن نراها قبل بدء العرض، ومن خلال ذلك وما تلاه نقرأ حياة أسرة عراقية خلال السبعينات وما أفرزته تلك الفترة من هموم ومشاكل حديثة و (تحولات جذرية..) قد هزّت البنية الاجتماعية التقليدية للعائلة العراقية من الطبقة الوسطى دون أن تستوعب هذه العائلة تلك التحولات…!! وبالتالي سوف تشتغل التناقضات في تلك البنية الاجتماعية في ضوء (الهزات والتحولات الحاصلة في حياتنا الاجتماعية) (من كلمة المخرج في دليل العرض) لكن عملية معالجة ذلك الموضوع (التناقضات الاجتماعية..) جاءت في البحث عن شكل جديد للعرض المسرحي أيضا، ولكن في ضوء تثوير تلك المشاكل أو التناقضات أو الموضوع الاجتماعي نفسه موضوع العرض…! فوقع الاختيار على وحدة الموضوع الأرسطية لتفجيرها والبحث من خلالها عن إطار جديد للعرض المسرحي. وبذلك توزع العرض على أساليب مسرحية معروفة ومتنوعة، فقد تشكل من عدة مناهج مسرحية سائدة لكنها متباينة, فمرة يسود الأسلوب البرشتي الملحمي في عدد من المشاهد, وفي أخرى نرى ملامح من مسرح العبث واللامعقول, وفي ثالثة نكون أمام مسرح تسجيلي واضحة جدا عندما يتبنى أحد الممثلين شخصية الراوي.

أما مسرحية (مغامرة رأس المملوك جابر) التي أخرجها لطلبة معهد الفنون الجميلة ببغداد في عام 1978 فقد كانت تمثل حقا خطوة متقدمة جدا على طريق تأصيل عرض مسرحي حقيقي معاصر، وذلك بكسره لأبعاد العلبة الإيطالية التقليدية، والتي ظلت العروض المسرحية السابقة أسيرة لها, وهي فعلا تجربة فذة في ابتكاره ـ أي المخرج ـ لرؤية مشهدية مستمدة أصلا من المضمون المسرحي نفسه، وبعيدة عن الافتعال وقصدية التجريب المسبقة كما شاهدنا بعض أعماله أو يمكن أن تكون كلافتة صريحة في ذلك العرض. صحيح إن ذلك الشكل ألمشهدي الذي رأيناه خلال رحلة (مغامرة رأس المملوك جابر) لم يكن بعيدا عن تجارب إخراجية سابقة لآخرين من ناحية تشكيل سينوغرافيا العرض، إلا إنها وكما قلنا كانت مستوحاة من النص المسرحي ذاته، أي من فكرة المقهى الشعبي والحكواتي.. الذي كان يقص حكاياته على رواد المقهى, لكن قاسم محمد تخلص من المقهى والحكواتي أصلا ليصنع منا نحن المشاهدين روادا لمقهاه، ولتدور الأحداث في منتصف القاعة ونحيط بها نحن ـ أي الجمهور ـ من الأعلى والأسفل. فقد كانت هذه التجربة من التجارب اللامعة والهامة في تاريخ هذا الفنان، ويعود أحد أسباب نجاح هذا العمل الذي لم يعرض بشكل تجاري في أحد مسارح بغداد الرئيسية، فقط في قاعة المعهد وللنخبة.. لابد أن نشير إلى بناء النص المسرحي المحكم على يد كاتب محترف مثل سعد الله ونوس، وطريقة معالجته للحدث التاريخي، وبناء الشخصيات التي امتلكت مسبقا شروطها الدرامية أو نمطيتها، وكما كان الإعداد هذه المرة ـ أي اعداد النص المسرحي للعرض ـ أعدادا مختلفا عن تجارب المخرج السابقة، خاليا من الترهل والتفاصيل غير المهمة، والإضافات التي أثقلت تلك العروض أو التجارب السابقة وكانت عبئا عليها.

في عام 1984 عاد بنا قاسم محمد ـ معدا ومخرجا ـ بعودة باهتة للتراث العربي المدون..! أو للتذكير بمسرحية (بغداد الأزل..) تحديدا.. أو بالمرجعيات التراثية التي تنقل بين صفحاتها سابقا.. من خلال تجربته الجديدة في مسرحية (طال حزني وسروري في مقامات الحريري) فقد أعد العرض الجديد عن مقامات الحريري ومقامات الهمذاني وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، ومصادر تراثية سبق أن نهل منها قاسم محمد في تجاربه السابقة، كما أشار الى ذلك في دليل العرض، أو هي بالحقيقة في هذه المرة وكما يبدو واضحا عودة الى مسودات المسرحية السابقة..! استهل العرض بمشهد طارىء لا علاقة له إطلاقا بموضوع المسرحية لا من قريب ولا من بعيد..! مشهد يتناول فيه تاريخ (فرقة المسرح الفني الحديث) واستعراض دورها الريادي في تاريخ المسرح العراقي…!! ويبدو من عمله على هذا المشهد المسرحي المنفصل من جميع النواحي الفنية والفكرية.. يبدو أنه رغبة ذاتية لاسترجاع ما تقطع من وشائج في تلك الفترة.. أو شعور بالذنب إزاء فرقته المسرحية الأم (المسرح الفني الحديث) التي ساهمت بصنع مجده الفني السابق، والتي أبتعد عنها الى حد ما عندما (جند) نفسه للعمل في الفرقة القومية للتمثيل (الحكومية..!) وبأعمال مسرحية (تعبوية) في ذلك الوقت تنسجم مع عمله كموظف في الفرقة المذكورة، وربما أكثر من ذلك..! في أعمال مسرحية معروفة (تعبويا) في تلك الفترة من مثل مسرحية (احتفالية للوطن والناس) ومسرحية (العودة) وكذلك مسرحية أسخيلوس الشهيرة (الفرس) بعد أن أعدها لعرض جديد ينسجم مع توجهات السلطة آنذاك في حربها الطويلة مع إيران..!! أما هذه المسرحية (طال حزني وسروري…) فتركز على مهنة أو عقدة الشحاذة في حياة أبي زيد السروجي بطل المقامات، وما يترتب عليها من تفاصيل ومفارقات وطرائف, بل هو يكرر مشاهد من مسرحية (بغداد الأزل..)

يعتمد البناء الدرامي في (طال حزني وسروري..) على صنع نقيض مسرحي إيجابي لشخصية أبي زيد السروجي السلبية..! مثلها الفنان يوسف العاني.. وهذا النقيض هو ابنه قطرب مثله الفنان هيثم عبد الرزاق، وهذا الأخير شخصية إيجابية جدا (كما قدمها العرض المسرحي) وتتمتع بقدر من الرفض و(الثورية..!) فهو يرفض مهنة الشحاذة ويدعو أباه لأن يتخلص منها..! وقطرب يكاد يتقول.. أو يقول بما كان يقوله العيّار.. من شعارات ودعوة للثورة في (بغداد الأزل ..) وكذلك نرى في هذا العمل تكرار لتجربة (مغامرة رأس المملوك جابر) إذ استعار منها سينوغرافيا العرض برمته…! بأن جعلها في منتصف القاعة..!

في المقابلة الصحفية التي أشرنا إليها سابقا مع الطيب ألصديقي والتي يتحدث فيها عن عمله فـي (مقامات بديع الزمان..) يتحدث فيها أيضا عن بطله عيسى بن هشام فيقول عنه (انه مثقف عربي ثوري بالنسبة لمقاييس عصره..! فهو من طائفة الإسماعيلية, انه تقدمي بالمعنى المعاصر, انه من القلائل الذين شعروا بانحطاط عصرهم, انه لا يتحدث عن الاقتصادي وحده.. بل عن نتائجه.. الانحطاط الفكري..) (مجلة السينما والمسرح العراقية العدد 10 لعام 1974 ) ترى ماذا يمكن أن يقول قاسم محمد عن بطله أبي زيد السروجي أو أبنه قطرب اللذين قدمهما في ذلك العرض..؟ هل أراد أن يعرض علينا مهارته في البحث عن شكل مسرحي جديد مستمد من التراث أيضا..؟ لقد عرض علينا شحاذا ومحتالا ماهرا في استغفال الآخرين.. والنصب على النساء تحديدا، كما صنع نقيضا مفتعلا له هو ابنه قطرب، واستعار له حوارات (ثورية) من مسرحياته الأخرى تتناقض مع منحى شخصيته وتربيته أصلا، لأنه يفترض به ـ أي قطرب ـ أنه قد تربى في حضن ذلك الشحاذ المحتال الماكر..!! كما يذكر لنا ذلك المصدر الرئيسي نفسه للعرض (مقامات الحريري) وكما يشير إلى ذلك الممثل أيضا, فهو في الأصل كان يساعد أباه في احتياله ونصبه على الآخرين..! ولكنه وبقدرة المخرج ـ المعد يصبح (ثوريا) فجأة ودون تمهيد..!

في جميع تجارب قاسم محمد المسرحية نرى إصرارا ذاتيا على التجاوز والتخطي..! ولكن ليس بالضرورة أن يكون ذلك تطورا الى الإمام.. أو في إطار مفهوم التطور والتقدم الجدليين.. أو الموضوعي.. إننا شاهدنا اختلافا أو (تجديدا..!) إلى حد ما بين تجربة وأخرى، وأحيانا نقلة نوعية حقا.. إلا أنه كان وبشكل عام تراجعا مرة.. وتقدما فعلا في مرة أخرى.. وبالرغم من تباين الموضوعات التي تناولها، وتنوع مصادرها ومرجعياتها في جميع أعماله السابقة، لكننا نجد فيها قاسما مشتركا يتحرك بشكل خفيّ، مرة داخلها وأخرى جليا غير وجل على سطحها، هذا القاسم المشترك تجلى في إشارات أو سمات واضحة في أغلب الأحيان، تناثرت هنا وهناك في كل تلك الأعمال والعروض المسرحية التي تناولناها آنفا على الأقل, هذه الإشارات تظهر مرة في البحث عن شكل جديد للعرض.. وأخرى في بناء وتركيب الشخصيات.. وثالثة في طبيعة الموضوعات التي عالجها ومصادرها وتنوع مرجعياتها الفكرية. وكما هو دأبه دائما في البحث عن الدرامي سواء في التراث المكتوب أو في الحكاية الشعبية أو في الأدب المعاصر (شعر.. قصة.. حكاية)

 

أو في بعض الظواهر السياسية أو اليومية المعاشة, غير أن ذلك القلق أو الهاجس لم يبق على صعيد الفكر المجرد الذي يشكل خلفية العرض.. بل تجسد بشكل آخر أيضا، وكأنه هاجس خفي لذات غير مستقرة.. يستغرقها ذلك القلق والتمرد.. وأحيانا الثورة بكل معانيها..!! وثالثة الإحباط إلى درجة التهادن واليأس..! وهذا واضح ومحسوس جدا في كل تلك الأعمال.. فقد تحسسناه ـ أي ذلك الهاجس الخفي ـ متلبسا بأبطال تلك المسرحيات التي شاهدناها، فهو نفسه الذي أنّطق العيّار في (بغداد الأزل..) وهو الذي حرّض الصعلوك على التمرد في (حكايات وأحداث من مجالس التراث) وهو الذي تحرك فيما بعد داخل حسن التنبل في (كان يا ما كان) ثم تجسد لاحقا في شخصية فخري في (أضواء على حياة يومية) ثم تكلم على لسان قطرب بن أبي زيد السروجي في (طال حزني وسروري..) وقد تظللت تحت ظل ذلك القلق وتلك الأقنعة كل أطراف الصراع في صراعها من اجل الوجود والبقاء وحركتها العامة في كل تلك الأعمال المسرحية، ورغم اختلاف العصور والأماكن التي تجسد فيها ذلك الهاجس أو في اختلاف الهموم والأفكار التي كان يطرحها, إلا انه كان واحدا, وهو أقرب من تلك الشخصيات التي استنطقها أو تجسد فيها إلى روح مثقف معاصر اسمه قاسم محمد. من هذا نستطيع أن نقول أنه عندما وطأ أرض التراث لم يكن هدفه التراث لذاته، بل كما قلنا أرّقه البحث عن الدرامي الجديد، وأستمّر معه الهم نفسه في توليفه للحكايات الشعبية، ألشفاهية أو المدونة منها، أو في الواقع اليومي ومعالجته..! أي أنه لم يكن الغرض لديه طرح الواقع والمعاناة اليومية، بقدر ما هو البحث الفني الخالص عن الشكل, وقد رافق هذه الرحلة الكثير من المنزلقات الفكرية والفنية التي أشار أليها النقاد الذين تناولوا تلك الأعمال في حينه وكما شخصنا بعضها في هذا البحث المتواضع.

من خلال هذا البحث نستشف أيضا بان مشكلة قاسم محمد هي في الأعداد المسرحي لا غير..! إذ أنه كمخرج وفي جهد فني مستقل بعيدا عن التأليف أو الإعداد وما يترتب عليهما من مشاكل والتباسات فكرية في نقل الشخصيات والأحداث والأماكن إلى خشبة المسرح، فهو يتمتع بمهارة كبيرة قل نظيرها، وخيال إخراجي مبدع واسع جدا تجسد في ابتكارات سينوغرافية ومشهدية مذهلة أحيانا.

ونعتقد أن هذه القدرة أو الموهبة هي التي دفعته إلى أن يستسهل عملية إعداد النصوص أو إعداد (السيناريوهات) لبعض العروض.. كما كان يسميها هو نفسه في بعض تلك التجارب، وعندما تابعنا إخراجه لنصوص مسرحية جاهزة فقد كان مخرجا من الطراز الأول.. كما هو في (النخلة والجيران) و(شيرين وفرهاد) كإخراج وليس إعدادا، وكما أشرنا إلى (مغامرة رأس المملوك جابر) وكذلك التمثيل.. بل هو ممثل من الطراز الأول أيضا كما شاهدناه في مسرحية (ألبيك والسايق) وبعد ذلك في (رحلة الصحون الطائرة) فقد كان مع زميله سامي عبد الحميد على خشبة المسرح، وبإدارة الراحل الكبير إبراهيم جلال عالما واسعا رائعا وخصبا وجميلا، يستحيل أن نحدد تفاصيله الممتعة والساخنة لمدة ساعة ونصف الساعة متصلة من الأداء التمثيلي الراقي.

 

 

محاولة لتحديد معنى المصطلح

السيناريو أو النص السينمائي

يعرف السيناريو اصطلاحا بأنه النص السينمائي.. باعتباره مثل أي نص إبداعي آخر.. أي مثلما هناك نص شعري أو نص قصصي أو نص روائي.. هناك أيضا نص سينمائي يطلق عليه السيناريو.. وهو يعني أيضا المعالجة السينمائية للموضوع المقترح كمشروع عمل سينمائي، على أن يتضمن وصفا كاملا للمنظر أو المشهد من الخارج.. أي وصف المحتوى الصوري والصوتي للمشاهد التي ستشكل الموضوع وعددها والتي ينبغي تصويرها فيما بعد، أي وصف الحوادث والمواقف الدرامية، مع وصف الحركة المفترضة للشخصيات.. والانتقالات الزمانية والمكانية لتلك الشخصيات أو حركتها داخل المشهد، وتفكيك هذه الانتقالات إلى مشاهد مستقلة عن بعضها.. بجانب الحوار.. هذا في حالة الفلم الروائي، أو التعليق أي الصوت من خارج الكادر بالنسبة للفلم التسجيلي.. ويعرف هذا النص في هذه المرحلة بـ (السرد ألفلمي أو السرد السينمائي) لكن المفارقة النقدية أن هذا (النص) الجديد لم يكن جنسا أدبيا معروفا أبدا، أي أنه كما يفترض ومعروف في أوساط صناعة السينما غير قابل للتداول الأدبي كما هو شائع في الأجناس الأخرى… فهو عبارة عن مشروع خطة عمل ميدانية للفلم السينمائي..

عندما يباشر كاتب السيناريو بكتابة نصه للسينما، وذلك في ميدان الإنتاج السينمائي كعمل مهني محترف له تقاليده المهنية، لم يكن يدور بخلده أبدا أنه يكتب نصا أدبيا للقراءة أو للطباعة والنشر والتداول، هو صحيح يكتب نصا محددا وفق آلية محددة أيضا، لكنه يبقى نصه عبارة عن خطة عمل لمشروع تصوير فلم سينمائي كما أشرنا.. وربما بمضمون أدبي يتمتع بمزية الموضوع الراقي أو المتقدم.. لموضوع ما .. أي موضوع.. كأن يكون مشروع فلم روائي، أو مشروع فلم تسجيلي عن قضية محددة.. أو أحيانا رؤية سينمائية مقترحة (1) أو إعدادا عن نص آخر كأن يكون قصة أو رواية أو مسرحية كما هو شائع أيضا، والأمثلة كثيرة على ذلك، لا لهدف.. إلا لكي يقرأ هذا (النص الجديد) المقترح تحديدا المخرج أو أي مختص آخر تفوضه الجهة المسئولة عن الانتاج التي تتبنى المشروع.. أو شركة الإنتاج المعنية بإنتاج هذا الفلم.. أو من يمثل فريق العمل السينمائي عند الجهة المنتجة المنفذة…

السيناريو هو المقابل اللغوي للمصطلح المسرحي الإنكليزي الشائع في الأوساط المسرحية (السكربت) والذي يعني لغويا خطة العمل أيضا.. كمصطلح في مجال العمل المسرحي التخصصي الدقيق (بالنسبة للعاملين في الحقل المسرحي يعرفون وظيفة هذا المرحلة جيدا، أي كيفية عمل نسخة السكربت من النص المسرحي المزمع إخراجه (2) الذي يجب أن يتضمن الخطة الإخراجية للعمل المسرحي بما فيها وصف حركة الممثلين، ووصف المناظر المسرحية، وتفاصيل بناء الديكور، ورسم المساقط الرأسية لها على كل صفحة بيضاء مقابلة للنص المسرحي المكتوب، وأيضا الخطة الأرضية للمسرح، أي مداخل ومخارج منصة العرض، وحتى تفاصيل توزيع أجهزة الإضاءة وأنواعها على منصة العرض بعد تصميمها.. ويمكن أن يتطرق السكربت أحيانا إلى تصاميم الأزياء بالنسبة للشخصيات الرئيسية وحتى الثانوية منها.. إضافة إلى تقارير العمل اليومية عما هو منجز..) في المحصلة النهائية نتساءل هل هناك قارئ أو متلق غير متخصص يرغب في قراءة هذا النوع من (النصوص) أو الاطلاع عليها من غير المختصين أو الدارسين في شؤون المسرح وتقنياته…؟

أما ما عرف عن (نصوص السيناريوهات) التي نشرت منذ سنوات وقرأها الكثير من أدبائنا ومثقفينا في بعض المجلات والدوريات العربية والمحلية في سبعينات القرن الماضي وما تلاها، فقد شوشت تلك (النصوص) أذهان بعض من مثقفينا وكتابنا فيما بعد، وتركت أثرها فيهم، فكان ذلك الأثر فكرة خاطئة عن فن كتابة السيناريو أو النص السينمائي…!! تلك (النصوص أو ما سميّ بالسيناريوهات) التي نشرت في أماكن عديدة وهي كثيرة… لم تكن لها أية علاقة بذلك الجنس الفني مطلقا…!! هذا إذا صح إطلاق صفة (جنس فني) على ذلك المنجز (السيناريو…) الذي حاولنا أن نوضح صورته أو ماذا يعني.. فهو خطة لعمل سينمائي لا أكثر كما نوهنا.. تلك المواد المنشورة لم تكن سيناريوهات سينمائية حقيقية مطلقا، وسميت هكذا خطأ من قبل الناشر أو الصحفي الذي عمل على نشرها في تلك المجلات، ربما خطأ غير مقصود، فهي كانت في الأصل فلما أو شريطا سينمائيا جاهزا للعرض في قاعات السينما.. وهذا الشريط السينمائي الجاهز كما هو معروف يختلف كثيرا عن السيناريو أو النص السينمائي، وهذا الأخير مشروع أو خطة عمل سينمائي فقط كما كررنا هذه الملاحظة سابقا ونكررها هنا للتأكيد، أما هذا الذي نشر فهو عبارة عن وصف ونقل دقيق لمحتويات الشريط السينمائي المنجز مسبقا لقطة لقطة، والذي عرض قبلا على شاشات العرض في دور السينما في العالم، ولم يتسن لنا نحن العرب أو العراقيين مشاهدة تلك الأفلام آنذاك لأسباب مختلفة.. وربما لأسباب سياسية معروفة في ذلك الحين، فتبرع بعض الأخوان من الصحفيين أو من مسؤولي تحرير الصفحات الفنية أو الثقافية في تلك المجلات والدوريات.. وربما بتكليف من جهة النشر نفسها، بنقله وعرضه على صفحات مجلاتهم من على (البوبينة) أو البكرة، ومن على منضدة المونتاج تحديدا ومباشرة، وأطلقوا عليه اعتباطا تسمية (سيناريو…!!)

وبكل تأكيد فإنهم غير ملمين.. أو يجهلون حقيقة مراحل العمل التي مرت بها هذه البكرة أو (البوبينة) أو ذلك الشريط السللوزي بأحجامه المختلفة (70ملم أو 35ملم أو 16ملم) ودعامته الكيماوية المعدة للتأثر بالضوء من خلال الكاميرا أو جهاز العرض فيما بعد.. وتعرضت لعمليات كيماوية كثيرة…! (التظهير والتثبيت..) قبل أن يصل إلينا من بعد كتابته على الورق كمشروع عمل سينمائي أو سيناريو…!! فقد كانت رحلة طويلة جدا، تبدأ من كتابة ما يسمى بالسيناريو الأولي، هذا فيما إذا تم الاتفاق على المعالجة السينمائية المقترحة لذلك المشروع.. ووضع تفاصيل خطة للعمل له، وهو ما يقابل السكربت في العمل المسرحي الذي أشرنا إليه، وبعد ذلك تتم كتابة السيناريو التنفيذي.. وهذه النسخة فقط تتضمن تحديدا لأحجام اللقطات وأنواعها وكذلك حركة الكاميرا من قبل مخرج الفلم.. ومن ثم إعداد أوامر التصوير اليومي فيما بعد.. ومن ثم المباشرة بتصوير مشاهد الفلم والأعادات… التي يمكن أن تمتد الى سنوات أحيانا أو الى أشهر أو عدة أيام في أحسن الأحوال، إضافة الى ما يمكن أن يستجد من مشاكل فنية وتقنية يجب حلها بحسب الظروف والإمكانيات المادية المتاحة، ومن ثم تظهير النسخة السالبة الأولى فور الانتهاء من كل مشهد حتى قبل تغيير المناظر التي بنيت.. ثم طبع النسخة الموجبة الأولى لعمل المونتاج الأولي عليها.. ثم مرحلة تسجيل الصوت وإضافة المؤثرات الصوتية والموسيقى، ثم المونتاج على نسخة السالب، ثم طبع النسخة الموجبة النهائية.. إلى أن تصل كشريطا سينمائيا جاهز للعرض التجاري.. كل هذا العمل بعد كتابة النص السينمائي الأول أو السيناريو..

غير أن تلك المادة (الأدبية…!!) التي نشرت ولا نعرف ماذا نطلق عليها أو الى أي جنس فني أو أدبي يمكن أن تنتمي.. وكان ذلك عبر عرضها على منضدة المونتاج (المفيولا) ومن ثم كتابة وصف مفصل لتلك اللقطات بما في ذلك أحجامها، وكذلك وصف حركة الكاميرا فيها. وكل ذلك بإطلاق تسمية خاطئة على أن ذلك النص المنشور.. هو سيناريو…!! إضافة إلى الجهل الشائع بهذا التخصص السينمائي آنذاك في ظل غياب صناعة السينما وتقاليدها عربيا ومحليا… شاع هذا الخطأ وأصبح رائجا.. كما تم تقليده والكتابة على وفق سياقاته كما فعل بعض الأدباء والكتاب…!!

فلننتقل للمقارنة بالمسرح.. هذا الفن القريب من السينما من ناحية تكرار عنصر الدراما كعامل مشترك بين هذين الجنسين الفنيين.. النص المسرحي أو المسرحية، وفي جميع عصورها، وبشكل خاص حيث عرفت الأعمال المسرحية الشهيرة، سواء منها في المسرح الإغريقي القديم على يد أسخيلوس وسوفوكلس ويوربيدس، ومن ثم المسرح الروماني ونصوص راسين وكورني وغيرهم.. وصولا إلى نصوص ما بعد عصر النهضة.. أو النشاط المسرحي عموما حيث تقديم العروض المسرحية أمام المشاهدين، عندما لم تكن المسرحية تكتب لتقرأ حينها.. بل لغرض عرضها على خشبة المسرح أمام جمهور المشاهدين.. كما هو الحال في البلدان التي شهدت ولادة الفن المسرحي بمراحله المختلفة، وهذه النقطة موضوع المقارنة واضحة هنا وبشكل جلي.. عندما نقرأ الآن ما تبقى من تلك النصوص القديمة من ما تبقى من أرث المسرح اليوناني الإغريقي القديم، وكذلك المسرح الروماني ومن ثم مسرح عصر النهضة، وحتى مسرحيات شكسبير بطبعاتها القديمة الأصلية، وكذلك معاصريه ومن جاءوا بعده، وكل ما تبقى من نصوص ومخطوطات كتاب المسرح أولئك القدماء، إذ نرى في تلك النصوص حوارات طويلة جدا بين شخصياتها، وكذلك دور الجوقة واناشيدها.. أو حوارات رئيسها في العرض المسرحي.. وحتى أنها تبدو مملة لأغلب القراء المعاصرين، إذ يجهل الأغلبية الآن من غير المتخصصين أو يغيب عن تصور قارئ تلك النصوص.. كيف كانت تقدم تلك النصوص أو كيف تؤدى تلك الحوارات الطويلة المملة على خشبة المسرح…؟ وكيف كان شكل العرض المسرحي أو مكونات فضائه…؟ هذا هو النص المسرحي الحقيقي، رغم كل ما فيه من لغة أدبية واستعارات وبلاغة موروثة عن قرب من جذر المسرح الأول.. الشعر، وتحديدا الشعر الغنائي.. وهذا بكل تأكيد غير النص المسرحي الأدبي الذي شاعت وانتشرت كتابته في العصور الأخيرة، والذي نستمتع الآن كثيرا بقراءته…! أي أن النص المسرحي الأول في الأصل لم يكن يكتب ليقرأ في تلك العصور، بل ليقدم على منصة العرض المسرحي أمام الجمهور. والذي يكتب منه للقراءة كما هو الحال الآن.. فهو إلا فيما ندر إن لم يكن غير موجود أصلا أو غير متداول.. أو أنه لا ينتمي للدراما أبدا.. وهذه الأخيرة ومنذ نشأتها لم تكن مقروءة كما نوهنا.. وعندما يراد لذلك النص المكتوب تقديمه على خشبة المسرح توضع له خطة عمل أو (سكربت) من قبل المخرج أو من قبل أحد مساعديه، وبكل تأكيد فإن هذه النسخة من النص المسرحي لا تصلح للقراءة الأدبية أبدا إلا من قبل المختصين كما وضحنا طبيعتها في المتن والهامش… هذا يعني أن الدراما بجميع أشكالها سواء كان ذلك في السينما أو المسرح لم تكن تكتب لتقرأ (3) بل لتعرض أمام المشاهدين.. وكل ما يكتب على الورق وعلى أنه درامي هو خطأ شائع أيضا ولا يمت للدراما بأية صلة، الدراما من ضمن ما تعنيه بتعريفاتها اللغوية والاصطلاحية: هي العرض أمام المشاهدين.. فهي (الفعل وعملية تقديمه معا…) كما جاء في تعريف النقاد القدامى والمحدثين لها..

نعم نشرت وترجمت أحيانا في بعض الدوريات العربية أو بشكل مستقل في كتاب بعض النصوص السينمائية ولكتاب من الغرب معروفين من مثل جان بول سارتر وماركريت دورا وغيرهم ، نصوص على أنها سيناريوهات.. أو هي ما يسمى بـ (المعالجة السينمائية) نشر بعضها تحت تسمية سيناريو… هذا الجنس الأدبي غير شائع حتى في أوربا نفسها.. لكن تلك التجارب جاءت على يد كتاب كبار ومحترفين.. سبق لهم الكتابة للسينما.. رغم أنها لم تكن بذلك الشكل الذي أشرنا إليه.. فهي لم تتضمن أبدا تحديدا لأحجام اللقطات أو وصفا لحركة الكاميرا أو وصفا لطبيعة التصوير أو زوايا اللقطات، بل تضمنت وصفا للمشاهد السينمائية فقط، وبلغة أدبية مقروءة فعلا، ولكن تلك النماذج لم تكن سيناريوهات سينمائية بتلك الصيغة الشائعة لدينا، بل هي نماذج لما يطلق عليه معالجة أدبية سينمائية لموضوع أو فكرة ما.. نكرر معالجة أدبية سينمائية.. وهي لا تمت لفن كتابة السيناريو بأية صلة…

هذا يعني أن كاتب السيناريو الفعلي المتعارف على مهنته في عالم صناعة السينما منذ نشأتها حتى اليوم، يمكن أن يكتب أحيانا وربما دائما بلغة غير أدبية.. فهو غير معني بالأدب والعناية باختيار مفردات اللغة والمعاني والألفاظ عموما وما يمكن أن يقترن بها من بلاغة لغوية بسياقاتها المعروفة، أو بكل ما يمت للمتطلبات النشر الأدبي مطلقا، ممكن أن تكون عباراته أو مفرداته.. عبارة عن شفرات أو إشارات.. أو يمكن أن تكون جملا ناقصة.. أو حتى رموز لا يفهما سوى زميله المخرج السينمائي أو بعض من مساعديه أو من بعض العاملين في هذا الحقل فقط.. كما يمكن أن تكون مليئة بالأخطاء الإملائية واللغوية.. فلا أحد يمكن أن يلومه أو يحاسبه في ذلك.. فهذا ليس اختصاصه. كما أنه غير معني بأحجام اللقطات وأشكال الانتقالات الصورية أو حركة الكاميرا.. التي يغرم بها الكثير من كتاب (السيناريوهات) الجدد عندنا…!! فهذه المهمة بالذات من صميم عمل المخرج السينمائي وحرفيته المهنية.. في بعض أشكال الإنتاج السينمائي الواسع والحديث.. ومثال على ذلك هوليود إذ يقوم مخرج الفلم وخاصة إذا كان من كبار المخرجين.. بوضع اللمسات الأخيرة من تحديد لأحجام اللقطات وحركة الكاميرا وبقية تفاصيل العمل الميداني على النسخة الأخيرة من السيناريو التنفيذي (وهذه النسخة هي التي يكتبها مخرج الفلم أو المخرج المنفذ..) ليكمل بقية العمل (ميدانيا) أحد أبرز المساعدين للمخرج… وعادة ما يكون من ألمع المساعدين للمخرج النجم…

كاتب السيناريو الحقيقي معني فقط بوصف المشهد السردي من الخارج، أي صورة المشهد المرئي.. أي ما تستطيع أن تراه العين المحايدة وتعرض مضمونه بدقة.. من دون حاجة لأي تأويل (باطني..) أو ذهني أو كل ما يتعلق بـ (الرؤية الأدبية) الشائعة.. وتحديدا في وصف كل ما يخضع لتسلسل لحظات الزمان المطلق وسلطته على وحدة المكان النسبي.. وفيما إذا كان ذلك المكان خارجيا أو داخليا، وطبيعة الوقت فيما إذا كان مساءا أو نهارا…. وإذا كان الفلم روائيا فأن كاتب السيناريو يكتب قصته أو طبيعة سرده القصصي ووصف الحركة (من خلال هيمنة وحدة الزمان..) الخارجي للمنظر والأشياء والشخصيات وحركتها من والى.. أو وصفا لحدث ما فقط، أي أن لا يتضمن ما يكتبه الكاتب في هذا الموضع وصفا للمشاعر والأحاسيس والهواجس الداخلية لابطاله أو وصف الحالة النفسية لتلك الشخصيات (أي ما يتطلبه الأدب عادة..) فهو غير معني بذلك.. وإذا احتاج لأن يظهر ذلك الجانب أو يعتني به، فيجب أن يكون من خلال ما يصفه من مناظر وصور مرئية فقط يصفها بدقة على الورق، أو من خلال الحوار إذا يمكن ذلك.

عندما يبدأ كاتب السيناريو بكتابته نصه أو مشروعه يقسم الورقة إلى عمودين متقابلين، العمود الأول الأيمن لوصف المشهد السينمائي المقترح ليأخذ رقما محددا، كأن يكون المشهد الأول مثلا، كما أن المشهد يتحدد ويأخذ رقمه بالمكان والزمان الذي يدور فيه تسلسل الحدث أو ليصل أليه، وأي تغيير في الزمان أو المكان يعتبر تغييرا في المشهد، ويعتبر مشهدا جديدا برقم جديد. وهذا التقسيم مهم جدا بالنسبة للمخرج في عملية التنفيذ أو الإخراج، لأنه (أي المخرج) يعمل على كل مشهد بشكل مستقل عن المشاهد الأخرى، فخلال التنفيذ والعمل يتم التحضير للمشاهد السينمائية كل على حده، أي انه يمكن أن يتم التصوير في يوم واحد للمشهد رقم 12 والمشهد رقم 35، أما العمود الثاني الذي يقع على يسار الورقة في كتابة السيناريو، فيستخدم لكتابة الحوار والموسيقى ووصف المؤثرات الصوتية فيما إذا كان يحتاج لها.

ترى فلو أضطلع كاتب السيناريو بمهمة تحديد اللقطات وأحجامها وكذلك حركة الكاميرا وزوايا اللقطة وأشكال الانتقالات، فماذا يتبقى من عمل للسيد المخرج يمكن أن يؤديه ويستلم أعلى اجر مقابله من جهة الانتاج…؟ كاتب السيناريو في العمل المحترف ربما لا يستطيع أن يقف خلف الكاميرا، ولا يعرف تشغيلها ولا آلية عملها.

كتابة السيناريو تخصص دقيق في العمل السينمائي، وكذلك هو تخصص دراسي في الدراسات الأكاديمية في السينما، وكذلك يمكن أن يحترفه الآخرون مثله مثل أي حرفة أو مهنة في هذا الفن. كما أنه لابد أن نشير الى ان الدراسات السينمائية بهذا الصدد شحيحة جدا أذا لم تكن معدومة بالنسبة للقارئ العربي، أما ما ترجمه الناقد السينمائي العراقي المرحوم سامي محمد في كتاب (فن كتابة السيناريو) للكاتب الأمريكي سد فيلد، والذي طبع قبل عدة سنوات من قبل وزارة الثقافة العراقية، فهو يحتوي على تعريفات دقيقة لفن السيناريو وتقنية كتابته باستيعاب مفترض لما تقتضيه نظرية الدراما وشروطها، ووصفا أدبيا أو نقلا لتجارب سينمائية في كيفية كتابة السيناريو في السينما الأمريكية من أمثلة معروفة في عالم السينما… لكنه لم يتطرق إطلاقا إلى تحديد حجم اللقطات وأنواعها في كلامه عن خطوات الكتابة تلك…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فلم يوسف شاهين المعروف (العصفور) وهو قبل أن يكتب كسيناريو كان عبارة عن رؤية سينمائية للكاتب السياسي المعروف لطفي الخولي كما جاء ذلك في (تايتل) الفلم..

(2) ويعني تفريق النص المسرحي إلى أوراق منفصلة ثم لصقها على أوراق بيضاء أكبر حجما بعد حفرها من الداخل بحجم أقل من حجم ورقة النص المسرحي المكتوب، وترك ورقة بيضاء كاملة بين كل ورقتين من الأوراق التي تحمل ورقة النص.. ومن ثم جمعها في مجلد، والغرض من ذلك استعمال الورقة البيضاء والهوامش في أعلى وأسفل وجانبي صفحة النص لرسم وكتابة تلك التفاصيل والملاحظات الإخراجية المفترضة، وكذلك الرسوم التوضيحية للمساقط الأرضية لخشبة المسرح التي تشرح حركة الممثلين.

(3) ربما تواتر تقليد قراءة النصوص المسرحية من القرون الوسطى بعد تحريم الكنيسة للعروض المسرحية آنذاك، وانتشار عادة قراءة ما تبقى من مخطوطات مسرحية سرا، كما تشير إلى ذلك الدراسات التاريخية العديدة في تاريخ فن المسرح.

الرواية على المسرح *

 

 

(ملاحظات تطبيقية على مسرحية ـ رواية الشياح

التي قدمتها أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد على

مسرحها خلال الموسم المسرحي 1976ـ1977)

تمهيد…

لم تكن ظاهرة اعادة تقديم الرواية على المسرح ظاهرة جديدة أو غير مألوفة محليا أو عالميا، فقد شهد المسرح في العالم الكثير من التراث الروائي ولكتاب معروفين معدا على المسرح، ومن الطبيعي أن يرتبط تقديم رواية معينة على المسرح بموقف جديد أو رؤية فنية جديدة للثيمات أو الأزمات التي تناولتها الرواية.. ومن الطبيعي أيضا أن يثير هذا التقديم الجديد بعض المشكلات التقنية المرتبطة أصلا بمسألة استقلالية الأجناس الفنية عن بعضها، إذ ان كل فن يستقل ويتميز عن الفنون الاخرى بلغته في التوصيل وادواته في البناء، فيتم اكتساب هاتين الميزتين الجوهريتين على وفق منطق ذلك الفن باطاره التاريخي المحدد. كما ان العلاقات بين الفنون المختلفة القديمة منها والحديثة علاقات متنوعة ومتداخلة، وهذه العلاقات سواء كانت اقتباسا او اعدادا او أي علاقات أخرى لايمكن ان تكون نقلا حرفيا من.. أو اتكاء على.. اذ يشترط في العلاقة الجديدة اعادة تحليل وتركيب لتلك الثيمات وفق منطق أو آلية الجنس الأدبي أو الفني المنقول أليه.. على وفق ما تفرضه القوانين الداخلية للأبداع في الفن الجديد..

وعندما تعد رواية معينة للتقديم على خشبة المسرح فان مهمة الاعداد لا تقتصر على اختزال اماكن الاحداث الى مكان واحد وكذلك اختزل زمان أو ربما أزمنة أحداثها كما هو الحال في العديد من الروايات التي تتنوع الأماكن وكذلك الزمان فيها الى زمان واحد يكاد يكون متسلسلا في مكان واحد (اي الخضوع لوحدتي الزمان والمكان) وان نضع على ألسنة الشخصيات حوارات جديدة لتوضيح وشرح مايدور خارج خشبة المسرح… اذ ان مهمة الاعداد شكل آخر يختلف عن هذه الآلية كثيرا، وأن النقل من الرواية الى المسرح يثير الكثير من المشكلات التقنية التي تولد من الخصوصية التي يتمتع بها كل فن أو جنس ادبي. فمثلا أن طبيعة الشخصية الروائية تختلف عن طبيعة الشخصية المسرحية، إذ أن الأولى غالبا ما أنها تتصف بأنها تنمو وتكتسب ملامحها بشكل تدريجي ضمن إطار نمو الحدث الروائي وتصاعده نحو نهايته المرسومة له. بينما يكون بناء الشخصية المسرحية ذا طبيعة نمطية وبشيء من الجاهزية التي يتطلبها العرض المسرحي (النمطية ليس بمعناها السلبي باعتبار “النمط شيء رديء”(1)) إذ أن البناء في هذا الشكل الفني في التعبير لا يترك أي فسحة للنمو الجديد في الملامح الخاصة المكتسبة بين زحمة الاحداث والعلاقات والصراع الذي تتطلبه طبيعة تطور الحدث الدرامي.. وبالتالي لا تكتسب الشخصية المسرحية هنا ملامح جديدة بقدر ما يكون هناك نمو عام في مفردات الحدث الرئيسي أو الثيمة الرئيسية وطبيعية تطور الصراع المتمثلة بالشخوص والاطر التاريخية التي تمنح الشخصية المسرحية صيرورتها قبل أن تدخل الى خشبة المسرح.

عند إعداد رواية ما للعرض على خشبة المسرح فان هذا الاعداد يتطلب اختزال الكثير من من زمان نمو شخصياتها الذي تتطابه الرواية احيانا، بما في ذلك زمان نمو تلك الشخصيات خارج الزمن الآني.. من تفاصيل كثيرة قد تكون ذات أهمية في الرواية فقط لاغير، وهذا ما يمنح صفة المنطقية والنمطية للشخصية المسرحية، إضافة الى مشكلة آلية تقديم تلك الشخصية نفسها جاهزة كما يقتضي البناء المسرحي.

المشكلة الاخرى التي يفرضها الاعداد المسرحي هي كيفية معالجة الحدث في الرواية معالجة مسرحية.. وهذه المشكلة تفرض نفسها عند تحديد علاقة كل فن بالواقع التاريخي الذي انعكس عنه أو ولد منه.. قبل علاقته بأي فن آخر.. أصلا أن علاقة الرواية بالواقع هي علاقة ذهنية تعتمد على ما يثيره ذلك النمط من النسق اللغوي الأشاري التجريدي في ذهن المتلقي من قدرة وادراك على تخيل أو إعادة تجسيد واقع آخر على درجة عالية من الحسية أو التجسيد.. فتكون النتيجة واقعا ذهنيا متخيلا قبل كل شيء.. بينما في المسرح وهو الأوثق علاقة بالواقع من الفنون الأخرى (بعد السينما) على الأطلاق فهو يعتمد على إعادة تجسيد ذلك الواقع بشكل ملموس حسي ومرئي عن طريق نقله أو تجسيده على المسرح بأدواته الخاصة في البناء وإعادة التركيب.. كالتمثيل والديكور والماكياج والملابس والاكسسوارات الأخرى… صحيح أن عملية التجسيد هذه لا تتم إلا بشكل تجريدي وهمي (أي ملفق..) لكن متفق عليه، وهو الأقرب من كل الفنون الى الواقع اليومي (كتجسيد أو صيرورة وليس كموقف فني..) بعد السينما، وبالتالي عند تقديم رواية ما على المسرح أو حدث روائي على المسرح فانه يكتسب صفة واقعية الى حد ما تتحول خلالها العلاقات الجديدة أو التفاصيل الجزئية لذلك العمل الى دلالات رمزية إشارية يبقى المتلقي ينتظر خلالها معنى (ما ماورائيا) أو مفترضا.. وحتى يمكن أن يكون ذلك المعنى غير موجود بالمعنى الديجيزي (السينمائي المرئي) كما يقول مارسيل مارتن في كتابه (اللغة السينمائية..) فان المتلقي يظل يفترض ذلك المعنى الجديد بشكل قسري…

المشكلة الأخيرة هي كيفية نقل البيئة الروائية الى المسرح، فهي يمكن أن تزخر وتزدحم بتفاصيل من الحياة كثيرة، ربما بعضها لا يتدخل بشكل حاسم أو مباشر في مجرى السرد ونمو الثيمات الرئيسية بقدر ما يسهم في خلق الجو العام والمنظر المفترض أو المتخيل في الرواية، وقد تكون هذه التفاصيل أحداثا ثانوية أو شخصيات هامشية غير مهمة، أو سردا أو وصفا لتاريخ البطل أو أسرته أو لسيرة الشخصيات الأخرى أو وصفا لجزئيات صغيرة تتمثل بقطع الديكور والاثاث في المحيط العام الذي يوصف بدقة متناهية في بعض الروايات الكلاسيكية مثلا.. بينما لا تحتمل طبيعة المسرح أي تفاصيل ثانوية أو جزئية غير ذات علاقة بالثيمة الرئيسية، كأن توضع مثلا لمجرد الديكور أو لتزيين المنظر لغرض جمالي لا أكثر كما هو الحال في الإضافات المنزلية كما هو شائع أو كما يعمل على ذلك بعض المخرجين… إذ يفترض أو يجب أن يكون كل ما هو موجود على خشبة المسرح جزءا من الحياة الجديدة المفترضة على خشبة المسرح أو في سياق العرض المسرحي، أو ليلبي أحد وظائفه بشكل مباشر.. وهذا ما ينطبق أيضا على على الأحداث الثانوية أو الشخصيات الهامشية، وهذه بدورها يجب أن تكون أيضا مكملة بشكل مباشر للحدث الرئيسي في العرض المسرحي، وأن يكون لها دور بشكل مؤثر في نمو وتطور العقدة المسرحية الرئيسية وحلها.. وهذا الشكل من البناء أو التجسيد يفرض اهمال أجزاء عديدة من الرواية وتركها عندما يراد عرضها على خشبة المسرح، على أن لا يؤدي ذلك الى تسطيح الموضوع مثلا أو الى هشاشة الشخصيات الرئيسية وضياع معالمها، أو الى طمس سمات المشكلة أو المعضلة المراد معالجتها..

 

الشياح الرواية ـ المسرحية

نكتفي بهذا التمهيد عن علاقة المسرح بالرواية.. لنتفحص المسألة بشكل تطبيقي وكما قلنا على رواية “الشياح” التي كتبها القاص اسماعيل فهد اسماعيل وأخرجها الفنان فاضل خليل بعد أن اسهم بأعدادها مع زميليه اسماعيل خليل وحميد الحساني، وذلك على مسرح اكاديمية الفنون الجميلة ببغداد خلال الموسم المسرحي 1976ـ1977 . وتكتسب هذه الرواية ـ المسرحية أهميتها من كونها أول عمل مسرحي قدم في العراق عن مأساة الشعب اللبناني وحربه الأهلية في تلك السنوات..

لا ينكر أن الرواية قدمت مغريات كثيرة لمعديها، مثلا المكان الواحد (أي وحدة المكان الأرسطية) الذي تدور فيه أحداث الرواية وبشكل أدق حدثها الرئيسي، وهو ملجأ في أحد العمارات السكنية ببيروت في منطقة “الشياح”. وأيضا الزمان الواحد (وحدة الزمان..) التي جاءت بشكلها الأرسطي أيضا في الرواية.. فهنالك تسلسل سببي واضح في زمان الأحداث فهي تجري خلال يوم واحد من ايام الحرب الأهلية في بيروت، ولكن يجري في بعض الأحيان الخروج على هاتين الوحدتين (المكان والزمان) في مشاهد الاسترجاع أو التذكر (الفلاش باك) لكنه لا يسبب أي خرق لهما. هذا بالأضافة الى المنهج الدرامي الواضح في صياغة الأحداث وترابطها أو تواليها، وكذلك نمطية شخصياتها، فقد كانت جاهزة وممتلكة لسماتها العامة وملامحها الاجتماعية.. وقد استطاع الكاتب الخروج من هذا المأزق الذي لا ينسجم وطبيعة الرواية ـ أي التنميط ـ باستخدام الاسلوب السينمائي (الفلاش باك) أي التداعي أو التذكر كما قلنا في توضيح الابعاد الاجتماعية والسياسية لتلك الشخصيات، وهذا ما أستعصى على العمل المسرحي فبرز كأثر سلبي عليه، فاقتصرت مهمة الأعداد في نقل الحدث الرئيسي مع الزمان والمكان المحددين الى المسرح من دون تلك الأبعاد التي وضحها التداعي والتذكر في الرواية، لذا جاءت الشخصيات باهتة وتفتقد لأي عمق أو تدوير يشدها الى واقعها الأصلي أو الجديد على خشبة المسرح. لنأخذ مثلا علاقة حنا بمارسيل.. فقد استطاعت هذه العلاقة أن تضفي طابعا مميزا على هاتين الشخصيتين في كونها وضحت الوعي الاجتماعي والسياسي اللذين تمتلكانه. هذا إضافة الى مساهمتها ـ أي العلاقة ـ في رسم البعد الدرامي وتأثيره في بقية الشخصيات في الرواية.. وهذا ما لم نجده في المسرحية. فالعلاقة بين تلك الشخصيتين غير واضحة لدرجة أن الجمهور لم يتعرف على أن مارسيل هي أم حنا.. إلا في اللقاء الأخير لهما وفي جملة قصيرة جدا.. والشيء نفسه تقريبا ينطبق على شخصية أسعد وعلاقتها بالشخصيات الأخرى..

لقد قننت شخصيات الرواية باطار علاقاتها فيما بينها من جهة: وبينها وبين الأزمة التي انغمرت فيها من جهة أخرى.. فجاءت منسجمة فيما بينها الى حد الامتلاء أو الأنغمار التام أو الى درجة كانت فيه نمطية اجتماعية بشكل تختلف فيه عن النمط المسرحي.. إذ تبلورت هذه الميزة كنتيجة نهائية للنمو الذي كانت أداته الرئيسية مشاهد التداعي أو التذكر الذي تعرفنا خلاله على ماضي الشخصيات في الرواية.. وهذا ما لم يمكن تجسيده على خشبة المسرح وبالذات مسرح أكاديمية الفنون الجميلة حينذاك وبأمكانياته الفقيرة… فجاءت عملية بناء الشخصية المسرحية (الدرامية) عملية ناقصة.. وبحذف جميع مشاهد الفلاش باك تقريبا أنتفت أي قدرة على تحديد الأبعاد الاجتماعية والسياسية لتلك الشخصيات. صحيح أن المعد يمتلك الحرية سواء في أعداد تلك الأحداث أو في تغييرها بما يتلاءم مع طبيعة العرض المسرحي، لكن هذا مشروط بأن لا تفقد تلك الأحداث أو العلاقات أو الشخصيات تأثيرها أو دلالتها التي يفترض فيها أن تقدمه..

لقد امتلكت الرواية أدواتها الفنية ولغتها الخاصة بها، فلم تمنح نفسها بسهولة لنقلها على المسرح. أما الاضافات التي جاء بها الاعداد ودورها في عملية التقديم فقد أريد لها أن تكون أسهاما في تعميق وتطور الحدث أو الثيمة الدرامية أو الأزمة التي عاشها الأبطال في ملجأ العمارة خلال تلك الحرب.. وذلك ضمن الوحدة الدرامية المفترضة.. ومن هذه الاضافات الإخراجية تشكل لدينا مستوى درامي جديد مستقل نسبيا عن المستوى الأول الرئيسي الذي تشكله المادة الخام المقتبسة من الرواية. لكن يبقى السؤال الجذري المهم هو هل استطاع العرض المسرحي أن يحقق الوحدة المطلوبة بين المستويين المذكورين…؟ نستطيع أن نقول أن كل مستوى من تلك المستويات أمتلك تأثيره الخاص نتيجة الشكل الفني الذي قدم به. المستوى الأول كان كان بإطار درامي تقليدي، أي أنه كان هناك أبطال محددون أو شخصيات نموذجية عاشت أزمة درامية محددة أيضا، والجمهور مطالب بالتعاطف معهم على وفق المنظور الأرسطي.. لذا فأن حرية الأختيار لم تتوفر لذلك الجمهور لاختيار (موقف سياسي..) مما يجري أمامه من نقل لأحداث ساخنة.. فلقد قدم عمل درامي تقليدي كل شيء فيه مصنف وجاهز وما عليه ـ أي الجمهور ـ إلا أن يتمتع ويغرق في الوهم (التطهير..) الذي أختطه له أرسطو طاليس قبل عشرات القرون.. أما المستوى الدرامي الثاني الذي تضمنه العرض المسرحي كما أشرنا آنفا قد امتلك شكلا آخر من التقديم يختلف كثيرا عما جاء به المستوى السابق.. أي أنه اتخذ طابع المسرح التسجيلي الوثائقي.. فالجمهور كان أحيانا أمام لوحات تعبيرية غنائية، وفي أحيان أخرى أمام رواة يقدمون وثائق سياسية ويعرضون مضامينها أو يقرأون شعرا سياسيا لشعراء معروفين، هذا إضافة الى عرض الشرائح الصورية (السلايدات) والتسجيلات الصوتية لقادة سياسيين.. يعني هذا أن القضية المطروحة على ذلك الجمهور هي قضية سياسية مباشرة وواضحة، والجمهور مدعو الى اتخاذ موقف سياسي منها.. وهو بالتاكيد موقف يختلف عن الموقف الأخلاقي الذي كان يجب أن يتخذه مما جرى أمامه في مستوى العرض الأول.. وبهذا لم يستطع الأعداد ان يحقق الوحدة المسرحية المفترضة بين هذين المستويين اللذين تضمنهما العرض..

لقد شهد المسرح السياسي وبالذات منه المباشر الذي عالج قضايا سياسية ساخنة حينها وتحديدا منه المسرح التسجيلي، شهد تطورات كبيرة على صعيد الشكل والمضمون، واستطاع أن يحقق حضورا واسعا ومميزا في الكثير من التجارب والعروض المسرحية.. إذ أن تجارب كل من بيتر بروك وبيتر فايس ليست بعيدة عن مسامعنا، فقد استطاعت الموضوعات التي تناولها المسرح السياسي أن تفرض شكل العرض المسرحي الخاص بها.. وغالبا ما يكون هذا الشكل الجديد الأقرب بين الإطر المسرحية السابقة عليه في توصيل التأثير المطلوب.. وكان المسرح التسجيلي من الأشكال المسرحية الناجحة التي حققها المسرح السياسي..

الذي نريد أن نخلص أليه هو السؤال التالي: هل استطاع العرض المسرحي الذي حمل أسم الرواية المعروفة (الشياح) بالشكل الذي جاء فيه أن يستوعب مأساة الشخصيات التي عاشت في ملجأ العمارة في منطقة الشياح خلال الحرب الأهلية المعروفة في تلك السنوات..؟ هذا باعتبار المستوى الدرامي الأول الذي تضمنه العرض وهو المستوى الرئيسي لأنه شغل المساحة الزمنية الأوسع من ذلك العرض المسرحي.. وفي هذه الحالة لا يمكن أن يشكل المستوى الثاني من ذلك العرض أي حجم مؤثر إزاء هذا المستوى.. وقد أشرنا الى نوعية الأثر الذي يتركه الشكل المسرحي الذي جاء به المستوى الأول في كونه لم يقدم لنا غير معاناة شخوص في حالة ظروف حرب اهلية مستمرة تحاصرهم، ورغم أن هذه الحرب معلومة ومحددة.. لكن هذا الإطار الذي جاءت به لم يشعرنا بحجم المأساة وثقلها الحقيقي الذي حاول العرض أن يقترب منه، وخاصة في المشاهد التي تضمنها المستوى الثاني من العرض المسرحي الذي كان ممكنا جدا له أن يستوعب تأثير تلك المأساة بشكل أعمق لو انه اقتصر على هذا الشكل من التعبير الذي تضمنه المستوى الثاني..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

• نشرت هذه الدراسة في مجلة الحياة المسرحية العدد 11 ـ 12 شتاء ربيع 1980 ص 189

(1) الحياة في الدراما أريك بنتلي ترجمة جبرا ابراهيم جبرا منشورات المكتبة العصرية ـ بيروت ص49

 

بين الملحمة القديمة والدراما…

 

من البديهيات المعروفة في تاريخ المسرح وفي مراجعه الأكاديمية، والتي تطرق إليها معظم من كتب في هذا الحقل، مثل كتاب المؤرخ تشيني الموسوم (تاريخ المسرح في ثلاثة آلاف عام) والإنجليزي الآردس نيكول في كتابه (المسرحية العالمية) وأيضا كتاب (تاريخ الدراما) لشانصوريل وآخرين… أن كل الشعوب القديمة عرفت في فترة مبكرة من حياتها أو في القرون الأولى من حضارتها البدائية… عرفت وبحكم (غريزة المحاكاة) لدى البشر (تبعا لأرسطو) بعض الأشكال أو الممارسات أو الشعائر أو الطقوس التي يمكن تسميتها بأشكال ما قبل المسرح، وكانت هذه الأشكال تمارسها تلك الشعوب جزءا من معتقداتها الوثنية البدائية وعباداتها الدينية في التقرب إلى آلهتها مهما اختلفت أشكال تلك العبادات.. لكن تلك الطقوس والممارسات القريبة من الدراما ظلت أسيرة جدران المعابد التي كانت تؤدى فيها وعلى أيدي الكهنة بعيدا عن العامة وبعيدا عن الحياة… ولم تتطور الى أي شكل مسرحي أو درامي متعارف عليه فيما بعد بحسب معنى الدراما أطلاقا، لا عند السومريين ولا عند البابليين أو غيرهم من سكان وادي الرافدين أو شعوب المناطق المجاورة وحتى البعيدة منها…. الفراعنة فقط من الشعوب القديمة والى حد ما أخذت عندهم تلك الطقوس كما يبدو شكلا مبسطا للعرض المسرحي، كما وردت الإشارة الى ذلك في بعض المدونات الفرعونية التي تعود الى الألف الثالث قبل الميلاد..(1) ولكن لم يتبق من تلك المدونات في عصرنا هذا شيئ موثق بشكل دقيق حول تلك العروض أو نصوصها كما هو الحال عند الإغريق ومن بعدهم الرومان… هذه الممارسات أو الطقوس التي كما قلنا يمكن أن نطلق عليها مجازا أو مقاربة على أنها عروض درامية مبكرة.. ليست حكرا على شعب معين، بل عرفتها ومارستها مختلف الجماعات والشعوب القديمة بما في ذلك الشعوب ذات الحضارات البدائية في العصر الحديث في كل من أفريقيا واستراليا وأمريكا اللاتينية… وفي كل هذا تفسير لنظرية (المحاكاة…) التي قال بها أرسطو وتأكيدا لها عندما قال (غريزة المحاكاة مغروزة في الإنسان منذ طفولته…)

لم يتبلور مفهوم ومعنى الدراما ملازما للعرض المسرحي إلا عند الإغريق فقط، ليقلدهم بعد ذلك الرومان، كما وصلت إلينا بعض من نصوصهم وليس جميعها… وهذا التطور الذي أختص به هؤلاء القوم لم يكن بمحض المصادفة أو اعتباطا، بل تلبية لشروط واعتبارات كثيرة، تميزت بها الدراما الإغريقية ومن بعدها الرومانية وتوفرت لها من دون غيرها، منها:ـ

أولا.. صحيح أن الدراما الإغريقية ارتبطت مثل غيرها عند نشأتها بطقوس دينية أي عبادة الإله ديونيسوس.. لكن تلك الطقوس لم تكن تؤدى بين جدران المعابد، فهي قد خرجت في وقت مبكر من صيرورتها تلك الى الساحات العامة والملاعب المكشوفة أو على المدرجات التي هيئت لتقديم تلك العروض أو الاحتفالات الدينية التي كانت تقام في أوقات معينة من السنة، وأشترك فيها عامة الشعب بغض النظر عن تقسيم طبقاته القائم حينذاك، بينما مثيلات هذه الطقوس عند الأقوام الأخرى بما فيهم سكان وادي الرافدين القدماء ظلت حكرا على رجال الدين والطبقات الحاكمة مثلما حصل عند المصريين القدماء، رغم تطور هذه العروض لديهم بشكل أكثر تقدما من الآخرين كما أشرنا.. وهذا يذكر بنشأة المسرح للمرة الثانية في وسط وغرب أوربا بعد قيام عصر النهضة وإنجلاء ظلام العصور الوسطى، إذ خرجت أيضا الاحتفالات الدينية بميلاد وصلب السيد المسيح من ساحة الكنيسة الى باحات خارجية أوسع إذ كانت تقدم في باديء الأمر ما سمي بمسرحيات الأسرار والمعجزات… بجانب العودة الى الأرثين الإغريقي والروماني.

ثانيا.. بجانب ارتباط تلك النشأة أو الصيرورة بالموروث الديني.. ارتباطها بالموروث الأدبي والثقافي السابق عموما لدى الإغريق، وغنى ذلك الموروث وتنوعه، وتدوينه أحيانا، ويتمثل في الملاحم القديمة لدى ذلك الشعب وكذلك الشعر الغنائي (قصائد الديثيرامب) فقد كتب الناقد الروسي المعروف بيلنسكي (أن الدراما الإغريقية حلت التعارض القائم بين الطابع الموضوعي في الملحمة القديمة.. والطابع الذاتي في الشعر الغنائي..)(1)

ثالثا.. ارتبطت الدراما الإغريقية في نشأتها بالتطور الاجتماعي والسياسي الحاصل آنذاك لدى الإغريق أنفسهم حيث نشأت الدراما في حضن ذلك الشكل الأولي من الديمقراطية السياسية حديثة العهد أبان ما سمي آنذاك حكومات (دويلات المدن…) وربما تكون هناك أسباب أخرى موضوعية أو ذاتية غابت عنا.. وبالتالي تنتمي الدراما الى ثقافة المدينة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى في خلافها مع ثقافة البداوة التي تنتمي أليها الملحمة القديمة.. إذ تتميز الملاحم القديمة كجنس أدبي له وجود مستقل بذاته، سبقت كثيرا من الناحية التاريخية نشأة المسرحية أو الدراما.. كما أنها ترتبط تاريخيا بظروف محددة وبيئة اجتماعية محددة أيضا، توفران اشتراطات لازمة ساعدت على إنتاجها وانتشارها في زمن معين كانت سائدة فيه علاقات إنتاج محددة، وبنية اجتماعية محددة أيضا هي في حقيقتها انعكاس لعلاقات الإنتاج تلك وشروطها… تلك الظروف وتلك البنية لا يمكن أن تتكرر في زمن تال مرة أخرى.. كما أنها أي الملاحم القديمة وكما هو معروف مشكوك في نسبتها الى مؤلفين أو كتاب محددين، فلقد ذهب بعض الدارسين الى أن تأليفها يمكن أن يكون جماعيا أو تراكميا بمرور الزمن، وهذا بحكم طبيعة الأحداث التي تنقلها أو تصفها، فهي لا تخضع أبدا لمكان وزمان معينين أو محددين.. ليس كما هو الحال في المسرحية التي قال عنها أرسطو بأنها (محاكاة لفعل كامل…) فالملحمة القديمة تنتمي الى الأدب الشعبي ألشفاهي، فقد دونت بعد تأليفها ربما بمئات السنين…

الدراما في اللغة عن اللاتينية القديمة هي الفعل… واصطلاحا كما جاء في جميع المراجع المسرحية الأكاديمية هي الفعل وعملية إعادة تقديمه معا.. أي عرضه على المنصة.. وجاء في قاموس أكسفورد الحديث طبعة 2004 معنى كلمة Drama هو play for the theatre أي اللعب أو التمثيل على خشبة المسرح، وهذا يعني أن كل استعمال أو إضافة هذا المصطلح لمفردات أو تعبيرات لغوية يعتقد فقط أنها قريبة من هذا المفهوم.. بعيدا عن افتراض الوجود الممكن للعرض أو النص المسرحي.. هو استعمال غير دقيق وغير علمي بالمرة.. لذا نعتقد أنه لا يجوز أن نبحث عن عنصر أسمه (دراما) في أجناس أدبية أخرى.. من الممكن أن نبحث عن عناصر أو أدوات مساعدة تفيدنا في بناء عمل درامي جديد، كما هو الحال في تجارب مسرحية عديدة منها محلية وعربية وعالمية… محليا مثلا جهود المخرج العراقي قاسم محمد في التراث العربي المدون والشفاهي وكذلك آخرون.. وعربيا تجارب المخرج المغربي الطيب الصديقي مع أدب المقامات.. وعالميا تجارب المخرج الفرنسي بيتر بروك وآخرين..

نعود مرة أخرى الى الناقد بيلنسكي عندما يقول (الدراما هي عبارة عن التوفيق بين العناصر المتعارضة في الملحمة القديمة والشعر الغنائي… بين الموضوعية الملحمية والذاتية الغنائية.. غير أنها مع ذلك ليست ملحمة ولا بشعر غنائي.. بل هي نوع ما ثالث جديد تماما ومستقل رغم أنها تربت عليهما معا..)(2) وللتأكيد على هذه النقطة بالذات أي التعارض بين الذاتية الغنائية في الشعر من جهة والدراما من جهة أخرى نشير الى ما ذكره الناقد الأنجليزي برادلي في كتابه الشهير (التراجيديا الشكسبيرية) عند ذكره المآسي الخمس الشهيرة لشكسبير (هاملت، عطيل، الملك لير، روميو وجوليت، وماكبث) يقول عن شكسبير أنه في هذه المسرحيات كف تماما عن أن يكون شاعرا غنائيا كما هو الحال في مسرحياته الأخرى… أي أنه وصل الى القمة ككاتب مسرحي محترف….

من الخصائص الأخرى التي تميزت بها الدراما كلاسيكيا عن غيرها.. الوحدات الثلاث (الزمان والمكان والموضوع) التي ورد ذكرها لأول مرة عند أرسطو في كتابه (فن الشعر) باعتبار التراجيديا الإغريقية لدى الكتاب الإغريق الأوائل نموذجا لها.. (… فيلزم أن يكون لكل تراجيديا ستة أجزاء هي التي تعين صفتها المميزة وهي: القصة أو الحكاية أو (الفابولا) والأخلاق والعبارة والفكر والمنظر والغناء)(2) أما الاختلاف حول وحدتي الزمان والمكان فيما بعد عند الكلاسيكيين الجدد ومن أتى بعدهم فهي اجتهادات أو تأويلات ظهرت أما بالارتباط مع ما استحدث من حاجات للمسرح وتقنية المنصة.. هذه الحاجات وإن كانت آنية أو بمعنى ما نفعية في حينها.. إلا أنها كانت ملحة فعلا وتلبية تاريخية لتلك الحاجات.. لقد أصبح شرط الوحدات الثلاث وتلازمها أو افتراقها محل نزاع أحيانا أيديولوجي وأحيانا أخرى فني تقني..

يقول هيجل (طبيعة التطور الدرامي يتميز عن خاصية التطور في الملحمة، أن شكل الموضوعية الملحمية يتطلب التباطؤ في الوصف، هذا التباطؤ يمكن أن يزداد ليصل حد المعوقات الحقيقية بينما نجد المشاهد الاستطرادية التي لا تساعد على تطوير الحدث لا تعمل إلا على إعاقة جريانه… وهي تسير بصورة متعارضة مع طبيعة الدراما…)(4) وهذا أيضا ما ينطبق على طبيعة الحوار المسرحي مقارنة مع الحوارات التي ترد في بعض الملاحم القديمة وما تتصف به من ترهل وتكرار للمعاني والكلمات… مقابل أهمية توظيف ذلك الحوار وتركيزه في النص المسرحي في نقل الوصف أو السرد أو كل ما يمكن أن يحدث خارج خشبة المسرح بعيدا عن أنظار الجمهور..

من اللافت للنظر أن ظاهرة مهمة جدا في تاريخ هذا الفن صاحبت تقديم العروض المسرحية من دون غيرها من الأجناس الأدبية… إلا وهي ظاهرة التطور السريع والتخطي التاريخي الملموس من تجربة مسرحية الى أخرى، فلم يكن في تاريخ المسرح إطلاقا تطابق بين تجربتين مسرحيتين أبدا.. أو لنتأمل ذلك في بداية نشوئه عند أولئك الإغريق الأوائل، فقد كان تطورا هائلا بين تجربة كل كاتب وآخر من الكتاب الذين عرفناهم والذين عاصروا بعضهم تقريبا ووصلت آثارهم إلينا.. أسخيلوس الكاتب والمسرحي الأول عندهم، والذي كان يدير العرض المسرحي بنفسه بمساعدة رئيس الجوقة، (أي عملية الإخراج قبل أن تسمى..) وكان معه ممثل واحد فقط… وكان للجوقة الدور الرئيسي في العرض المسرحي، فهي التي تقرر وتحدد مصائر الأبطال ومسيرة الأحداث… إضافة الى إشغالها لمنصة العرض برقصها وغنائها باعتباره الجزء المهم من العرض… مسرحية (الضارعات) مثلا.. ثم ليأت بعده معاصره المتأخر عنه بعدد قليل من السنوات سوفكلس، الذي أضاف ممثلا ثانيا وقلل من أهمية دور الجوقة وتدخلها في مصائر الأبطال، أي أنه جعل دورها ثانويا فلم تكن تمتلك معه سلطة القرار، فصاحب القرار عند سوفكلس هو البطل التراجيدي الجديد الذي يواجه مصيره بنفسه أمام قرارات آلهة الأولمب… (أوديب ملكا) مثال على ذلك.. الكاتب الإغريقي الثالث والذي عاصر أيضا سوفكلس في أواخر سني حياته هو يوربيدس الذي أضعف من أهمية دور الجوقة نهائيا، فأصبحت لا أكثر من كورس يشغل خلفية منصة العرض تنشد الأغاني وتؤدي الرقصات وتعلق على الأحداث من دون التدخل فيها.. فهي يمكن أن تتوقع وقوع حدث معين وتتنبأ به وتعلن عنه، لكن البطل أو البطلة غير ملزمين بسماع رأيها أو الأخذ به… لا يفوتنا أن نذكر بأن أغلب أبطال مسرحيات يوربيدس من النساء… مثل (ميديا.. ألكترا.. هكيوبا.. ونساء باخوس)….

إذن ملحمة كلكامش ليست مسرحية…!

بعض الأكاديميين العراقيين للأسف عند حديثهم عن تاريخ المسرح في الوقت الحاضر وفي وقت سابق وتطرقهم الى تاريخ المسرح في العراق.. وسواء كان ذلك أمام طلابهم في قاعات الدرس أو في وسائل الأعلام الأخرى.. يشيرون أحيانا الى أن تاريخ المسرح في العراق يمتد عمره الى أكثر من ثلاثة آلاف سنة…!! وهم يشيرون هنا الى الحضارات القديمة التي عاشت على أرض الرافدين… وعلى أن أول منجز (مسرحي..) هو (ملحمة كلكامش) السومرية الأصل التي نسخها البابليون عنهم وكذلك الأقوام الأخرى فيما بعد.. باعتبارها مسرحية.. أو في أحسن الأحوال تتضمن تلك الملحمة بعض العناصر المسرحية…!! أو أنها قريبة من بنية المشهد المسرحي أحيانا…!! لكن (ملحمة كلكامش) مثلها مثل أية ملحمة قديمة لم تكن مسرحية إطلاقا ولا تمت الى فن كتابة المسرحية قديمها وحديثها بأية صلة .. وليست لها علاقة بفن المسرح أو الدراما من قريب أو من بعيد.. كما أن ليس هناك ما يشير فيما تبقى من المدونات الأثرية سواء عند السومريين باعتبارهم أقدم شعب سكن المنطقة أو من جاءوا بعدهم ونسبت تلك الملحمة لهم أيضا… الى أن تلك الملحمة قدمت كعرض مسرحي في تلك الأزمان القديمة لا هي ولا أي نص آخر غيرها…

نعتقد أن أصل تلك الطروحات وتداولها كان تحت تأثير جهد المخرج العراقي سامي عبد الحميد عندما اشتغل في نهاية السبعينات من القرن الماضي على ذلك النص المعروف والشائع حينذاك الذي ترجمه ألآثاري العراقي طه باقر، بعد أن أعد المخرج جزءا منه للعرض المسرحي، حيث برزت حينها في حدة التقاطع بين الدرامي المفترض تقديمه على المنصة من جديد.. والسردي الملحمي غير المعني بالالتزام بالوحدات الثلاث مثلا… كما أعدت خلال فترة السبعينات أيضا عروض مسرحية أخرى استلهمت الموروث السومري والبابلي أيضا.. مثل (رثاء أور) و (قصة الخليقة البابلية) وكانت تلك الجهود منغمرة في هاجس التجريب والمغامرة الفنية لا غير، تبحث عن مقاربات مسرحية بين تلك النصوص القديمة.. أو حتى في متون الأجناس الأدبية الحديثة الأخرى.. والذي يبحث عن تلك المقاربة بهدف أعداد عرض مسرحي يمكن أن يجد ضالته بسهولة…

لقد تضمنت أية ملحمة وصلت إلينا.. ثيمات قصصية عديدة، وفي أغلب الأحيان نجد أن هذه الثيمات مستقلة عن بعضها، أي بمعنى ما لا تتوفر فيها وحدة الموضوع، وهذا ما نجده مثلا في ملحمة كلكامش أو حتى في ملاحم الإغريق والرومان القديمة.. وكان من عيوب العرض المسرحي الذي أعده المخرج سامي عبد الحميد كما أشرنا ازدحامه بتلك الثيمات المستقلة عن بعضها، مثلا ثيمة البحث عن الخلود.. وكذلك ثيمة اضطهاد كلكامش لشعب أوروك… أو ثيمة لقاء كلكامش بأنكيدو وصداقته الحميمة له… أفكار عديدة جاءت بها الملحمة، لكن من مزايا العرض المسرحي الهامة التي يتميز بها عن غيره هي ما يسمى في المسرح.. بـ (وحدة الموضوع…) وبتعبير أدق الموضوع الواحد أو الثيمة الواحدة بجانب ثيمات ثانوية أخرى لتنتهي في الثيمة الرئيسية أو لتخدمها…. يمكن أن تكون المسرحية وحدها من بين جميع الأجناس الفنية لا تحتمل تعدد الثيمات أو الموضوعات غير ذات الصلة المباشرة ببعضها…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب (المسرحية العالمية) الآردس نيكول ترجمة دريني خشبة ص5 الفصل الأول من الكتاب

(2) كتاب (نظرية الأدب) وهو لمجموعة من الباحثين السوفيت المختصين بنظرية الأدب والأدب العالمي، صدر عن وزارة الثقافة والأعلام

العراقية عام 1980 ترجمة د. جميل نصيف… القسم الرابع منه بعنوان (الدراما) تأليف أ.س. كوركينيان ص 570

(2) المصدر السابق

(3) كتاب أرسطو (فن الشعر) ترجمة د. شكري عياد ص50

(4) المصدر السابق في (2) ص 576

 

محاولة لتحديد معنى المصطلح

النص السينمائي او السيناريو

يعرف النص السينمائي اصطلاحا بـ (السيناريو..).. باعتباره مثل أي نص إبداعي آخر.. أي مثلما هناك نص شعري أو نص قصصي أو نص روائي.. هناك أيضا نص سينمائي يطلق عليه السيناريو.. وهو يعني أيضا المعالجة السينمائية للموضوع المقترح كمشروع عمل سينمائي، على أن يتضمن وصف كامل للمنظر أو المشهد من الخارج.. أي وصف المحتوى الصوري والصوتي للمشاهد التي ستشكل الموضوع وعددها والتي ينبغي تصويرها فيما بعد، أي وصف الحوادث والمواقف الدرامية، مع وصف الحركة المفترضة للشخصيات.. والانتقالات الزمانية والمكانية لتلك الشخصيات أو حركتها داخل المشهد، وتفكيك هذه الانتقالات إلى مشاهد مستقلة عن بعضها.. بجانب الحوار.. هذا في حالة الفلم الروائي، أو التعليق أي الصوت من خارج الكادر بالنسبة للفلم التسجيلي.. ويعرف هذا النص في هذه المرحلة بـ (السرد ألفلمي أو السرد السينمائي) لكن المفارقة النقدية أن هذا (النص) الجديد لم يكن جنسا أدبيا معروفا أبدا، أي أنه كما يفترض ومعروف في أوساط صناعة السينما غير قابل للتداول الأدبي كما هو شائع في الأجناس الأخرى… أي انه عبارة عن مشروع خطة عمل ميدانية للفلم السينمائي..

عندما يباشر كاتب السيناريو كتابة نصه للسينما، وذلك في ميدان الإنتاج السينمائي كعمل مهني محترف له تقاليده المهنية، لم يكن يدور بخلده أبدا أنه يكتب نصا أدبيا للقراءة أو للطباعة والنشر والتداول، هو صحيح يكتب نصا محددا وفق آلية محددة أيضا، لكنه يبقى نصه عبارة عن خطة عمل لمشروع تصوير فلم سينمائي كما أشرنا.. وربما بمضمون أدبي يتمتع بمزية الموضوع الراقي أو المتقدم.. لموضوع ما .. أي موضوع.. كأن يكون مشروع فلم روائي، أو فلم تسجيلي عن قضية محددة.. أو أحيانا رؤيا سينمائية مقترحة (1) أو إعداد عن نص آخر كأن يكون قصة أو رواية أو مسرحية كما هو شائع أيضا، والأمثلة كثيرة على ذلك، لا لهدف.. إلا لكي يقرأ هذا (النص الجديد) المقترح تحديدا المخرج أو أي مختص آخر تفوضه الجهة المسئولة عن الانتاج التي تتبنى المشروع.. أو شركة الإنتاج المعنية بإنتاج هذا الفلم.. أو من يمثل فريق العمل السينمائي عند الجهة المنتجة المنفذة…

السيناريو هو المقابل اللغوي للمصطلح المسرحي الإنكليزي الشائع في الأوساط المسرحية (السكربت) والذي يعني لغويا خطة العمل أيضا.. كمصطلح في مجال العمل المسرحي التخصصي الدقيق (بالنسبة للعاملين في الحقل المسرحي يعرفون وظيفة هذا المرحلة جيدا، أي كيفية عمل نسخة السكربت من النص المسرحي المزمع إخراجه (2) الذي يجب أن يتضمن الخطة الإخراجية للعمل المسرحي بما فيها وصف حركة الممثلين، ووصف المناظر المسرحية، وتفاصيل بناء الديكور، ورسم المساقط الرأسية لها على كل صفحة بيضاء مقابلة للنص المسرحي المكتوب، وأيضا الخطة الأرضية للمسرح، أي مداخل ومخارج منصة العرض، وحتى تفاصيل توزيع أجهزة الإضاءة وأنواعها على منصة العرض بعد تصميمها.. ويمكن أن يتطرق السكربت أحيانا إلى تصاميم الأزياء بالنسبة للشخصيات الرئيسية وحتى الثانوية منها.. إضافة إلى تقارير العمل اليومية عما هو منجز..) في المحصلة النهائية نتساءل هل هناك قارئ أو متلق غير متخصص يرغب بقراءة هذا النوع من (النصوص) أو الاطلاع عليها من غير المختصين أو الدارسين في شؤون المسرح وتقنياته…؟

أما ما عرف سابقا أو لاحقا عن (نصوص السيناريوهات) التي نشرت منذ سنوات وقرأها الكثير من أدبائنا ومثقفينا في بعض المجلات والدوريات العربية والمحلية في سنوات سبعينات القرن الماضي وما تلاها، فقد شوشت تلك (النصوص) أذهان بعض من مثقفينا وكتابنا فيما بعد، وتركت أثرها عليهم، فكان ذلك الأثر عبارة عن فكرة خاطئة عن فن كتابة السيناريو أو النص السينمائي…!! تلك (النصوص أو ما سميّ بالسيناريوهات) التي نشرت في أماكن عديدة وهي كثيرة… لم تكن لها أية علاقة بذلك الجنس الفني مطلقا…!! هذا إذا صح إطلاق صفة (جنس فني) على ذلك المنجز (السيناريو…) الذي حاولنا أن نوضح صورته أو ماذا يعني.. فهو خطة لعمل سينمائي لا أكثر كما نوهنا.. تلك المواد المنشورة لم تكن سيناريوهات سينمائية حقيقية مطلقا، وسميت هكذا خطأ من قبل الناشر أو الصحفي الذي عمل على نشرها في تلك المجلات، ربما خطأ غير مقصود، فهي كانت في الأصل فلما أو شريطا سينمائيا جاهزا للعرض في قاعات السينما.. وهذا الشريط السينمائي الجاهز كما هو معروف يختلف كثيرا عن السيناريو أو النص السينمائي، وهذا الأخير مشروع أو خطة عمل سينمائي فقط كما كررنا هذه الملاحظة سابقا ونكررها هنا للتأكيد، أما هذا الذي نشر فهو عبارة عن وصف ونقل دقيق لمحتويات الشريط السينمائي المنجز مسبقا لقطة لقطة، والذي عرض قبلا على شاشات العرض في دور السينما في العالم، ولم يتسن لنا نحن العرب أو العراقيين مشاهدة تلك الأفلام آنذاك لأسباب مختلفة.. وربما لأسباب سياسية معروفة في ذلك الحين، فتبرع بعض الأخوان من الصحفيين أو من مسؤولي تحرير الصفحات الفنية أو الثقافية في تلك المجلات والدوريات.. وربما بتكليف من جهة النشر نفسها، بنقله وعرضه على صفحات مجلاتهم من على (البوبينة) أو البكرة، ومن على منضدة المونتاج تحديدا ومباشرة، وأطلقوا عليه اعتباطا تسمية (سيناريو…!!)

وبكل تأكيد فإنهم غير ملمين.. أو يجهلون حقيقة مراحل العمل التي مرت بها هذه البكرة أو (البوبينة) أو ذلك الشريط السللوزي بأحجامه المختلفة (70ملم أو 35ملم أو 16ملم) ودعامته الكيماوية المعدة للتأثر بالضوء من خلال الكاميرا أو جهاز العرض فيما بعد.. وتعرضت لعمليات كيماوية كثيرة…! (التظهير والتثبيت..) قبل أن يصل ألينا من بعد كتابته على الورق كمشروع عمل سينمائي أو سيناريو…!! فقد كانت رحلة طويلة جدا، تبدأ من كتابة ما يسمى بالسيناريو الأولي، هذا فيما إذا تم الاتفاق على المعالجة السينمائية المقترحة لذلك المشروع.. ووضع تفاصيل خطة للعمل له، وهو ما يقابل السكربت في العمل المسرحي الذي أشرنا له، وبعد ذلك تتم كتابة السيناريو التنفيذي.. وهذه النسخة فقط تتضمن تحديدا لأحجام اللقطات وأنواعها وكذلك حركة الكاميرا من قبل مخرج الفلم.. ومن ثم إعداد أوامر التصوير اليومي فيما بعد.. ومن ثم المباشرة بتصوير مشاهد الفلم والأعادات… الذي يمكن أن يمتد الى سنوات أحيانا أو الى أشهر أو عدة أيام في أحسن الأحوال، إضافة الى ما يمكن أن يستجد من مشاكل فنية وتقنية يجب حلها بحسب الظروف والإمكانيات المادية المتاحة، ومن ثم تظهير النسخة السالبة الأولى فور الانتهاء من كل مشهد حتى قبل تغيير المناظر التي بنيت.. ثم طبع النسخة الموجبة الأولى لعمل المونتاج الأولي عليها.. ثم مرحلة تسجيل الصوت وإضافة المؤثرات الصوتية والموسيقى، ثم المونتاج على نسخة السالب، ثم طبع النسخة الموجبة النهائية.. إلى أن تصل كشريط سينمائي جاهز للعرض التجاري.. كل هذا العمل بعد كتابة النص السينمائي الأول أو السيناريو..

غير أن تلك المادة (الأدبية…!!) التي نشرت ولا نعرف ماذا نطلق عليها أو الى أي جنس فني أو أدبي يمكن أن تنتمي.. وكان ذلك عبر عرضها على منضدة المونتاج (المفيولا) ومن ثم كتابة وصف مفصل لتلك اللقطات بما في ذلك أحجامها، وكذلك وصف حركة الكاميرا فيها. وكل ذلك بإطلاق تسمية خطأ على أن ذلك النص المنشور.. هو سيناريو…!! إضافة إلى الجهل الشائع بهذا التخصص السينمائي آنذاك في ظل غياب صناعة السينما وتقاليدها عربيا ومحليا… شاع هذا الخطأ وأصبح رائجا.. كما تم تقليده والكتابة وفق سياقاته كما فعل البعض من الأدباء والكتاب…!!

فلننتقل للمقارنة مع المسرح.. هذا الفن القريب من السينما وبالذات السينما الروائية من ناحية استعارته لعنصر الدراما.. النص المسرحي أو المسرحية، وفي جميع عصورها، وبشكل خاص حيث عرفت الأعمال المسرحية الشهيرة، سواء منها في المسرح الإغريقي القديم على يد أسخيلوس وسوفوكلس ويوربيدس، ومن ثم المسرح الروماني ونصوص راسين وكورني وغيرهم.. وصولا إلى نصوص ما بعد عصر النهضة.. أو النشاط المسرحي عموما حيث تقديم العروض المسرحية أمام المشاهدين، عندما كانت المسرحية لم تكن تكتب لتقرأ حينها.. بل لغرض عرضها على خشبة المسرح أمام جمهور المشاهدين.. كما هو الحال في البلدان التي شهدت ولادة الفن المسرحي بمراحله المختلفة، وهذه النقطة موضوع المقارنة واضحة هنا وبشكل جلي.. عندما نقرأ الآن ما تبقى من تلك النصوص القديمة من ما تبقى من أرث المسرح اليوناني الإغريقي القديم، وكذلك المسرح الروماني ومن ثم مسرح عصر النهضة، وحتى مسرحيات شكسبير بطبعاتها القديمة الأصلية، وكذلك معاصروه ومن جاءوا بعده، وكل ما تبقى من نصوص ومخطوطات لكتاب المسرح القدماء، إذ نرى في تلك النصوص حوارات طويلة جدا بين شخصياتها، وكذلك دور الجوقة واناشيدها.. أو حوارات رئيسها في العرض المسرحي.. وحتى أنها تبدو مملة لأغلب القراء المعاصرين، إذ يجهل الأغلبية الآن من غير المتخصصين أو يغيب عن تصور قارئ تلك النصوص.. كيف كانت تقدم تلك النصوص أو كيف تؤدى تلك الحوارات الطويلة المملة على خشبة المسرح…؟ وكيف كان شكل العرض المسرحي أو مكونات فضائه…؟ هذا هو النص المسرحي الحقيقي، رغم كل ما فيه من لغة أدبية بليغة موروثة عن قرب من جذر المسرح الأول.. الشعر، وتحديدا الشعر الغنائي.. وهذا بكل تأكيد غير النص المسرحي الأدبي الذي شاعت وانتشرت كتابته في العصور الأخيرة، والذي نستمتع الآن كثيرا بقراءته…! أي أن النص المسرحي الأول في الأصل لم يكن يكتب ليقرأ في تلك العصور، بل ليقدم على منصة العرض المسرحي أمام الجمهور. والذي يكتب منه للقراءة كما هو الحال الآن.. فهو إلا فيما ندر إن لم يكن غير موجود أصلا أو غير متداول.. أو أنه لا ينتمي للدراما أبدا.. وهذه الأخيرة ومنذ نشأتها لم تكن مقروءة كما نوهنا.. وعندما يراد لذلك النص المكتوب تقديمه على خشبة المسرح توضع له خطة عمل أو (سكربت) من قبل المخرج أو من قبل أحد مساعديه، وبكل تأكيد فإن هذه النسخة من النص المسرحي لا تصلح للقراءة الأدبية أبدا إلا من قبل المختصين كما وضحنا طبيعتها في المتن والهامش… هذا يعني أن الدراما بجميع أشكالها سواء كان ذلك في السينما أو المسرح لم تكن تكتب لتقرأ (3) بل لتعرض أمام المشاهدين.. وكل ما يكتب على الورق وعلى أنه درامي هو خطأ شائع أيضا ولا يمت للدراما بأية صلة، الدراما من ضمن ما تعنيه بتعريفاتها اللغوية والاصطلاحية: هي العرض أمام المشاهدين.. فهي (الفعل وعملية تقديمه معا…) كما جاء في تعريف النقاد القدامى والمحدثين لها..

نشرت وترجمت أحيانا في بعض الدوريات العربية أو بشكل مستقل احيانا في كتاب بعض النصوص السينمائية ولكتاب من الغرب معروفين من مثل جان بول سارتر وماركريت دورا وغيرهم ، نصوص على أنها سيناريوهات.. أو هي ما يسمى بـ (المعالجة السينمائية) نشر بعضها تحت تسمية سيناريو… هذا الجنس الأدبي غير شائع حتى في أوربا نفسها.. لكن تلك التجارب جاءت على يد كتاب كبار ومحترفين.. سبق لهم الكتابة للسينما.. رغم أنها لم تكن بذلك الشكل الذي أشرنا أليه.. فهي لم تتضمن أبدا تحديدا لأحجام اللقطات أو وصفا لحركة الكاميرا أو وصفا لطبيعة التصوير أو زوايا اللقطات، بل تضمنت وصفا للمشاهد السينمائية فقط، وبلغة أدبية مقروءة فعلا، ولكن تلك النماذج لم تكن سيناريوهات سينمائية بتلك الصيغة الشائعة لدينا، بل هي نماذج لما يطلق عليه معالجة أدبية سينمائية لموضوع أو فكرة ما.. نكرر معالجة أدبية سينمائية.. وهي لا تمت لفن كتابة السيناريو بأية صلة…

هذا يعني أن كاتب السيناريو الفعلي المتعارف على مهنته في عالم صناعة السينما منذ نشأتها حتى اليوم، يمكن أن يكتب أحيانا وربما دائما بلغة غير أدبية.. فهو غير معني بالأدب والعناية باختيار مفردات اللغة والمعاني والألفاظ عموما وما يمكن أن يقترن بها من سياقات لغوية بلاغية، أو بكل ما يمت للمتطلبات النشر الأدبي مطلقا، ممكن أن تكون عباراته أو مفرداته.. عبارة عن شفرات أو إشارات.. أو يمكن أن تكون جمل ناقصة.. أو حتى رموز لا يفهما سوى زميله المخرج السينمائي أو بعض من مساعديه أو من بعض العاملين في هذا الحقل.. كما يمكن أن تكون مليئة بالأخطاء الإملائية واللغوية.. فلا أحد يمكن أن يلومه أو يحاسبه في ذلك.. فهذا ليس اختصاصه. كما أنه غير معني بأحجام اللقطات وأشكال الانتقالات الصورية أو حركة الكاميرا.. التي يغرم بها الكثير من كتاب (السيناريوهات) الجدد عندنا…!! فهذه المهمة بالذات من صميم عمل المخرج السينمائي وحرفيته المهنية.. في بعض أشكال الإنتاج السينمائي الواسع والحديث.. ومثال على ذلك هوليود حيث يقوم مخرج الفلم وخاصة إذا كان من كبار المخرجين.. بوضع اللمسات الأخيرة من تحديد لأحجام اللقطات وحركة الكاميرا وبقية تفاصيل العمل الميداني على النسخة الأخيرة من السيناريو التنفيذي (وهذه النسخة هي التي يكتبها مخرج الفلم أو المخرج المنفذ..) ليكمل بقية العمل (ميدانيا) أحد أبرز المساعدين للمخرج… وعادة ما يكون من ألمع المساعدين للمخرج النجم…

كاتب السيناريو الحقيقي معني فقط بوصف المشهد السردي من الخارج، أي صورة المشهد المرئي.. أي ما تستطيع أن تراه العين المحايدة وتعرض مضمونه بدقة.. بدون حاجة لأي تأويل (باطني..) أو ذهني أو كل ما يتعلق بـ (الرؤيا الأدبية) الشائعة.. وتحديدا في وصف كل ما يخضع لتسلسل لحظات الزمان المطلق وسلطته على وحدة المكان النسبي.. وفيما إذا كان ذلك المكان خارجي أو داخلي، وطبيعة الوقت فيما إذا كان مساءا أو نهارا…. وإذا كان الفلم روائيا فأن كاتب السيناريو يكتب قصته أو طبيعة سرده القصصي ووصف الحركة (من خلال هيمنة وحدة الزمان..) الخارجي للمنظر والأشياء والشخصيات وحركتها من والى.. أو وصفا لحدث ما فقط، أي أن لا يتضمن ما يكتبه الكاتب في هذا الموضع وصفا للمشاعر والأحاسيس والهواجس الداخلية لابطاله أو وصف الحالة النفسية لتلك الشخصيات (أي ما يتطلبه الأدب عادة..) فهو غير معني بذلك.. وإذا احتاج لأن يظهر ذلك الجانب أو يعتني به، فيجب أن يكون من خلال ما يصفه من مناظر وصور مرئية فقط يصفها بدقة على الورق، أو من خلال الحوار إذا يمكن ذلك.

عندما يبدأ كاتب السيناريو بكتابته نصه أو مشروعه يقسم الورقة إلى عمودين متقابلين، العمود الأول الأيمن لوصف المشهد السينمائي المقترح ليأخذ رقما محددا، كأن يكون المشهد الأول مثلا، كما أن المشهد يتحدد ويأخذ رقمه بالمكان والزمان الذي يدور فيه تسلسل الحدث أو ليصل أليه، وأي تغيير في الزمان أو المكان يعتبر تغييرا في المشهد، ويعتبر مشهدا جديدا برقم جديد. وهذا التقسيم مهم جدا بالنسبة للمخرج في عملية التنفيذ أو الإخراج، لأنه (أي المخرج) يعمل على كل مشهد بشكل مستقل عن المشاهد الأخرى، فخلال التنفيذ والعمل يتم التحضير للمشاهد السينمائية كل على حده، أي انه يمكن أن يتم التصوير في يوم واحد للمشهد رقم 12 والمشهد رقم 35، أما العمود الثاني الذي يقع على يسار الورقة في كتابة السيناريو، فيستخدم لكتابة الحوار والموسيقى ووصف المؤثرات الصوتية فيما إذا كان يحتاج لها.

ترى لو أضطلع كاتب السيناريو بمهمة تحديد اللقطات وأحجامها وكذلك حركة الكاميرا وزوايا اللقطة وأشكال الانتقالات، فماذا يتبقى من عمل للمخرج يمكن أن يؤديه ويستلم أعلى اجر مقابله من جهة الانتاج…؟ كاتب السيناريو في العمل المحترف ربما لا يستطيع أن يقف خلف الكاميرا، ولا يعرف تشغيلها ولا آلية عملها.

كتابة السيناريو تخصص دقيق في العمل السينمائي، وكذلك هو تخصص دراسي في الدراسات الأكاديمية في السينما، وكذلك يمكن أن يحترفه الآخرون مثله مثل أي حرفة أو مهنة في هذا الفن. كما أنه لابد أن نشير الى ان الدراسات السينمائية بهذا الصدد شحيحة جدا أذا لم تكن معدومة بالنسبة للقارئ العربي، أما ما ترجمه الناقد السينمائي العراقي المرحوم سامي محمد في كتاب (فن كتابة السيناريو) للكاتب الأمريكي سد فيلد، والذي طبع قبل عدة سنوات من قبل وزارة الثقافة العراقية، فهو يحتوي لتعريفات دقيقة لفن السيناريو وتقنية كتابته باستيعاب مفترض لما تقتضيه نظرية الدراما وشروطها، بجانب وصفا أدبيا أو نقلا لتجارب سينمائية في كيفية كتابة السيناريو في السينما الأمريكية من أمثلة معروفة في عالم السينما… لكنه أنه لم يتطرق إطلاقا إلى تحديد حجم اللقطات وأنواعها في كلامه عن خطوات الكتابة تلك…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فلم يوسف شاهين المعروف (العصفور) وهو قبل أن يكتب كسيناريو كان عبارة عن رؤيا سينمائية للكاتب السياسي المعروف لطفي الخولي كما جاء ذلك في (تايتل) الفلم..

(2) ويعني تفريق النص المسرحي إلى أوراق منفصلة ثم لصقها على أوراق بيضاء أكبر حجما بعد حفرها من الداخل بحجم أقل من حجم ورقة النص المسرحي المكتوب، وترك ورقة بيضاء كاملة بين كل ورقتين من الأوراق التي تحمل ورقة النص.. ومن ثم جمعها في مجلد، والغرض من ذلك استعمال الورقة البيضاء والهوامش في أعلى وأسفل وجانبي صفحة النص لرسم وكتابة تلك التفاصيل والملاحظات الإخراجية المفترضة، وكذلك الرسوم التوضيحية للمساقط الأرضية لخشبة المسرح التي تشرح حركة الممثلين.

(3) ربما تواتر تقليد قراءة النصوص المسرحية من القرون الوسطى بعد تحريم الكنيسة للعروض المسرحية آنذاك، وانتشار عادة قراءة ما تبقى من مخطوطات مسرحية سرا، كما تشير إلى ذلك الدراسات التاريخية العديدة في تاريخ فن المسرح.

 

 

 

ظاهرة الاقتباس في السينما المصرية..

(الأخوة الأعداء) عن (الأخوة كارمازوف) مثلا..

 

شهدت السينما المصرية في فترة معينة من تاريخها الطويل نسبيا مقارنة مع تاريخ السينما في البلدان العربية الأخرى.. شهدت في سنوات ستينات القرن الماضي.. ظاهرة محددة وبارزة بشكل واضح للمهتمين بهذا التاريخ الفني الطويل والمتابعين له.. هي ظاهرة إعادة انتاج بعض نتاجات السينما العالمية.. وبالذات بعض من قمم هذه السينما المميزة الجديرة بالملاحظة والمتابعة والتي حصلت على نجاحات تجارية وفنية كبيرة، فكانت النتيجة للأسف إساءة بالغة وتشويها فضا لتلك النتاجات المهمة ومضامينها الإنسانية والفنية.. وهذه الظاهرة فريدة من نوعها في تاريخ السينما في العالم.. كما أن الأمثلة السينمائية في هذا المجال كثيرة على ذلك، منها مثلا الفلم الأمريكي الشهير الغنائي الاستعراضي الحائز على تسع جوائز أوسكار لسنة 1969 (قصة الحي الغربي) المأخوذ أصلا من مسرحية شكسبير الشهيرة (روميو وجوليت) وكذلك فلم (مرتفعات وذرنج) المأخوذ أيضا عن الرواية المعروفة بالاسم نفسه، وأيضا الفيلم الروسي الشهير (الجريمة والعقاب) المقتبس عن رواية دستويفسكي المعروفة بالاسم نفسه أيضا.. وأفلام أخرى شهيرة غنية عن التعريف.. لذا فاننا سنتناول في هذه المتابعة والبحث الفيلم المصري (الأخوة الأعداء) لأنه باعتقادنا (إعادة انتاج) عن الفيلم الروسي.. وليس عن الرواية الأصل (الأخوة كرمازوف) ونستبعد فكرة اعتبار أن الفيلم المصري هو اعداد جديد عن الرواية المشار لها لاعتبارات سنأتي على ذكرها..

لا اعتقد أن أحدا يمكن أن يعترض على موضوع الاقتباس.. أو الاستفادة من.. أو الإعداد عن الموروث الثقافي العالمي سواء منه الفني أو الأدبي المكتوب، فهنالك أمثلة كثيرة على اقتباسات متعددة على صعيد عالمي معروف.. وكذلك لا أحد يمكن أن يعترض على إعادة انتاج عمل فني معين.. فهذا تقليد معروف في السينما العالمية وكذلك المسرح في العالم أجمع وهناك أمثلة كثيرة.. مثلا هوليود باعتبارها المكان الأكثر تخصصا للأنتاج السينمائي الكثيف والواسع في العالم.. فقد أنتجت فيها أعمال كثيرة من التراث الأدبي الروسي بالذات قبل وبعد أن تنتجها الاستوديوهات الروسية الرسمية أبان المرحلة السوفياتية مثلا.. من مثل روايات تولستوي المعروفة (الحرب والسلام) و (آنا كارنينا) وكذلك أعمال دستويفسكي التي لا تقل شهرة عنها، هذا بالإضافة الى أعمال شكسبير المسرحية المعروفة فقد أعيد انتاجها أكثر من مرة على خشبة المسرح أو في ستوديوهات السينما وفي أكثر من بلد في العالم.. أو نتاجات أدبية أخرى لكتاب آخرين ينتمون الى جنسيات مختلفة وفي أماكن مختلفة أيضا من العالم.. إلا أن هذه الظاهرة دائما ما تتحدد بشرط معين.. ألا وهو وجهة النظر.. أو الرؤية الجديدة التي يمكن أن تضاف الى العمل الفني كمبرر باعتباره منجزا جديدا.. إذ أن هذا الشرط هو السبب الوحيد في إعادة تقديم هذا العمل الفني أو ذاك.. لكن الذي حدث في السينما المصرية هو البحث عن موضوعات جديدة قد سبق لها ان انتجت سينمائيا ونجحت فنيا أو تجاريا وجذبت اعداد كبيرة من المشاهدين..!! وأن هذا الاقتباس الجديد من فيلم سينمائي جديد تحديدا.. وليس من الأدب المكتوب.. وفي هذا اختصارا للجهود كما يبدو.. اي أن يعاد انتاج الشريط السنمائي المختار مرة أخرى ولكن بنسخة مصرية.. وهذا من دون أن تتم الإشارة مطلقا الى المصدر الأصلي…!! وهذا ماحدث في جميع تلك الاقتباسات من دون إستثناء..

نعتقد ان سبب هذه الظاهرة وانتشارها في تلك الفترة من تاريخ السينما المصرية يعود الى جملة أسباب تاريخية.. منها مثلا.. تشدد أجهزة السلطة الحكومية الرقابية على الأعمال الفنية آنذاك أو على الموضوعات التي يتناولها الانتاج السينمائي وعلى النتاج الأدبي والفكري والفني المحليين في مصر بشكل عام.. بحيث كان الحظر الحكومي يشمل موضوعات كثيرة يمكن أن يطالها الأدب والفن.. منها أي موضوع ذي صبغة محلية أو واقعية ذات منحى نقدي للواقع الاجتماعي والسياسي المصري القائمين.. هذا التناول الذي هو بالضرورة سياسي.. أو كما تفسره السلطة حينذاك.. فلقد اطلعنا في ذلك الحين من خلال ماهو متوفر ومتاح من وسائل الأعلام والإتصالات على الممارسات القمعية وأشكال المنع والحظر التي وجهتها السلطات المصرية في تلك الفترة الى نشاط السينمائيين المصريين بشكل خاص.. منهم المعروفون بجرأتهم وجدية موضوعاتهم وواقعيتها.. والتي يسعون الى عرضها على الشاشة.. على سبيل المثال لا الحصر جهود كل من المخرجين توفيق صالح ويوسف شاهين اللذين لجأ الى العمل في البلدان العربية الأخرى التي يمكن أن تستفاد من اسمائهم وتجاربهم… هذه الظروف حدت بتوجه القائمين على الانتاج في الاستوديوهات السينمائية في مصر وكذلك بعض من كتاب السيناريو وبعض المخرجين الى التخلص من مواجهة ذلك الواقع السياسي القمعي الى التخفي خلف الواجهات الأدبية والفنية المعروفة عالميا والتي سبق وان اشتغلت عليها السينما في العالم وحظت بنجاحات تجارية مرموقة…!! هذا بجانب التخوف والتردد والنزعات المحافظة أيضا لدى القائمين على شركات الانتاج آنذاك من أي محاولة محلية للعمل السينمائي قائمة على التجريب والتحديث وتناول الموضوعات الجديدة، فانصرف هؤلاء الى أي جهد للعمل على منجز سينمائي جاهز سبق ان لاقى نجاحات تجارية في أسواق السينما في العالم..

النموذج موضوع البحث هذا هو الفلم الروسي المعروف الذي أنتج في مستهل ستينات القرت الماضي وهو (الاخوة كرمازوف) والذي أخرجه المخرج الروسي إيفان بييريف.. رغم أنه جاء بتسمية مصرية جديدة هي (الاخوة الاعداء) وهو الاسم نفسه الذي حملته رواية اليوناني كازنتزاكي الشهيرة.. وعلى أن ذلك الفلم معد عن رواية دستويفسكي المعروفة التي اعتمدها الفيلم الروسي، لكن ما شاهدناه في الشريط المصري المذكور لم يكن سوى إعداد سيء وبإصرار عن الفيلم الأول وليس الرواية.. عندما أخرج الروسي إيفان بييريف رواية مواطنه فيدور دستويفسكي كان أمينا لمثل الكاتب الفكرية ولفلسفته الأخلاقية.. ولموقفه من الفكر والنظام السياسي السائدين آنذاك.. إضافة الى أمانته في نقل الواقع التاريخي في روسيا أبان الفترة التي تدور فيها أحداث الرواية (القرن الثامن عشر) لقد نقل بييريف من الرواية كل ما يمكن نقله الى الشاشة من أحداث وتفاصيل حياتية كثيرة وشخصيات تمتلك قابلية للنقل أو التصوير.. ولم يستثن سوى الحوارات الفلسفية الطويلة وتفاصيل الحياة الصغيرة والعلاقات المتشابكة الأخرى غير المهمة بتفاصيلها المملة التي يتميز بسردها أصلا كاتب (واقعي نقدي) من مثل دستويفسكي فجاء على شاشة السينما بثلاث ساعات.. أما المخرج المصري حسام الدين مصطفى وكما شاهدنا في الفيلم العربي.. فقد حاول أن يستنسخ عمل المخرج الروسي بأن مصّره..(أي جعله مصريا..) وكانت هذه المعالجة التي اقتصرت على الجانب الشكلي وبعض من المتن الحكائي للرواية التي تضمنها الفيلم، وكان ذلك واضحا في كل شيء اعتبارا من الأكسسوارات وملابس الممثلين مرورا بالجو العام الذي تحرك فيه الأبطال والشخصيات الثانوية الأخرى وصولا الى وسائل تمثيل الممثلين وأدواتهم أو بالأصح أنفعالاتهم التي كانت غير مقنعة اصلا..

هناك مسالة مثيرة للجدل لا نريد إثارتها في هذا الموضع.. فقط الإشارة إليها وهي.. خصوصية العمل الفني الوطنية والقومية.. أي كل ما يتعلق بالأبعاد الاجتماعية وما يتيحه نقل السمات الحضارية والخصوصية المحلية لتلك البنية الاجتماعية.. وحتى الإشارات والرموز المغرقة في محليتها أحيانا والتي يبثها الكاتب من خلال نصه الأدبي وشخصياته.. ترى الى أي حد يمكن تجريد نص دستويفسكي من خصوصيته الروسية المحلية تلك وبثها من جديد بإطار وطني وقومي محلي آخر مختلف..؟ نعم هناك الكثير من الأعمال الأدبية والروائية التي تمنح نفسها بسهولة لأي واقع جغرافي مختلف عن بيئتها الأصلية التي كتبت من إجلها أو فيها، بينما نجد بالمقابل اعمالا أدبية وفنية لا يمكن لها أبدا أن تتنفس في غير بيئتها المحلية التي كتبت فيها أو لها أو عنها، ونعتقد بانه الى هذه الفئة تنتمي اعمال الكاتب الروسي الشهير فيدور دستويفسكي، إذ نرى في معظم روايات هذا الكاتب وتحديدا هذه الرواية موضوع هذا الفيلم والرواية الشهيرة الأخرى (الأبله) خارطة شاملة وصادقة لواقع روسيا القيصرية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ترى كيف يمكن أن تفرغ هذه الخارطة من محتوياتها وينظر لها على انها مجرد حدود أو خطوط صماء يمكن ملؤها من جديد بما نشاء من تفاصيل وحيوات جديدة على تلك البيئة…؟ هذا ما حدث في الفيلم العربي المصري (الاخوة الأعداء) ونقول من دون مبالغة حتى عملية التفريغ هذه لم تحدث بشكل مقبول.. مثلا في أي مكان من مصر أو في اية قرية من قراها.. أو في الوطن العربي ككل يمكن نجد إقطاعيا ريفيا يتساءل في بعض اللحظات.. هذا التساؤل الوجودي المحض والخطير.. فيما إذا كان الله موجودا أم لا…؟ هذا ما جاء بالضبط على لسان الأب الأرماني الذي حل محل شخصية كرمازوف الأب…!!

أن ما قام به المخرج المصري حسام الدين مصطفى أنه ألبس شخصياته ملابس عربية أو مصرية حديثة أو محلية بعض الشيء.. وترجم الحوار من الفلم الروسي الى اللهجة المصرية المحكية وأضاف ما يمكن إضافته من تفاصيل محلية جديدة أخرى الى بيئة الفيلم، وحذف ما يمكن حذفه ايضا، كل هذا أمانة لما يتطلبه الحس التجاري في السينما المصرية آنذاك…!!

لنتكلم عن عنصر هام في عملية النقل هذه الا وهو بناء الشخصيات.. لقد كانت رواية الكاتب الروسي دستويفسكي رواية شخوص، أي أنه كانت هناك عناية مفرطة في رسم ملامح تلك الشخصيات وإظهار معاناتها الداخلية وازماتها من خلال الكشف عن ما يدور في أعماقها النفسية وانعكاس ذلك على واقعها الذي تعيشه، وذلك في كونها الأداة في البث والتلقي.. وعندما حرك المخرج الروسي إيفان بيرييف هذه الشخوص على الشاشة كانت كما تخيلها دستويفسكي روسية ابتداءا من ثيابها الخارجية حتى أبعد نقطة في اعماقها النفسية السحيقة والمظلمة احيانا.. فهي روسية في ما تقوله وتفعله وفي كل ما تفكر به.. فهي معبرة حقيقية عما كانت تتمخض به تلك الفترة الساخنة من تاريخ روسيا القيصرية بشكل عام.. ترى كيف يمكن لمثل هذه الشخصيات أن تتنفس في جو مختلف مثل الجو المصري المعاصر..؟ لقد انعكست هذه الإشكالية أو هذا الإلتباس على اداء الممثلين فلم يستطع أي منهم تجسيد ابعاد تلك الشخصيات.. ولا حتى بعض من ملامحها رغم أن فيهم ممثلين كبار مثل نور الشريف ومصطفى فهمي.. فقد بدا بعض الممثلين المصريين للأسف وهو يقلد الممثلين الروس الذين مثلوا نفس الشخصيات في الفيلم الروسي..

لقد اتسمت شخصيات الفيلم المصري بشكل عام في كونها ظلت عائمة على السطح ولا يشدها أي رابط أو وشيجة الى الواقع الذي وضعت فيه أو في المشكلة التي تعيشها وتعاني منها.. فقد كانت شخصيات مصنوعة صنعا ومفتعلة افتعالا.. وهذا ما عبرت عنه الحوارات التي تتحدث بها فيما بينها أو مع نفسها في حواراتها الداخلية.. مثلا عندما رسم دستويفسكي شخصية إيفان الأخ الأكبر في الرواية لم يكن اعتباطا أن حملها بتلك الأفكار العدمية والشكوك والتساؤلات الوجودية.. فهو بافكاره تلك كان معبرا حقيقيا عن ماكان يفكر به قطاع واسع من الأنتجلسيا الروسيا آنذاك وسط ذلك المخاض وتياراته الفكرية الجارفة والمتنوعة.. لكن الذي رايناه في فيلم (الأخوة الأعداء) لا أكثر من شاب مثقف معتد بنفسه.. ويردد بعض الحوارات التي كانت منسوبة الى إيفان كرمازوف.. والشيء نفسه ينطبق على شخصية الأخ الأصغر إليوشا كرمازوف في الرواية وما يقابلها في الفيلم المصري.. هذه الشخصية تحديدا تمثل في الرواية الأصل وفي الفيلم الروسي بعد ذلك.. تمثل البعد المسيحي بمداه المثالي الأرفع.. في داخل كل شخصية من الشخصيات الأخرى القريبة منها.. وهذا بحكم الصفة التي منحها له الكاتب كفتى يافع وراهب مبتديء.. فقد كان للجميع عبارة عن منصة اعتراف لمراجعة أخطاء الذات وخطاياها في لحظات الضعف التي تنتابها في حياتها العامة والخاصة.. وفي لحظات أخرى كان يبدو كزاوية دافئة يلجأ إليها أفراد الأسرة بما فيهم الأب كرمازوف

 

 

 

 

 

 

 

 

بل حتى راعي الكنيسة الأب زوسيما الأكبر نفسه لا يطمئن إلا إليه من بقية الرهبان الآخرين في ذلك الدير، إضافة الى جروشنكا وناتاليا شخصيتا الرواية النسائيتين الرئيستين.. وهذه الشخصية (أي أليوشا) تمثل رؤية دستويفسكي المثالية لكل من الدين والأخلاق في المجتمع الروسي.. لكن هذه الشخصية عندما تمصرت فقدت كل تلك المزايا والسمات المهمة فيها إن لم نقل تلاشت نهائيا.. ووضعت محلها شخصية الأخ الأصغر المعلم الريفي البسيط والذي يميل اليه الجميع في كونه مسالما ومحايدا في جميع المشاكل التي تتعرض لها العائلة وخصوماتها الداخلية.. أو لأنه الأصغر فقط، ولا يلتقي بشخصية أليوشا إلا في كونه (شخصا مؤمنا) لا أكثر…!!

اما شخصية جروشنكا عندما تجنست بالجنسية المصرية.. فهي الأخرى قد ألغيت هويتها الروسية المحلية، وبشكل ادق آلامها وتجربتها الشخصية التي سبق وإن عاشتها بمرارة كما وصفتها الرواية.. ووضعت محلها شخصية (لولوه) صاحبة (البنسيون..) وفي هذه الشخصية فقط يكون المخرج المصري وكاتب السيناريو حسام الدين مصطفى قد صنع شخصية مصرية حقيقية في هذا الفيلم كتلك التي شاهدناها في أفلام عربية كثيرة سابقة، فهي تماثل الى حد ما شخصية مديرة أو صاحبة (البنسيون) في الفلم الذي أعد عن رواية نجيب محفوظ الشهيرة (ميرامار) وحمل الاسم الأخير نفسه، وبذلك تكون جروشنكا قد فقدت كل برائتها وعفويتها ونقائها السماوي.. كل هذه الصفات المثالية رغم الدنس المبكر الذي لحق بها من ربيبها السابق الأقطاعي صاحب الأطيان.. والتي وضعها فيها أو رسمها بعناية كبيرة الكاتب الروسي دستويفسكي.. تلك الشخصية التي كانت حتى بالنسبة الى كرمازوف الأب وأبنه ديمتري صفاء سماوي يحلمان به ولا يتحقق أبدا على الأرض.. المجانين وحدهم يمكن أن يحاولوا تحقيقه على ارضهم.. هذا مع علمهم المسبق باستحالة ذلك التحقق..! لكن هذه الشخصية تحولت في الفلم المصري (الأخوة الأعداء) بسهولة الى غانية رخيصة تحيط بها شلة من الرجال يلعبون القمار دائما.. ولم يكن يسم شخصيتها أية سمة استثنائية جذابة من التي حملها بها الكاتب الروسي بحيث يمكن أن تلفت نظر ذلك المجنون توفيق الذي يقابل شخصية ديمتري في الرواية، سوى أنها لا أكثر من (عالمة) تجيد الرقص الشرقي وهز الوسط والأرداف.. والشيء نفسه ينطبق على شخصية توفيق سالف الذكر.. لكن يبدو أن ظاهر هذه الشخصية كان مغريا لكل من كاتب السيناريو ومخرج الفيلم من سهولة تحقيقها وتأطيرها بإطار مصري.. ومن الملاحظ ان هذه السهولة في المعالجة كانت من الخارج فقط.. أما اعماقها فلم تستطع المعالجة السينمائية موضوع هذا البحث تحقيقها.

لقد حذف كاتب السيناريو المصري حدثا مهما من الرواية يتعلق بهذه الشخصية.. ألا وهو بحثه الدائب عن دائن أو مصدر مالي يوفر له (ألفي روبل) كما جاء في الرواية والفيلم الروسي من أجل أن يعيد المبلغ كاملا.. وهو المبلغ الذي أودعته عنده خطيبته ناتاليا من أجل إيصاله الى عمتها.. وكان قد صرف ذلك المبلغ في حفلاته الباذخة من أجل أن ينال رضا جروشنكا.. لقد كان هذا البحث في شخصية ديمتري ذا جانبين مهمين في حبكة الرواية وثيمتها القصصية.. أو فلنقل فيه ثيمتان ثانويتان مهمتان كما جاء في النص الروائي أو في الفيلم الروسي السابق بجانب الثيمة الرئيسية ألا وهي صراع الأجيال وبشكل أكثر دقة.. جريمة قتل الأب.. الثيمة الأولى هي تأكيد التهمة التي التي وجهها الإدعاء العام أو النيابة العامة في الفيلم المصري لديمتري أو توفيق على أنه قتل أباه من أجل سرقة المال الذي سبق وأن طلبه منه.. والثانية تأكيد اختلال التوازن أو التضاد في شخصية ديمتري القلقة الذي يتنازعه عالمان الأول عالمه الداخلي الذي كان يسعى لأن يكون مثاليا من جهة (رغبته في إرجاع المال الى صاحبته..) ونزعاته الذاتية واندفاعه العارم من أجل إرضاء صديقته الجديدة جروشنكا .. من جهة أخرى.

لقد ترك هذا الاختصار أثرا مشوها في بنية المعالجة القصصية التي شاهدناها في الفيلم العربي المصري.. فقد كانت واضحة تلك الفراغات بشكل محسوس.. سواء ذلك في المعالجة كما ذكرنا أو في بناء الشخصيات وتركيبها.. لقد حاول المخرج ملء تلك المساحات المشوهة أو الفراغات البنيوية باستخدامات فنية وتقنية.. مثلا حركة الكاميرا غير الطبيعية في بعض الحالات كأن تكون محمولة أو لقطات ذاتية مشوهة أو حركة الكاميرا الرأسية على محور ثابت أو التوازن المتخلخل لبناء الكادر في اللقطات المتوسطة أو العامة.. وما الى ذلك من استخدامات.. لكن تلك الحركات ظلت شكلية بحتة.. كما أن هذا الاستخدام ليس جديدا رغم أنه جاء بإسراف ممل، وخاصة في المشاهد التي تظهر فيها الأزمات التي تعاني منها الشخصيات الرئيسية في الفيلم لدرجة أن المتلقي صار يتوقع تكرار تلك الألعاب الشكلية عند حدوث ما يمكن أن يهز مشاعر تلك الشخصيات.

 

 

بونويل رائد السينما السريالية

الحب والحياة والموت في فيلم ( روح ليونارا)

 

 

من الصعب جدا أن نجد مخرجا سينمائيا استطاع أن يحافظ على منحى سينمائي تميزت به معظم أعماله طيلة نصف قرن من عمله الفني في هذا الحقل، كما هو الحال عند المخرج الأسباني جان لوي بونويل. فمنذ بداية العشرينات من القرن الماضي ومنذ أيام السينما الصامتة، طرح بونويل نفسه وبشكل جدي من خلال الحركة السريالية، وفي ميدان العمل السينمائي تحديدا، وذلك منذ فلمه الأول المشهور (كلب أندلسي) فجاء منسجما مع ما تمخضت عنه تلك الفترة الملتهبة من تاريخ الأدب والفن في أوربا بعد الحرب العالمية الأولى في بواكير الحركة السريالية، فقد أخرجه بالتعاون مع مواطنه الرسام سلفادور دالي، في الوقت الذي كان فيه بونويل على علاقة وثيقة مع اليسار الفرنسي آنذاك.

لقد جسد ذلك الفلم بحق عمق أزمة وعي المثقف والفنان المبدع في تلك الفترة من تاريخ دول أوربا، بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى فيه أوزارها، في البحث عن شكل جديد للتعبير في خضم ثورة هائلة على الأشكال والمضامين القديمة والبحث عن أشكال ومضامين جديدة، وهذا رغم أننا لاحظنا في الفلم تجسيدا مبكرا مما كان يعتمل في داخل الوسط الفني والأدبي من قلق وانزياح عن كل ما هو واقعي.. بعيدا عن كل ما هو تقليدي وسائد آنذاك، باتجاه رومانسي أصلا من هذا التصور (الثوري) الفاعل حينذاك ليتقاطع مع كل ما يمت للواقع والموروث الفني والأدبي بصلة، وفي استغلال ما يمكن أن تتيحه ذاكرة معبأة بإرث ثقافي كبير من التمرد والاستلاب والثورات المهزومة.

وحتى في أفلامه اللاحقة وبعد أن (عفا) الزمن على تلك الابتكارات الصورية الجديدة أو الشكلية المبالغ فيها عموما المستمدة في أغلب الأحيان من الرؤى الحديثة في الفن التشكيلي، وليس ذلك في السينما فقط، بل في الفنون الأخرى، والتي انتهت إليها تطورات ما سمي بالحركة الدادائية السريعة، الأب الشرعي للسريالية..! مثلا نلاحظ عند بونويل دأبا مستمرا لاستيعاب ذلك التنوع وتلك المؤثرات الفكرية والسياسية المتحركة، التي كانت قد غطت كل تلك السنوات وما بعدها، أو التي تركت أثرا في ذلك الوسط الفني والثقافي لسنوات طويلة، فهو الى جانب استغراقه المستمر في الشكل (السريالي) الغرائبي في التعبير الصوري ـ السينمائي، نلمس عنده في الوقت نفسه منحى للاستفادة من ما يوفره منجز فرويد تحديدا في (التحليل النفسي) في تفسيره للعلاقات الانسانية وكشفه عن طبقات اللاوعي عند الفرد وفجواته المذهلة في حينها، فكانت تلك النظرية أحد مصادر الحركة السريالية المهمة في ذلك الوقت. وفي السينما نجد بونويل يخضع لذلك المؤثر بشكل واضح، ونراه متجسدا غالبا في شكل البناء الصوري في الكثير من المشاهد واللقطات في أفلامه التالية.

وبعد كل تلك السنين الطويلة نشاهد هذا المؤثر واضحا في فلمه المعروف (روح ليونارا) ولكن بأشكال صورية جديدة، بحسب ما تتيحه أمكانية الفن السينمائي التي تتطور سريعا. بجانب ذلك النزوع الشكلي، نلاحظ أيضا عند بونويل نهوضا بالمضمون الاجتماعي النقدي للعلاقات الاجتماعية (البرجوازية) السائدة في فترة ستينات القرن الماضي وسبعيناته وما رافقها من اشكال الاستلاب، وخاصة في أفلامه المعروفة من مثل (شبح الحرية) و (سحر البرجوازية الخفي) و (حسناء النهار).

سنكتفي بالحديث هنا عن فلم (روح ليونارا) المأخوذ عن قصة قصيرة للكاتب الأمريكي ادغار ألن بو. ومن الجدير بالذكر أن بونويل عمل على هذا الفلم وشريطين آخرين في نفس العام (1966) هما كل من (حسناء النهار) و (العصر الذهبي). يعود المخرج في فلم (روح ليونارا) الى العصر الوسيط من تاريخ أوربا، ليأخذ الإطار التاريخي منه فقط، من غير أن يتعرض للعلاقات الاجتماعية أو الاقتصادية المؤثرة أو السائدة في تلك البنية الاجتماعية وسياقاتها التاريخية.. من خلال استعارته لذلك الإطار الزمني. يعتبر هذا الفلم نظرة للإنسان من الداخل، لتحديد أو استشفاف رؤية فلسفية ما.. أو تأمل وجداني في موضوعات مهمة مثل الحياة والحب والموت.. بان يضع هذه الوحدات أو المكونات المشار إليها بجانب بعضها بعضا أفقيا.. وفي المستطيل نفسه، بالتوازي مع افتراض شكل للعلاقة المتبادلة بين تلك المفردات آنيّا. بطل الفلم ريتشارد (مثله ميشيل بيكولي) شخصية نموذجية من تلك الفترة التاريخية المشار اليها.. أي نبيل، يتمتع بقوة جسدية كبيرة، إضافة الى مكانته الاجتماعية كإقطاعي من ذلك العصر، التي لم يتعرض لها الفلم كمؤسسة اجتماعية قائمة أو مؤثرة إطلاقا، كما نتعرف تدريجيا الى شخصيته وسلوكها الفردي والاجتماعي، مثلا.. أنه لا يحترم رجال الدين.. ولا يثق بهم على حد تعبيره.. لكنه مندفع جدا في حبه لزوجته الجميلة ليونارا (الممثلة السويدية ليف أولمان) التي يفتقدها بجنون.. بعد سقوطها من على ظهر حصانه الذي يحبه كثيرا، ومن ثم موتها، ليقتل ذلك الحصان بمشهد مجازي جميل غاية في الكثافة، فقط نراه يخرج غاضبا من الإسطبل وهو يمسح سيفه من الدم. أنه يحبها حد الجنون، فلا يرى أي شيء حوله سوى الفراغ الذي تتركه في حياته، هذا رغم أنه يتزوج من فتاة جميلة أخرى بسرعة هي كاترين (مثلتها الحسناء الإيطالية أورنيلا موتي) التي تنتمي الى عائلة من رعاياه من المقاطعة نفسها. فتحاول هذه الأخيرة جهدها أن تشغل ذلك الفراغ.. تزوجها في اليوم نفسه الذي غلق فيه باب المغارة أو المدفن الذي دفن فيه زوجته الأولى وحبيبته الغالية..! فهي تجد فيه شيئا من الحب رغم بعض جفافه وصلافته التي قابلها بهما منذ الليلة الأولى.

وبعد مرور عشر سنوات لم يستطع ريتشارد أن ينسى ليونارا رغم إنجاب زوجته الثانية لطفلين منه. ورغم أنه لم يبح بذلك لأحد بذلك الشعور، فهو لم يقترب من صديق أو من أي كائن حي آخر. يبحث عن ليونارا في نفسه، وفي الأشياء المحيطة به، إذ يظهر له شبحها أحيانا، فيلجأ الى هدم باب المغارة التي دفنها فيها، وعندما لا يسعفه ذلك بشيء يندبها أمام الطبيعة.. وبالتحديد أمام وادي ذي عمق سحيق..! وهذه اللقطات ذات دلالة إيحائية، كما سنتعرف على ذلك فيما بعد، ربما تتمثل بالتقابل مع ما نحس به يعتمل في نفسه أو دواخله، ومن وجهة نظره الخاصة للحياة ونهايتها بدون ليونارا..! فيظهر له في ذلك المشهد وبشكل شبحي شخص غريب… ربما يمثل الوجه الآخر لشخصيته، ليترك انطباعا بأنه يمثل الحياة بإشكالها الحقيقية وأشيائها الحسية الأخرى.. أي الواقعية، فيدعوه الى التخلي عن أفكاره أو أوهامه بإمكانية عودة ليونارا للحياة الطبيعية مرة أخرى.. ويرد له حججه بمقابل حبه المفقود، عن أمم كثيرة وحضارات عريقة قد انتهت..! وأن موت شخص نحبه لا يقابل جزءا صغيرا من كل ذلك. فيرد ريتشارد عليه بأنه لا يقوى على نسيانها. فيغيب ذلك الشخص الغريب بالطريقة الشبحية نفسها التي ظهر فيها.

ويعود ريتشارد الى القبر وكأنه لا يدري ماذا يفعل، فيظهر له ذلك الشخص مرة أخرى ويقول له أنه إذا أصرّ على عودة حبيبته الميتة الى الحياة مرة أخرى فانه سيساعده على ذلك، لكن الثمن سيكون باهظا..!! فيوافق ريتشارد على ذلك، فيتفقان..! يدفعان غطاء القبر الحجري وتعود ليونارا للحياة من خلال عاصفة خريفية باردة تعصف بذلك المكان، ببرودة جسدها وشحوبه. تعود ليونارا للحياة لكنها فاقدة لأسمى ما في الحياة من حرارة وعذوبة. وبما أن هذه العودة غير طبيعية فأنها تحتاج الى مقابل أو تعويض يعادلها، أو ربما يصل ذلك التعويض الى درجة ثمن فادح على حد تعبير ذلك الشخص ـ الشبح الغريب.. إذ أن هذا الاختلال في ناموس الطبيعة يستلزم تضحيات جسيمة كما يبدو..! تبدأ بقتل ريتشارد لزوجته الثانية الجميلة. ثم لتصاب الحياة في الصميم وبالذات في عنصر استمراريتها، أي في الطفولة…!! ولكي تعود ليونارا الى حياتها الطبيعية تبدأ باغتيال تلك الطفولة..!

في الفلم مشهد مؤثر جدا عند قتل ليونارا لأول طفلة تصادفها.. فهي تستدرج الطفلة ـ الضحية بان تحكي لها قصة (غير مشوقة..) على حد تعبير الطفلة نفسها، قصة عن مجموعة من الناس يصابون بالعمى.. يأكلون بعضهم البعض.. فتترهل أجسادهم.. وتصبح بطونهم أشبه بدمامل كبيرة…! وما أن تنتهي الحكاية تكون الطفلة قد فارقت الحياة على يد ليونارا خنقا…! وهكذا تستمر ليونارا.. لكي تستمر على قيد الحياة. ومع هذا الاختلال في قوانين الحياة الأساسية تبدأ الأخيرة في الانهيار، إذ يتفشى الطاعون في تلك المقاطعة التي يملكها أو يحكمها ريتشارد، ووفق المنطق الذي بنيت على أساسه الحكاية، وبإحالة واضحة الى حكاية (أوديب الملك) في الموروث الإغريقي يكون الحل بيد ريتشارد نفسه بعد أن عجز الآخرون عن قتل ليونارا أو إيقافها عند حدها، عندما اكتشفوا أفعالها بالجرم المشهود، فعجزوا أمام سيف ريتشارد.. وحمايته لها..! ليهجره من تبقى من أولئك المزارعين الفقراء، بعد أن تنتشر المجاعة بينهم ويموت من تبقى بالطاعون. وتكمل ليونارا حياتها بان تقتل أولاد ريتشارد من زوجته المغدورة الثانية. عندها يشعر بفداحة الخطوة التي أقدم عليها، فيلجأ الى الحل الحقيقي بأن انتهى وإياها الى النهاية، أو الى السقوط في الوادي السحيق الذي تردد عليه سابقا قبل إعادة الحياة أليها بحثا عنها.

في هذه الرؤية المكثفة لتلك المفردات (الحياة والحب والموت) التي اشتغلت عليها الرواية أو القصة القصيرة.. نستدل على مدى تأثر بونويل بالتيارات الفكرية الفنية والفلسفية الفاعلة آنذاك، وكما أشرنا في البداية الى تأثره بمنهج التحليل النفسي الفرويدي واضحا في رسم تلك العلاقة وبنائها لدى الشخصيات التي ظهرت في الفلم، ومثلا على ذلك المشهد الذي يقطع فيه ريتشارد جذع شجرة بسيفه، كإشارة لتصريف غضبه أو لطاقته العاطفية المكبوتة بعد وفاة زوجته الأولى. كذلك نلاحظ استفادته من الطاقة التعبيرية للألوان والتكوينات في الفن التشكيلي وتحديدا الرسم الزيتي، وبالذات الاستعانة بالرسم السينمائي للمناظر السينمائية العامة قبل تصويرها. ففي جميع اللقطات العامة التي رأيناها في الفيلم فهي تدل على أن هناك عملية مسبقة في تشكيل واختيار الكادر الصوري للقطة السينمائية من ناحية توزيع الكتل والضوء واللون. إضافة الى أن هناك لقطات عامة أخرى هي عبارة عن لوحات تشكيلية قائمة بذاتها، إذ لا يمكن تمييزها عن لوحات كوربيه مثلا، وأخرى قريبة جدا من لوحات الفترة التي انتهت إليها المرحلة الرومانتيكية الفرنسية، وصولا الى السريالية، وبالذات بدايات سلفادور دالي.

ومن ناحية الشكل الذي جاءت به المعالجة السينمائية، فقد تميز بلغة سينمائية اتسمت بإيجاز سينمائي وكثافة صورية بليغة. ففي بعض الأحيان يحتاج هذا التكثيف أو الاختصار لدرجة عالية من التركيز لدى المتلقي، لكي يستطيع أن يربط المشاهد أو اللقطات ذهنيا بعضها ببعض حتى يخرج بدلالة واضحة، مثلا عندما تقتل ليونارا أول طفلة، إذ نرى بعد ذلك مجموعة من الفلاحين والرهبان وهم يستعدون لتنفيذ عقوبة الحرق بفتاة متهمة باختطاف وقتل ثلاثة عشر طفلا…!! لتنفذ فيها تلك العقوبة القاسية فعلا…!! وعندما تجبر تلك الفتاة على الاعتراف الأخير امام القس تصر على أنها بريئة… فنراها (تبول) على نفسها من الخوف من العقوبة التي تنتظرها..!!

كما لابد من الإشارة الى موضوع استخدام المؤثرات الصوتية من داخل الكادر، إلا إنها كانت كما هو الواقع القاسي نفسه، ولكن بكثافة صوتية عالية وتركيز مسبق على شدة الصوت الطبيعي ونبراته، وسواء كان بشريا أو حيوانيا أو طبيعيا، مثلا صوت صهيل الحصان من داخل الإسطبل قبل أن يقتله ريتشارد، وصوت صفير الرياح في العاصفة. كل ذلك ساعد على خلق حالة من الشعور بالانطباعية.. بمساعدة ذلك المؤثر الصوتي الآني، وهذا أقرب منه الى أي مؤثر نقدي آخر.

 

(موبي ديك) الرواية / الفلم.. تنوع المرجعيات الثقافية

 

توشك أن تكون رواية هرمان ملفيل الشهيرة (موبي ديك) في بدايتها رواية تعليمية بمعنى الكلمة، تعليمية لدرجة مملة، إذ أنها تسهب في نقل تفاصيل كثيرة عن أنواع الحيتان وأسمائها واختلاف أجناسها وأين ورد ذكرها في الكتاب المقدس وعدد المرات وفي أي الأسفار أو أي إصحاح، ومتى ورد أو تكرر فيه ذلك، إضافة الى المراجع الأدبية والتاريخية الأخرى عن ذلك الموضوع. كما تتطرق الى طرق صيدها وأنواع السفن التي تستعمل لذلك، وعصورها التاريخية المختلفة، وأي البحار توجد فيها تلك الحيتان، وأساليب الصيادين أو الصيد في ذلك، وما إلى ذلك من معلومات أرشيفية عن هذه المهنة ومشاقها وأماكنها، وامتداد ذلك على صفحات طويلة جدا، وهذا قبل أن يدخل في المعالجة الروائية لذلك الموضوع. لكنه لم ينتقل من تلك المعلومات المجردة إلى السرد الروائي بشكل مفاجئ، بل أنسلّ بشكل خفي ملتو بعض الشيء، حتى إننا لم نتفاجأ بوجود إسماعيل وصديقه الأفريقي وهما يبحثان عن سفينة لصيد الحيتان في أحد الموانئ الأمريكية المطلة على المحيط .

وعندما تناولت السينما ولمرات عديدة تلك الرواية، فقد حذت جميع التجارب التالية حذو جون هيوستن عندما أشتغل لأول مرة عليها، بأن تخلص من تلك الفصول التمهيدية، وذلك الإسهاب والإطناب الذي كاد أن يكون مملا وفائضا عن الحاجة والذي شغل جزءا طويلا من الرواية. وتبقى أفضل تلك الأفلام هذه المعالجة السينمائية وأفضلها، عندما أخذ المخرج وكاتب السيناريو رحلة السفينة (الباقوطة) والحيوات التي على سطحها في ملاحقتها للحوت الأبيض (موبي ديك) وبأسلوبه المميز في تقديم الشخصيات وإشباعها باللقطات الكبيرة والمتوسطة، قبل تركها الى موضوع آخر ربما يتقاطع أو يتوازي معها، كل ذلك على سطح السفينة فقط، أو في عنابرها أسفل السطح، كل ذلك بجانب أفق البحر اللامتناهي الذي تخترقه أحيانا نافورات تنفس الحيتان، حيث يستدل بها صيادو الحيتان عليها.. هذه هي حدود المكان الذي كانت تنقلت فيه كاميرا المخرج طول زمن الفلم.

تضمنت الرواية إحالات كثيرة ومباشرة كما أسلفنا إلى الموروث ألتوراتي، ابتداء بتلك الفصول التمهيدية التي تضمنت إستشهادات عديدة من الكتاب المقدس (العهد القديم) تكاد تكون تفصيلية وقريبة جدا من الشريعة الموسوية، والتذكير بمواعظها الأخلاقية التي وردت في التوراة، مثلا نقلت قصة النبي يونان (يونس) الذي ابتلعه الحوت، وكما وردت في تلك الأسفار بكل دقائقها وتفاصيلها، وكذلك التأويلات التي تفترضها الرواية التوراتية، أو يفسر بها المؤلف أو الراوي فيما بعد الموعظة التي تضمنتها أو المستخلصة منها. وحتى أسماء الشخصيات في الرواية فقد دلت وبشكل مباشر على مرجعية توراتية أيضا مباشرة، مثل إسماعيل الشخصية الرئيسية في الرواية.. كابتن السفينة آخاب أو إيهاب…!! ولكن أكثرها دلالة وإيحاءا أسم السفينة التي تلتقي بسفينتنا (الباقوطة) في عرض البحر.. وهي السفينة (راحيل) (لاحظ تطابق هذا الاسم مع أسم زوجة النبي يعقوب أم النبي يوسف والأسباط السبعة..) حيث تلتقي (الباقوطة) بـ (راحيل) وهي في أوج فجيعتها.. عندما فقد قبطانها ابنه غرقا خلال محاولة صيدهم لأحد الحيتان، وهو الآن يبحث عنه ويسأل فيما إذا شاهد أحد أفراد طاقم (الباقوطة) جثته طافية….؟ نلاحظ هنا الاستعارة الضمنية الواضحة من التوراة مع بعض القلب لأطراف الحكاية لتشكيل بناء رمزي جديد مقابل لها من نفس الرموز السابقة، بأن جعل راحيل (السفينة) مفجوعة بابن قبطانها الذي فقده غرقا.. وهذا مقابل رمزي لراحيل زوجة النبي يعقوب في التوراة التي تفقد ولدها النبي يوسف..! ولكن في الوقت نفسه يعود الى مرجعه الأصلي (التوراة) عندما يقود عملية البحث الأب وليس الأم فهو.. قبطان السفينة…! كل هذا إضافة الى أن بطل الرواية إسماعيل الذي يبقى حيا وحده أن بعد غرق جميع البحارة (تضحية دونه) وهو المضحى به كما تقول الرواية…

ان هذا التقارب بدلالات الأسماء وايحاءاتها الرمزية هو من صميم عمل الروائي عندما أشتغل على الرموز الدينية بأن وضعها بأطر جديدة لم تبعد كثيرا عن اطرها المرجعية القديمة. أنها استعارة رائعة حقا، وعندما نقل المخرج هيوستن هذه الاستعارة الى السينما فقد كانت بالقوة نفسها ووضوح الإيحاء والتأثير.

ومن الاستعارات التوراتية الأخرى الواضحة في الرواية، والتي لعبت دورا مهيمنا على صعيد السرد سواء في المنطقة الدينية أو الثيمة المهيمنة في ذلك السرد.. أو في البنية الدرامية في الفلم السينمائي المعد عن تلك الرواية، هو وجود صيادي الحيتان الوثنيين الثلاثة على ظهر السفينة، والذين أستأجرهم بسرية تامة وأخفاهم بحذق أيضا قبطان السفينة آخاب، لكي ينتقم بهم باستغلال مهاراتهم الجسدية من عدوه (الشخصي) الحوت الأبيض (موبي ديك) الذي بتر له ساقه في رحلة هذه السفينة السابقة…! فقد كان وجود أولئك الوثنيين بعد ظهورهم العلني على سطح السفينة نذير شؤم أو حتى خطيئة كبرى..! هذا ما شعر به البحارة الآخرون وخاصة المتدينون منهم على ظهر السفينة، وشعورهم بالإثم من هذا التصرف، والذي هو في حقيقته الشعور الديني بالذنب عند اليهودي، والذي يتأصل بعمق عند المتدينين البروتستانت أيضا كما هو معروف، وبذلك يسود الاعتقاد عند أولئك البحارة بأن هذه الرحلة وهذه السفينة مشئومتين أصلا…! بعد اكتشافهم لأولئك الوثنيين بقربهم، وشعورهم بأن رحلتهم هذه ستكون غير مضمونة العواقب أبدا…!! ولكنهم مضطرون لقبول أولئك الوثنيين كأمر واقع وهم في عرض البحر. هذا إضافة إلى خوفهم من سلطة قبطان السفينة المخيف التي تعززت بوجود أولئك الصيادين المحاربين الأشداء أيضا. وكان آخاب قد فعل ذلك من دون علم مالكي السفينة أنفسهم، وألا لكانوا قد منعوا هذه الرحلة أصلا، كما عرفنا ذلك من أحاديث البحارة المتناثرة فيما بينهم. أما قبول أولئك برفيق إسماعيل الأفريقي الوثني أيضا أثناء التهيئة للرحلة على ظهر الباقوطة، كان لمجرد سد النقص في عدد البحارة من طالبي العمل في ذلك الوقت، وقد كان قبوله بعد تردد واضح منهم ليس إلا.

لقد أشتغل المؤلف على الدلالات والرموز الدينية في هذا الموضوع بشكل واضح وجلي، مثلا خطيئة الانتقام كنزوع فطري لدى البشر، أو عدم القبول بعواقب الأمور كقدر إلهي مكتوب عليهم التسليم به، والتحذير الديني دائما من تحدي أرادة السماء…! وهي هنا الثيمة الرئيسية في الرواية… وكان ذلك بدلالة الإستشهادات المتتالية بنصوص دينية من الكتاب المقدس تتكرر في الرواية كثيرا كما ذكرنا، والتي تنص على تلك المفاهيم والأفكار وتكرار الأمثلة.. وهذا هو ما حصل بالفعل لقبطان السفينة آخاب نتيجة إصراره على إرادته الشخصية بالانتقام والثأر لنفسه، وإصرار آخاب على السير بعكس التقدير السماوي لمصيره المقدر، وبالتالي ما جره ذلك الإصرار على الانتقام من وبال على الجميع.. السفينة ومن على ظهرها، عدا إسماعيل الذي كتبت له النجاة على ظهر التابوت الذي أعد لصديقه الوثني عندما أوشك على الموت بعد مرض ألمّ به إثناء تلك الرحلة المشئومة، ليشفى من المرض قبل نهاية السفينة ومن عليها…!!

أن نجاة إسماعيل في الفيلم تبتعد كثيرا عن الموروث اليهودي وبشكل واضح، ليستعير هرمان ملفيل مضمونا أو فلنقل يعود الى مرجعية أخرى هي من الموروث الإسلامي.. القرآني تحديدا، ألا وهو نجاة إسماعيل من التضحية به، كما تقول الرواية القرآنية بعد استبداله بالكبش…!! وهذا يختلف مع ما تقول به الرواية التوراتية من أن الابن المضحى به كان إسحاق وليس إسماعيل. وحتى شكل النجاة هذا كما رأيناه في الرواية والفلم بذلك (التابوت) الذي هو رمز الموت، والذي تحول إلى أداة إنقاذ حياة…! هو نوع من الحل الديني المفترض، ولكن المشاكس في الوقت نفسه، وسواء من وجهة نظر يهودية أو أسلامية.. هذا الحل الذي أعتمد وسيلة التناقض أصلا بين أداة الموت (التابوت) من جهة، وغريزة حب البقاء أو الحياة والنجاة من جهة أخرى.

كل هذه الاستعارات ذات المضمون الأدبي من الموروث الديني والتي نقلها المخرج حرفيا في فلمه المذكور من الرواية الأصل.. فقد كانت استعارات بليغة سينمائيا في فلم مذهل.

 

 

في مسرحية (ألف رحلة ورحلة..)

رحلة الفكر في وادي الأساطير

 

المسرحية من تأليف فلاح شاكر وإخراج عزيز خيون قدمتها الفرقة القومية عام 1988..

(سيحكي لكم السندباد حكايته الأولى بعد الألف عندما يعود المسافرون..) بهذه الجملة يختتم المؤلف حكاية عرضه المسرحي، وهي على لسان السندباد الثالث عندما يكشف هذا الرحالة المزيف عن اوراقه دفعة واحدة، فإضافة الى انه أعزلا كسيحا مشلول الساقين ـ ترى كيف يسافر سندباد مثل هذا..؟ ـ لكنا قد رايناه في متن العرض يبتز سرد الحكايات تحت التهديد بالقتل من سندباد رحالة آخر أو أكثر من سندباد.. وهذا الأخير كان بدوره قد ابتزها أو سرقها من آخرين… إذن يبدو ان هناك في التاريخ الحقيقي اكثر من سندباد.. كل منهم يسرق حكاياته من الآخرين ثم يقتلهم ليخفي آثار جريمته، وبالنتيجة فرحلات السندباد الشهيرة هي عدّة حكايات لأكثر من سندباد، جمعها أكثر من سندباد أيضا، ليسجلها السندباد الأخير باسمه..!! فتكتمل الحكاية الألف حين يكشف الكاتب لعبة تأليفها في نصه الجريء..

وبالتالي اين يقف الموروث الحضاري المدون والآخر الشعبي الشفاهي في أسئلة هذا النص..؟ هل كان الكاتب يهدف حقا الى الطعن في رواية السندباد المعروفة لدينا لرحلاته السبع من ميناء مدينة البصرة كما جاء في الرواية الشهيرة..؟ في العرض المسرحي الذي شاهدناه أو بحدود النص فقط الذي قدم على مسرح الرشيد حينها، لم يتحدد الكاتب اطلاقا برواية أسفار السندباد المدونة والتي يعرفها الجميع، فهو قد خرج في نصه الجديد الى افق فكري ارحب وأعمق في سرد تلك الحكايات، اوسع بكثير من حدود النص الموروث والمألوف.. فهو قد غرف من منهل (الف ليلة وليلة) ومصادر التراث الشعبي العربية والعالمية الأخرى بمافي ذلك الأساطير الأغريقية وملاحمها المعروفة. لقد اراد المؤلف أن يقدم جهدا فكريا وفلسفيا مفعما بالتأمل الجديد والأسئلة المحرقة.. ولكنه لم يسقط في هوة التنظير والدعاوى السياسية والفكرية أو الصيغ النظرية الجاهزة، بل كانت تلك الأسئلة جدلا يوقظ الوعي ليفتش في جوانب مختلفة من الإدعاءات الباطلة. وكان أيضا يؤكد جدوى تلك الأسئلة عن الكثير من القناعات التاريخية والثقافية الراسخة بما في ذلك المقدسات التي لايرقى أليها الشك في موروثاتنا ومعتقداتنا.. فهناك الكثير من القمم في صروح التراث الحضاري المكتوب منه والشفاهي، بقصصها واساطيرها بحاجة الى اسئلة حارقة تضيء الدرب لكشف جديد في اصولها وجذورها وطرائق بنائها. وهذا بحد ذاته ليس هدما بل تمهيد لبناء صروح جديدة..

فهذا هو السندباد الأول (مثله مجيد حميد) يلتقي في أحدى رحلاته بمجتمع أشبه بالقرود منه بالبشر، فيطمح الى أن يعلمهم معرفته، اللغة مثلا.. أو خلاصة ما امتلكه من ثقافة، فضلا عن السلوك السوي.. فإذا بهم يقلدونه في كل شيء، فتضيق الدائرة عليه بعد أن يجد نفسه ذائبا فيهم وهم ذائبون فيه.. وفي لحظة يأس وإحباط.. فإذا هو مثلهم وليس هناك اي طريقة للخلاص من هذا المأزق ابدا، فلم يجد أمامه من حل غير أن يسمل عينيه في لحظة جزع.. ليسملوا عيونهم مثله..!!

هناك أيضا السندباد الثاني مثله ريكاردوس يوسف.. لكن حكايته اشبه بأغنية حزينة عن الحب والابتعاد عن الوطن.. للتعبير من خلالها عن التغني بالعلاقة الرومانسية بين بحار غريب وامرأة انقذها من الغرق مثلتها اقبال نعيم.. لكن هذه العلاقة تنتهي بالأفق الذي تريده الأسطورة لها، وهو ان بحارة السفينة التي يقودها هذا السندباد قد أكلوا من الطعام المسحور الذي يرميه لهم جنس من البشر العمالقة المتوحشون.. فيتحولون الى قطيع أغنام لياكلهم هؤلاء واحدا بعد الآخر.. وهذا تذكير واضح بشخصيات البوليفيم في الأوديسة.. الى ان ياتي الدور على المرأة الحبيبة بعد ان تأكل من ذلك الطعام..

في هذه المعالجة المسرحية جعل الكاتب من نفسه طرفا في جدل فكري محتدم، فكان يضرب امثلة عميقة حول جدوى واهمية الرموز التراثية في الموروث الشعبي بما في ذلك الاسطوري منها ومدى مصداقيته، فهو لم يسر مع الاسطورة في طرقها الخرافية، فقد كان يشاكسها ويطعنها أحيانا في الصميم، فهذا هو السندباد الثالث الذي يفاجئنا بأنه كسيح (مثله رائد محسن) يعتلي أكتاف السندباد الرابع (مثله جواد الشكرجي) ويهدده بالقتل ان لم يبقه على اكتافه ويطع أوامره وينفذ ما يطلبه منه، فمرة يامره بان يرقص واخرى بأن يسقيه الشراب وثالثة بأن يروي له أخبار رحلاته واسفاره وان يحكي له عن المدن التي مرّ بها.. فيضطر الأخير الى الكذب.. فهاهي الصين بجوار البصرة، والقاهرة على مشارف الهند.. لتسجل ذلك كتب الرحلات وتروي عنها غرائب القصص.. وفي هذا الاطار المثير للجدل الذي احتوى النص ربما نجد لحصيلة المؤلف الدراسية في قسم الفلسفة تأثيرا مباشرا في معالجة هذا الموضوع.

لقد أوشك العرض ان يكون أوركسترا متكاملة تعزف لحنا يسمو بين أفق الخيال وجدل الفكر أدته مجموعة من الممثلين الشباب يقودها اخراج عزيز خيون، هذا لولا بعض الهنات التي لاتستحق ان تذكر..

في الصورة النهائية التي رأينا فيها العرض لم نر نقطة انتهى اليها نص المؤلف ليبدأ منها جهد المخرج، بل تحسسنا تماما وكانهما أبتدءا معا من النقطة نفسها وانتهيا معا الى تلك الصدمة التي اختتم بها السندباد الثالث هذا العرض كما شاهدناها في البداية… فلم يبدأ المخرج من حيث انتهى المؤلف كما هي الحال في طبيعة العروض المسرحية التي اعتدنا مشاهدتها، لقد بلور المخرج شكلا اخراجيا ينسجم مع ذلك المضمون المثير للجدل، أو قل مع المنطق الذي كان يتحكم في مفردات ذلك النص، وقد ندر ان نجد مثل هذا الهارموني بين النص والاخراج.. وقد استطاع عزيز خيون ان يبتكر تكويناته الاخراجية وفقا لحركة المضمون تلك في كل مشهد، فمثلا في مشاهد السندباد الأول مع مجموعته من اشباه القرود كانت التكوينات تتميز بتضاد الفرد خارج المجموعة (الكتلة) واستمر هذا التضاد الى ان سملوا عيونهم بعد ان سمل هو عينيه.. فينتهي هذا التضاد بذوبان الفرد داخل المجموعة في نهاية المشهد. بينما في مشاهد السندباد الثاني وفي المشاهد الأولى منها كان السندباد بين بحارته واحدا منهم أي ان الفرد داخل الكتلة ولم يتميز عنها إلا بالتركيز المتنوع مرة بالارتفاع وأخرى بالاتجاه وما الى ذلك من أدوات.. لكنه اصبح خارج الكتلة هو وحبيبته بعد ان أكل البحارة من الطعام المسحور.. واصبحوا قطيع خراف لايعرف غير الثغاء. وعندما انهارت الحبيبة من التعب والجوع وهدها اليأس واكلت من نفس الطعام تنفصل عن حبيبها وتصبح جزءا من الكتلة ويستمر هو خارجها. وفي هذا التشكيل لم نر كتلة أو جوقة إغريقية كما يتبادر الى الذهن مستقرة في مكان واحد تنشد الأناشيد.. بل كانت كتلة في حركة داخلية دائبة في جميع مناطق المسرح ومستوياته. وعندما يعتلي السندباد الثالث على اكتاف السندباد الرابع يحتدم الصراع بينهما ويصبح عموديا بين الأعلى والأسفل ويتهمش تماما دور كل من السندبادين الأول والثاني اللذين كانوا على خشبة المسرح، والتي نجح الممثلون فيها في ان لم يسرقوا ابدا شيئا من التركيز الذي كان من نصيب طرفي الصراع الرئيسيين في ذلك المشهد..

وهكذا مضى هذا الانسجام الى نهايته في ذلك العرض الرائع..

 

 

الفهرست

 

 

1ـ في اشكالية النقل الأدبي للسينما

2ـ مصادر قاسم محمد المسرحية

3ـ محاولة لتحديد معنى المصطلح.. النص السينمائي أو السيناريو

4ـ الرواية على المسرح.. الشّياح.. الرواية والمسرحية

5ـ الحب والحياة والموت في (روح ليونارا)

6ـ (ملحمة كلكامش) ليست مسرحية

7ـ موبيديك الرواية ـ الفلم

8 ـ ألف رحلة ورحلة.. رحلة الفكر في وادي الأساطير

9ـ ظاهرة الاقتباس في السينما المصرية

 

 

 

 

 

Posted 26/12/2009 by talibart in كتب

One response to “البنية الادبية وتحولاتها مسرحيا وسينمائيا قاسم علوان

Subscribe to comments with RSS.

  1. السلام عليكم اطلب من حضراتكم النص الكامل لمسرحية تفاحة القلب للمؤلف فلاح شاكر

    سجاد جمال المطيري

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: