السينوغرافيا وأسس تكنلوجيا التلقي في الخطاب المسرحي العربي

السينوغرافيا وأسس تكنلوجيا التلقي في الخطاب المسرحي العربي

(  إشكالات التعريف والمعنى )

                                            أ.د.فاضل خليل

fadil_khalel@yahoo.com

 

       ان انعدام التكنلوجيا او تخلفها في المسرح العربي على وجه الخصوص، مشكلة لازمت عمل كافة الاجيال من المخرجين، وبالذات الجيلين الاول والثاني اللذان ظلا يستخدمان الوسائل التقنية البدائية السائدة آنذاك وحتى وقت قريب من يومنا هذا. وهي تكنلوجيا الخشبة التي نعني بها (المسرح الدوار، والعتلات الرافعة البدائية) لقد شكلت انعطافة او قفزة في تطوير عمل المخرجين وانطلاق خيالهم باستخدامات امكاناتها على شكل العرض، فـ (المسرح الدوار، والعتلات اليدوية البدائية الرافعة) قد سهلتا استخدام وتوظيب المناظر وعملتا على تجهيز العرض الواحد بأكثر من منظر. ومن ثم تطور عملهما بالتدريج لتدارا بواسطة التيار الكهربائي. نوجز القول، بان عمل التكنلوجيا في المسرح ظل استخداما بدائيا لا يرقى، الى ما وصلت اليه الآن من امكانات هائلة – ليزيرية ورقمية عالية – ، اقترنت بنهضة التكنلوجيا في كافة وسائل الاعلام. لقد ظلت التقنيات ولازمان طويلة نسبيا محدودة الاستخدام. الأمر الذي عقد وسائل الانتاج، مما دعى الى اختيار المسرحيات ذات الحد الادنى من المستلزمات والمتطلبات الفنية، كأن تكون مسرحيات ذات المنظر الواحد، هروبا من نقص امكانات الانتقال السريع، ذو التأثير العالي. بل كثيرا ما كان المخرجون يلجئون الى توزيع المناظر في المسرحيات ذات التعددية المنظرية، على طول الخشبة وعرضها، او جعل الخشبة بمستويات مختلفة تتوزع عليها المناظر بأحجام صغيرة غالبا ما تؤثر على عناصر العرض بالمستوى الطموح، على الرغم من أن هذا التفكير قد حل الكثير من فقر التقنيات في المسارح القديمة التي لم يكن لها بدائل. فعقد امكانية التوزيع الرشيد في الحركة الاخراجية على كامل الخشبة حين تم اختصارها في مناطق ضيقة لا تتجاوز المترين في احسن الاحوال، الأمر الذي أثر على عمل المخرج في ايصال خطابه  بشكل اقل من الطموح. وهكذا ظلت ازمة نقص التكنلوجيا تتحكم في عمل المخرجين من كافة الاجيال الى يومنا هذا. لقد استمر جيل كامل من أهم المخرجين بسبب المعمار المفروض قسرا بسبب قدم المسارح وبساطة تركيبها ، فمسرح بغداد مثلا، وبحكم بناءه الذي تم تحويره الى من مكان لخزن المواد الغذائية الى قاعةللعروض المسرحية، الأمر الذي حتم على المخرجين الذين قدموا عروضهم على خشبتها ان يبتكروا وسائل يتحايلوا بواسطتها على النواقص في تكنلوجيا هذا المسرح وما يشبهه من مسارح ولو بابسط الحدود فابتكروا مقترحات ارتقت باعمالهم، ولو الى الحد الادنى من الوسائل ذات التاثير والأهمية غير المألوفة – وان كانت بالحد الادنى – في العروض التي قدموها. ان الاعتقاد بضيق المكان ومالوفيته والامكانات المحدودة بحكم نوع المعمار المعروف في (مسرح العلبة الايطالي)، جعل المخرجين يعتقدون بان عروضهم لن تتفق مع طموحاتهم ان لم يخرجوا منه لينطلقوا بعروضهم الى مكانات اخرى غير(مسرح العلبة). كي يتخلصوا اولا من نقص التكنلوجيا  ال  في تلك المسارح، ولكي ينهضوا بافكارهم في فضاءآت جديدة غير مألوفة لجمهورهم في الاقل، فاختاروا الساحات والاماكن العامة والفضاءآت المختلفة أملا في تحقيق طموحاتهم لالارتقاء بتلك العروض. وبالرغم من سلامة التفكير الا انه زاد من اعباء جميع العاملين عندما تركوا مسارحهم التي تحوي ورشهم واجهزتهم مهما كانت بسيطة ليخرجوا الى فضاءآت خالية منها. وشمل التأثير حتى المضامين الطموحة لنصوصهم في الاختيار النوع، والامكانات والمتطلبات التي حكمها الاختيار الجديد للفضاء المقحم من اجل الطموح بسبب فقر الامكانات المتاحة في ممالكهم القديمة(المسارح).

      لن نختلف اذن، على الاطلاق من ان التكنلوجيا في عموم المسرح العربي كانت بدائية، ليس بسبب فقر المسارح التي تمتلكها الموؤسسات المسرحية فقط، وانما بسبب الجهل في استخدام المتوفر منها ان وجد. علما انها لم تكن باكثر من دوران الخشبة وما يرافقها من عتلات رافعة – كما اسلفنا – والاضاءة التي استعانت بالليزريات في الاونة الاخيرة. ولي وجهة نظر – قابلة للنقاش – ان استخدام الاضاءة الليزيرية لا يتفق دائما وايقونية العمل في الدراما، في بعض التفاصيل. بل انه يفرغ الدراما من محتواها أحيانا ليقربها كثيرا من عمل المنوعات وهذا غير مستحب في المسرح الدرامي – اكرر هي ليست اكثر من وجهة نظر قابلة للرد ليس الا – . لكن هذا لايعني ان يكون المسرح مجرد، خشبة مسرح stage ومستلزمات ميكانيكية يدوية مقنعة تجعل المخرجين ومنذ ازمان مبكرة يتحسرون على امتلاكهم اياها. نستذكر على سبيل المثال رائد المسرح العراقي حقي الشبلي حين قال: ” لو كان عندي في الثلاثينات، او الاربعينات، او الخمسينات، مسرح متكامل يحتوي غلى الاجهزة الفنية الحديثة، ومسرح مشيد على اساس هندسي وفني، لكنت اخرجت الكثير من المسرحيات العالمية والعربية بالشكل الذي اتمناه “(1).

        اذن فلنتفق قبل الدخول في عالم التكنلوجيا، بأن المسرح الذي سبق التكنلوجيا بالمفهوم الذي يريده كل منا، انما هو المسرح التقليدي القائم على الحوار الذي يقوله ممثل منار، والحوار، ليس فعلا، وبالتالي لا يمكن اعتباره من ادوات التعبير في المسرح. فالكلام لايلمس ولايرى وبالتالي ليس فعلا مرئيا، في حين ان الدراما فعل يشاهد action. وعليه لامكان للكلمة المجردة – التي تموت حين قولها – في الحياة وعلى المسرح. أما الذي يهمنا فهو الممثل (الفاعل) الذي يقول الكلمة التي تموت ويعزز المعنى بالفعل الذي يبقى أمام النظر كـ (شاهد عيان). ولأجل الممثل (الفاعل) استعان المخرجون بالضوء وكافة المرئيات – وهي التي نطلق عليها تقنيات technicality – لكي يتمكنوا من تجسيد الافعال وما ينطق به الممثل لايصال الخطاب المسرحي، حفاظا على الدراما من وجهة نظرهم – وهذا بحد ذاته ( خروج عن المألوف ) الذي باعتقادهم يبعد المسرح عن فهمه المتوارث منذ (ستانسلافسكي) والى اليوم. ولنبدأ بأول الخارجين عن المألوف في المسرح الحديث الألماني ( برتولد بريخت )، الذي انتقل بالبطل في مسرحه من (الممثل) الى (الكاتب) حين ابتدع المحتوى و(التغريب) في خطابه المرئي – المقروء . عندما يجسد بواسطة (التغريب) في طرح كل ما هو خارج عن المألوف والمنطق، مواضيعه الآسرة التي استعان بها على ايصال أفكاره بواسطة ( الجدل dialectic ) المحفز لذهن المشاهد كي ينظر الى العالم بفكر وقاد، ولمس جيدا مردودها العلمي في التأثير على المتلقي. الأمر الذي جعله يستعين بوسائل اتصال مبتكرة – غير التي كان يستخدمها ستانسلافسكي –وكانت غاية في الاهمية من حيث مرونتها وتقبل المتلقي لها مثل: الاغنية والرواية لكسر المألوف السائد في المسرح الدرامي الذي يعتبر دخولها على الدراما نوع من التجديف يبعد الدراما عن جديتها. لقد دعى بريخت الى المسرح الملحمي، وعمل مع الممثل من خلال (الهدف الاعلى) على الرغم من انه اراد من الممثل ان يكون قريبا دائما من الرواية المقصودة، ولم يرد من الممثل ان يعيش الدور كما عند ستانسلافسكي، وعلى الرغم من انه لم يكن ليسعى الى تطوير الضوء (الانارة) التي ابقاها كما الشمس في الحياة، بيضاء تؤدي اغراضها الاعتيادية في هداية الطريق للناس كما الحياة، والممثل على المسرح، وبذلك قلل كثيرا من اهمية الانارة، والديكور، وهي سابقة تحسب لـ (بريخت) دون سواه. لكن هناك الكثير من المخرجين ممن ساروا على نهج (بريخت) تجاوزوا بياض الضوء فلونوا الحياة التي اعتقدوا انها يجب ان تكون أو تصل هكدا. فاستهانوا بمسرح الكلمة وسعوا الى تجميلالحياة في المسرح باضافاتهم الاخرى التي كان لها الاثر الايجابي على التلقي. فمنذ الجيل الثاني بعد (ستانسلافسكي) من المخرجين الذين ابتكروا الجديد في فن التلقي من أمثال (مايرخولد) عبر( ممثل المستقبل) والبايوميكانيكا Bio-Mechanic)(2) و(المسرح الشرطي) : حين اهتم من خلالهما بـ (آلية الجسد) ومرونته في العمل الحيوي الذي تفرضه الحياة في البقاء من اجل العمل على ايصال الافكار. كان (مايرخولد) يعتقد بان المشكلة الاساس في تدني عمل الممثل، تكمن في جهله بفن (البايوميكانيكا). وهي واحدة من تأثيرات ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا 1917 وهي في المسرح بمثابة – الثورة المسرحية الاولى على نبذ الكلام المجردن الخالي من الافعال، وهو ما كان سائدا لفترات طويلة – . ان (البايوميكانيكا) وما يتطلبه من التدريب العالي، والاداء الدقيق والفاعل، في ترجمة الكلام الى افعال مرئية، وفق نظام عصبي وجسدي سليم، قادر على تجسيد اجراءآت الفعل الانساني المنعكس واللاارادي، المتطلع في الوصول الى (ممثل المستقبل) الذي دعى اليه (مايرخولد) حين اراد من خلاله ان يطابق بين عمل الممثل الذكي والعامل الماهر من خلال الحركة الدقيقة الخالية من التفصيلات الزائدة فتعمد الباس ممثليه وفقا لمنهجيته ملابس العمل في المسرح – على غير العادة المتبعة عند غيره من المخرجين – ربما انطلق في ذلك ايضا من تأثيرات ثورة اكتوبرعليه وعلى جيله من الشباب، في تاكيد دور العمل . نخلص من تجربة (مايرخولد)، هو اعتقاده في ان البطل هو ليس (الفرد) وانما هو (الشعب)، لذلك عمل على العرض الشعبي. كما كان يعتقد بأن أهم ما في العرض هو (الممثل) لذلك اختصر في الكثير من الامور ومنها: الديكور، الاضاءة، الملابس – حين تعمد الباس ممثليه ملابس العامل الماهر، لتكون جاهزة لكل الافعال .      

 

 أما (فاختانكوف) الذي أضفى السحرية في تعامله مع الواقعية حين أطلق (الواقعية السحرية) التي لونت الفضاء بانواع السحر اللوني، وحين كسر الواقعية المألوفة بالخروج عنها الى اللامألوف فيها حين اقترح المداخل العكسية في المعالجة فألبس التراجيديا لبوس الكوميديا والعكس ايضا صحيح- وجعلها المنطلق الكبير الى الـ (غروتسك)(3). فاتسمت تقدمية طريقته في انه ابتعد كثيرا عن (الايهام) ولم يتعامل مع المسرح الا باعتباره مسرحا/ وتعامل فيه منطلقا من (الكيفية) بدلا من الحيرة في (ماذا) أعمل ، المنطلق الخامل في الحركة المسرحية/ وتعامل مع المزيد من التركيب، ولم يكتف بالمألوف/ وتعامل مع المزيد من (الابداع) و(الخيال). وكي لا ندخل في كامل التاريخ الروسي في المسرح، فكل من سبق (ستانسلافسكي) وتلاه، بل ومنذ البدايات الاولى للمسرح وحتى زمن شكسبير وملاحظاته في التمثيل الواضحة في مسرحية (هاملت)، وموليير وملاحظاته للمثلين عند اخراجه لمسرحيته (ارتجالية فرساي)، وصولا الى ظهور شخصية المخرج في المسرح في العام1847 في دوقية (سكس مايننغتن- في الماني)، نلمس بأن لكل واحد من هؤلاء ومن زامنهم كانت لديه لمساته التي حاول من خلالها تخفيف حدة المشاهدة وجعلها اكثر طراوة في التلقي. فكانت عندهم اضافاتهم التي حاولوا من خلالها كسر المألوف في مسرح الكلمة التقليدي. ولو استعرضنا البقية الباقية من المخرجين على طول وعرض الساحة المسرحية العالمية، للمسنا ذلك ايضا. ومن الامثلة القريبة نجدها في محاولات (التجريب) منذ الكلاسيكية والرومانسية والواقعية والطبيعية و…. حتى السريالية والدادائية واللامعقول ومارافقها من التسجيلية والوجودية والمسرح الفقير ومسرح القسوة ، وغيرها، التي نلحظها في تجارب آرتو، وبروك، وغروتوفسكي، وشاينا، وفايدا، وباربا، وغيرها من التجارب ، الجيد منها وغير الجيد. وصولا الى الميتات المتوالية للمؤلف والمخرج والممثل- كما في تجارب كريج، وبيكاسو- والبقية الباقية من التجارب الباحثة عن وسائل التخفيف من حدة التلقي – كما اسلفنا -. حتى صار البحث في ادخال (التكنلوجيا) كعنصر هام من عناصر الارتقاء بالمشاهدة في المسرح.

     اذن فالخطاب في المسرح خطاب غير مدجن (ثابت) قابل للتغير. وهو حالة من الهدم والتاسيس الفكري والجمالي على الخطاب المتوارث – مسرح الكلمة الخامل – والذي بسببه ظهرت المدرسة الصوتية(*). ونتيجة للثوابت التي تلزمه ، قام نظام الكليهشه، وأصبح الاخراج بسببه في بعض البلدان العربية لا يتعدى أكثر من مجموعة من الممثلين المصطفين بجانب بعضهم، يتقدم من تصل اليه الجملة الواجب قولها في العرض. وهذه جميعا من اسباب قتل الجاذبية (الكاريزما) في المسرح.

       اختلف المهتمون حول معنى (السينوغرافيا) وتعريفها، فمنهم من اعتقد بأن المعنى فيها يقف عند حدود المنظر (الديكور)، والآخر في الضوء (الإنارة)، وغيرهم اعتبروها )الزخرفة(، وآخرون اعتبروها في المستلزمات البقية للتكوين الفني للصورة المسرحية، وهكذا. ومثلما اختلف المعنى المحدد لها، تعددت كذلك التعاريف الكثيرة لها، والتي سيرد البعض منها في سياق البحث تباعا. لكني أني وجدت من بين الكثرة من التعاريف: بعد المرور على أكثرها، بأن التعريف الأمثل منها جميعا هو: أن ٍٍ” السينوغرافيا هي فن تنسيق الفضاء، والتحكم في شكله بغرض تحقيق أهداف العرض المسرحي […..] الذي يشكل إطاره الذي تجري فيه الأحداث “(4). وهو تعريف واف وشامل ولا يترك الفرصة لأن تنفرد واحدة من مكونات العرض بالمعنى وإنما كل ما يحقق الصورة المسرحية بكاملها أمام المتفرج، وبعكسه ستصبح السينوغرافيا ناقصة بغياب واحدة من مكوناتها. وعليه فأن السينوغرافيا هي”الفن الذي يرسم التصورات من اجل إضفاء معنى على الفضاء”(5) وإضفاء المعنى في وصول الفكرة لن يترك مكونا من المكونات التي تحقق تشكيل الفضاء وتنسيقه إلا استخدمتها. إذن هي العملية الأهم في عمل المخرج على إعداد العرض المسرحي من اجل الوصول إلى التكامل الفني في العرض المسرحي.وبدأ من تحديد المخرج لـنوع المسرح  joiner، الذي يؤهل بالشروع في وضع الخطة الأرضية plan ، وما يتبعها من مناظر وضوء وألوان وحركة وإكسسوارات، وكل ما من شأنه توضيح المعالم النهائية المعبرة عن صورة الشكل والتجسيد في الفضاء المسرحي [ ساحة الأحداث ] المفترضة لحياة المسرحية، أو المكان الذي يتم اختياره في استخداماتها في الفضاءآت المتنوعة: [ المدينة ، الملاعب ، الساحات العامة ، العمارات ، السطوح ، المزارع ، السواحل البحرية أو النهرية أو البحيرات ، الشارع ، المقهى ، المعمل ، السجن … وغيرها من الأماكن المهيأ للفعاليات وأنواعها ]. ولو أن البعض يرى بأن [السينوغرافيا] فن لا يتجاوز فهمه عن حدود الديكور[المنظر]، منطلقين. مبررين ذلك من أن المصطلح الوارد في الدوريات المسرحية الصادرة باللغة الانجليزية، والمستخدمة غالبا في معاهد المسرح في أمريكا وانكلترا. وان الاستخدام الأقرب للسينوغرافيا يكمن في المصطلح [ scene design ] و[ seenichut ] و[ setting ] و[ scenic setting ] وكلها تصب في [فن المنظر](6). إن هذا الرأي وكل ما دار في فلكه من الآراء، لا يمت بصله لمفهوم )السينوغرافيا( مدار البحث إذا ما عدنا إلى تعريفها سابق الذكر الذي اعتمدناه، وهو [فن تنسيق الفضاء]. لسبب هام هو أن {فن المنظر} لا يبتعد كثيرا عن تصميم الديكور في تنفيذه وتركيبه، بعيدا عن خدمته بما يجعل منه مضمونا وشكلا واضحين ومتحركين باللون والممثل وبقية المستلزمات من موسيقى ومؤثرات وما بتبعها من مستلزمات تكوين العرض المسرحي . ان الذي اثار انتباهي في هذه الآراء هو ان أغلبها اتكأ على آراء تؤيد سيادة استخدام المصطلح الحرفي من تسيد [ فن المنظر] بعيدا عن عن تشكيل كامل الفضاء، البعيد عن المعنى الآخر الذي اعتمدناه: [ فن تنسيق الفضاء ] وفي كل الفضاءآت على اختلافها وليس في المسرح وحسب. لكن وعلى الرغم من الاقتراب الكبير بين المعنيين القديم لـ [ السينوغرافيا ]، والمعنى الحالي لها، وكلاهما سيبقى بعيدا عن مفهوم [ الزخرفة] بالمعنى الذي نعرفه، لكنها ستبقى قريبة منه في معنى [ الديكور] فقط، أو انها ستشكل جزءا هاما من تكوينه. على أن نعرف من أن العديد من مصممي الديكور يؤكدون على أن السينوغرافيا ، والديكور ، فنان مستقلان عن بعضهما تماما، وكل واحد منهما فن قائم بذاته، دون أن يلغي احدهما الآخر ، ومن يمارسهما سيلمس الفرق بينهما بوضوح وسيتأكد من الاختلاف بينهما بوضوح.  

      [ السينوغرافيا stenographic ] باعتبارها مصطلحا – في البدء كان يونانيا – و” معناه كل مايتعلق بالرسوم المتواجدة على خشبة المسرح “(7). ورغم الاعتقاد السائد بقوة في أن المصطلح اليوناني هذا لم يكن يقتصر على المناظر وحسب، وإنما تعداه إلى حركتها – المناظر – مع بقية العناصر المكونة لشكل العرض المسرحي كاملا، بدءا” من [ المضمون، وما يتبعه من حركة الممثل، ومستلزمات التنسيق لصورة الفضاء المسرحي. والذي ينطبق على سينوغرافيا المسرح ينطبق على غيره من سينوغرافيا الفضاءآت الأخرى، مارة الذكر. صحيح أنها جميعا ولدت من رحم [فن الزخرفة]، وإنها اشتقت من الكلمة اليونانية skenegraphein والتي تعني: تجميل واجهة المسرح skein بألواح مرسومة، عندما كان المسرح [ خيمة ] أو [ كوخا من الخشب ]، ثم [ مبنى ](8). و- أنا – اتفق تماما مع هذا المعنى لسبب غاية في الوضوح، وهو أن التقنيات الحديثة – المستخدمة الآن – لم تكن معروفة بعد في الفترة الرومانية وما تبعها من حقب، وإنما تدرجت في التطور لتصل إلى ما تعارفنا عليه اليوم بـ [ فن الديكور ]. ومن خلاله ما حصل من تطورات لتصل إلى فنون [ السينوغرافيا ] بمفهومها الحالي والذي نعرفه: [ فن تنسيق الفضاء ]، – حسب معماريو عصر النهضة أيضا – أو كما أطلقوا عليه [فن المنظورات](9). وقد برزت موجة في فرنسا، نهاية العقد الأخير من القرن العشرين، نزعة أخرى ثار أصحابها على كل المعاني القديمة فأطلقوا على حركتهم تسمية [ انفتاح السينوغرافيا ] ، وتعني ” تطبيق ما يتصل بخشبة المسرح في مجالات أخرى غير العرض المسرحي. فبشروا بـ[ سينوغرافيا المعارض ] و [ سينوغرافيا الأحداث الهامة ] و[ سينوغرافيا المناسبات والاحتفالات ]”(10). والتي تهدف إلى “عمارة الفضاء. وخلق إطار معين وتحديد فراغ ما، وإضفاء طابع معين على مكان ما، من اجل شخوص معينة وحكاية ما، وصياغة وجهة نظر أو أكثر”(11). إن استخدام كل الوسائل والمستلزمات الواجب تحضيرها بما يحقق الصورة المثلى لتنسيق الفضاء في شكله ومضمونه قبل التحضيرات التركيبية لها، كي يعرف العاملون – من مصممين ومنفذين وفريق عمل – كيف يتصرف كل منهم في الحيز المخصص لواجبه وإبداعه ضمن مكانه المخصص له في السينوغرافيا ضمن مكانها المقرر المسرح أو أي مكان آخر كان. على أن نعرف بأن أهم المتحركين في كامل الفضاء المنوي تجسيده هو [ الإنسان ] في الفضاءآت خارج المسرح، أما الإنسان المقرر في فضاء المسرح فهو [الممثل] الممتلك لأدواته والعارف بنوع العلاقة التي تجمعه مع كل واحدة من تلك المستلزمات ومنها العلاقة مع الممثلين، وما يحيط به من الكتل الديكورية ومصادر الضوء وما يرافقها من ألوان تحدد نوع تصرفه في فعله وحركته ، وبضمنها المتفرج الذي يتلقى الخطاب المسرحي يدخل ضمن سينوغرافيا المسرح . بل وكل ما ” يشير إلى تنسيق كافة العناصر الداخلة في الإنتاج المسرحي ضمن فراغ محدد هو المسرح “(12) وقاعة العرض وخارجها ، فهي جميعا تدخل ضمن الجو العام الذي يتحكم بالمزاج العام لكل ما يدور في فلك الفنون الدرامية. فلا يقتصر فعل السينوغرافيا على ما فوق خشبة المسرح وحسب ، وإنما يتعداه إلى ما هو خارجها أيضا ، بل وفي الفضاءآت المتعددة ومهما كان حجم فضاءها سواء كان ذلك الفضاء ضيقا حينا أو متسعا في أحايين  أخرى . حيث ينشط في استثمارها [ السينوغراف ]: الرجل الخبير بالرسم والتصوير والنحت والعمارة والمنظور، الذي يبتكر ويصمم وينفذ ما يتاح له من أشكال معمارية فنية وكل أنواع الديكور اللازمة للمسرح”(13) وغيره من الفضاءآت التي مر ذكرها . فهو – السينوغراف – أو – المخرج – الذي يمارس عمله على إيجاد الخطاب المناسب – وفق رؤيته – كي يبثه إلى المتلقي ، من خلال تلك الفضاءآت، ومن خلاله يلعب دوره الذي يريد . وبالتالي السينوغرافيا : كأي فضاء حي دائم التبدل والتنوع ، تماما كما الحياة الواقعية الدائمة الحيوية المتغيرة في تحولاتها المتعددة والمنطقية للأشياء ، بل وحتى اللامنطقية منها أحيانا. والمسرح الذي يخضع للتغير وفق التطورات الحتمية في الحياة ، وفي حركة الممثل المتنقل دوما بين الأجزاء والمحرك الديناميكي لفضاءآت العرض. وهذا لا يمكن له أن يحصل إلا في لحظات ثبات الرؤية الفنية في وحدة فنية وأسلوبية للصورة المكتملة وما يليها من الصور في سياقات التطورات الديناميكية الدراماتيكية للحياة والمسرح ، تماما مثل حركة [المتواليات المنطقية] والمحكومة بقوانين التطور الاجتماعية. وهنا حيث تتدخل ضمن عمليات التكوين ، في الهدم والبناء ، قوانين : [ الكتلة ، والحركة ، والزمن ] مع الاستخدام الأمثل : [ للضوء ، والظلام ، والمؤثرات الصوتية والصامتة ، وما يلحق بها من الملابس على اختلافها ، وما يتخللها من الالون ]، في الفسحة التي تمنحها مكونات فراغ الفضاء من : [ الارتفاع والعمق والعرض ] . وهي المستلزمات التي تساعد الإنسان – الممثل في المسرح ] إلى امتلاك الأجواء في إتقان فعله المسرحي، في تأثيراته العاطفية والنفسية والجمالية، والتي تحقق الإيقاع – نبض الحياة الطبيعية أو المصنوعة، التي توصل الخطاب المطلوب في أحسن صوره. إن في فهم تلك العناصر المكونة للعرض – مجتمعة – كفيلة بخلق صورة السينوغرافيا التي نريد في الحياة أو على خشبة المسرح . وعليه فان الحركة في المسرح وتحريك كامل أجزاء الفضاء ، هي : [ صورة التشكيل الحركي ] أو ما نطلق عليه اصطلاحا [ الميزانسين في حالة الفعل ] .

     والسينوغرافيا فن مركب – كما أسلفنا – ويمتلك التعددية في المعنى أيضا . فهو الجامع لكل الفنون وهو احد تعريفات المسرح الذي نطلق عليه مصطلحا [ أب الفنون ]. أو هو  نتيجة حتمية لجمع شمل كل الفنون في تركيبة واحدة نطلق عليها [ العرض المسرحي ] ، في وحدة أسلوبية وفنية بقيادة [ السينوغراف ] أو [ المخرج ] – الرجل الأهم في المسرح – فهو المفكر ، والقائد ، والمنظم لكامل العميلية في تنسيق الفضاء ، والذي لن يستغني عن جهود المحرك لكل أجزاء السينوغرافيا ، ومكوناتها [ ألممثل ] ، في وحدة متجانسة ، وكل لا يتجزأ . والذي ينطبق على سينوغرافيا المسرح وتنسيق فضاءه ، ينطبق كذلك على الفضاءآت الأخرى – مارة الذكر – المراد تحريكها في السينوغرافيا. وعليه فإن أي تداخل بين عمل [السينوغراف] – إذا ما أفردنا له عملا في العرض المسرحي – يتعارض تماما مع عمل [ المخرج ] في المسرح وربما في مجالات العمل المرئية كافة – لن نخوض في نقاشها لأنها خارج موضوع بحثنا- . وبالتالي فان من يقترح وضع السينوغرافيا المسرحية هو [المخرج] حتما وليس الـ[ سينوغراف ] ، وذلك بعد دراسة علمية مستفيضة لكامل احتياجات شكل المضمون المراد تجسيده . والتي تعني في الإخراج: [علم المرئيات والمسموعات] للخطاب المبني على دراسة وافية التي تلبي حاجات المتلقي الاجتماعية وما يتبعها من إجابات لتساؤلاته وفي البحث عما يخلصه من مخاوفه في الحياة المحفوفة بالكثير من المخاطر.  ولكي لا ينشأ الخلط بين عمل الاثنين [المخرج والسينوغراف ] لابد لنا من الاستغناء عن واحدة منها وبالتأكيد هي  وظيفة – السينوغراف – للتخلص من التداخل في عمل الاثنين معا في المسرح . على أن نتفق على أن في التفريق بينهما ، لا يعني الاستغناء الكامل عن دور[ السينوغراف] في بقية الفضاءآت التي مر ذكرها حيث ستحقق هناك نجاحها الأكيد غالبا ، لكنها لن تستغني في النهاية عن مكملات المشاهدة بالاستعانة ببقية الفنانين – كما في المسرح – بإضفاء اللون والضوء وحركة الناس – من غير الممثلين – في الفضاءآت الأخرى البعيدة عن المسرح.معزولة عن وظيفة المخرج في المسرح، إذا ماتم الاتفاق عليها وممارستها – كدور معزول – له خصوصيته في صناعة العرض، ستعزز النقاش.

      تتنوع السينوغرافيا في المسرح بتنوع الفضاء المسرحي الذي تقدم فيه العروض المسرحية من شكل الفضاء ونوعه ، فهناك الفضاءات المستوية والعلبة والمسارح المقوسة والدائرية ، وكذلك سعة الفضاء وضيقه ، كأن يكون ساحة عامة أو معمل أو مقهى .. وغيرها . كما في تجارب بروك واستخداماته لفضاءات بعيدة كل البعد عن مسرح العلبة الايطالية ولنا في تقديمه لأحد عروضه على ساحل البحر مثلا في مشاركته ألمعروفه في مهرجان شيراز في إيران . أو في تجربة ماكس راينهاردت ، حين قدم مسرحية ( حلم منتصف ليلة صيف – شكسبير ) التي قدمها على مسرح دوار. والبطل في اختيار الفضاء هو المخرج حين يقترح المكان الذي يعتقده مناسبا للمضمون الذي يشتغل عليه ، ويقوم بتدريباته فيه. وهي في كل الأحوال ليست من اختيارات الفنان التشكيلي أو المعماري أو [ السينوغراف ]. ولا نستبعد استعانة المخرج بهم لأغراض تحقيق الانسجام harmony في المنظور التشكيلي، وليس ابعد من ذلك. على أن نعرف بان السينوغرافيا لا تقدم أكثر مما يشاهده المتفرج من تلقاء نفسه حين تستهوية لحظة إبداع تتفق مع استقباله والتي تثير دهشته، للجزء المرئي من كامل السينوغرافيا وليس كلها – أحيانا – كما في الكاميرا التي تلتقط الجزء الهام من وجهة نظر الفوتوغرافي -. إذن [المثير] هو الذي يلعب الدور الهام في المشاهدة، سواء في الفضاء الواسع أو الضيق على حد سواء، وقد لا يثيره شيئا من ذلك الفضاء ، وهو ما نطلق عليه بـ [ موت السينوغرافيا ] أو فشلها. والسينوغرافيا المبدعة التي تحقق الدهشة، تأخذ بنظر الاعتبار ماتم عمله من قبل خوفا من السقوط في التكرار أو التقليد . والسينوغرافيا واحدة من ثلاث وسائل للرسم في البناء المعماري – مسرحي وغيره – وهي:

1)      التخطيط الأفقي.

2)      التخطيط العمودي.

3)      السينوغرافيا، في بقية مكوناتها.

وهي هنا ” تصوير لوجه من وجوه المبنى، والواجهات المتحركة التي تسمح بالحصول على تصور كامل عن مظهر المبنى النهائي عن طريق الحيل البصرية “(14). والحيل البصرية هنا هي ما يضفي على الواجهة من ضوء ولون ، وعليه فهي تأكيد كبير على إن السينوغرافيا هي ليست [ المنظر ] وحسب. والاختلاف في وجهات النظر حول مفهومها إنما تؤكده الممارسة لوحدها ، وهي الكفيلة التي تحسم الخلاف وفقا لتجربة كل فنان . فما جدوى من تأسيس الشكل المنظري المتكامل في ظلمة دامسة ، خالية من حياة الممثل التي تحركها؟ ومن بقية المستلزمان التي تحقق فيها المشاهدة الفنية ذات المتعة الحسية العالية.

      وفي المحصلة نستنج بأن [ السينوغرافيا ] بالنسبة إلى المعماري: هي تصور المظهر التشكيلي الخاص بالحيز الذي يقام عليه العرض ساحة أم ملعبا أم واجهة لبناية ..وغيرها . تماما مثل [ خشبة المسرح حين يعمل على تنسيق فضاءها فنيا [ المخرج]. فـ [ السينوغراف ]: هو مقنن المهمات والمواد التقنية التي يحويها المكان. و [ السينوغرافيا ]: يجب أن تستوعب مكانا فيه: حكاية، وشخوصا، وصياغة. أو باختصار شديد هي: [ إضفاء معنى للفضاء الذي نختاره للعمل ]. وهي منذ المخرج الأول في المسرح الحديث [ ساكس ما يننغتن ] في[ ألمانيا – برلين في 1 مايو 1874 ] الذي دعى إلى” إخضاع المناظر والإضاءة والملابس والماكياج والملحقات الأخرى إلى جانب التمثيل والتخطيط الكامل ، وكلها تجتمع في إطار التأثير العام “(11). في تكنلوجيا التلقي، وبين ايجابية التلقي بين الفرجة والجمهرة ، أنطلق من تعريف التسميه – المصطلح، والذي هو حسب اعتقادي الحلقة الأهم من [الجمهرة] – نسبة إلى (جمهور) – والتي لا تعني بالضرورة (المشاهدة) أو (التفرج)، لأنها قد تعني (التجمهر السلبي) على حدث آني طارئ بدافع الفضول. ولأنها خطأ شاع، منذ بدايات الفرجة في المسرح، فسيكون استخدامه ـ من قبلي ـ هنا واردا. على ان نتفق من ان ذلك لايعني بالضرورة (التلقي السلبي) أو (المشاهدة غير المساهمة)، بل سيعني بالتأكيد (الفرجة) البعيدة عن الجمهرة بدافع الفضول. او المشاهدات شبه القسرية للعروض الاستهلاكية، او ما شاعت تسميتها بـ (التجارية). بل سيشمل البحث، التطرق الى (نوع الرائي) أو المشاهد الذي نفترض وهو (المتفرج الذكي في المسرح)، وليس المتلقي – الخامل – السلبي، ولكن المساهم الإيجابي (المتفرج الذي نريد). ذلك الذي حين يتلقى العرض سيترك أثره بصواب الرأي الذي ينهض بالحركة المسرحية ولا يترك المسرح من أدنى رأي يذكر. لقد شاهدت الذي يجري على المسارح التجارية من تجاوزات خطيرة بعضها يحاسب عليه القانون أن لم أقل جميها – مغاليا -. أما اذا انطلقنا من الرأي الذي يقول: أن وظيفة المسرح ومنذ نشأته عملية – تعليم و ترفيه – لتحمل في طياتها هدفا نبيلا برر للعرب اقتباسهم له عن الغرب، انطلاقا من واجب نشر القيم والمبادئ السامية.

      وحين نتفق على ان الجمهور هو الحالة الاقوى في مكونات العرض المسرحي، ذلك لأنه يحمل ثقافات متعددة ومختلفة. ونحن كمسرحيون نظل قلقين من كيفية ارضاء كل تلك الثقافات المتعددة، في الوقت الذي يظل فيه الجمهور بعيد عن القلق، لأن مسؤوليته واضحة تكمن في التلقي غير المسؤول. والمشكلة الاعظم في مسرحنا العربي: إذا ما سلمنا بأن مسرحنا يتوجه إلى جمهور أُغلبهُ من الأمين(*)، ممن لايحسنون القراءة والكتابة. الأمر الذي دفع بالبعض اعتماد اللهجات المحلية الأسهل فهما بين الجمهور بسبب ارتفاع نسبة الأمية التي تزيد على 75% من مجموع الشعب. وقد راعى البعض من كتاب المسرح هذا السبب فخرجوا بلغة بليغة مؤدلجة ارتقت بهذا النوع من الجمهور. وكان هذا الكسر في مسرح الكلمة كسر ايجابي اوصل اغراضه مع بقية مستلزمات التشويق في مسرح الفقراء. فكانت عراقيا من عروضه المهمة: النخلة والجيران، الخان، فوانيس، الخرابة، بغداد الأزل بين الجد والهزل، البيك والسايق، أيام زمان، القربان، البستوكة، أضواء على حياة يومية، الينبوع، وعشرات وغيرها.

 

 

     وعندما تأكد لهم نجاح هذا التوجه ذهبوا إلى تحويل المسرحيات العالمية إلى اللغة الدارجة ولنا في ذلك مثلٌ أهم مسرحية ( السيد بونتولا – وتابعة ماتي )* لبرتولد بريخت التي قدمها المسرح العراقي باللهجة المحلية ولا أعتقد أن رفيق الصبان قد بالغ حين قال( إنني أعتبر تعريق البيك و السايق أكثر حرارةً من النص الفصيح الذي سبق أن قدمته فرقة لبنانية – في حلب – دون أن تحوز نجاحاً ما ) .

    إن فن المخرج يعني فن الفعل ، أي بمعنى أكثر دقة ، هو إيصال المعنى والمسؤولية والموقف الدقيق إلى الصالة . والثقافة والصحافة عبر تجسيد دقيق لهذا النشاط (الفعل) فلا يتواجد الفعل على خشبة المسرح إلا من خلال ( النشاط و الحيوية ) التي يتولى مسؤوليتها (الممثل ) المتحرك الفاعل الذي يتولى مباشرة في تحريك المستلزمات لكل أجزاء العمل الفني . ولا أُريد هنا أن أُثير تساؤلات سيبرز جوابها ضمنها وهي (ممَ يتكون المخرج ، أو ما هي إمكاناتهِ ، وأي السبل التي يسلك ) وصولاً إلى الحقائق التي يخاطب بها هذا الكم المتناقض ، المتفق ، المختلف ، من الجمهور في القاعة .

    مما لا جدال فيه ، ( فن المتفرج ) ليس فناً بالمعنى الواسع بمقدار ما هو حافز ومنبه للمسرح يوازي ( فن المسرح ) ، وخصوصاً الفن المعاصر ، الذي يعتمد القاعة إعتماداً كبيراً ، فالمعاصرة ليست هي الوعظية المطورة المتطورة لنقل المسرح بل هي النزاع العقلي العاطفي الذي يثير المشكلات ويستثار بها وعليه فمهما إكتمل عمل المخرج في أصولهِ يظل ناقصاً بمعزل عن تفكيرهِ بالقاعة . فالمخرج هو من يضع نصب عينيه كل ( المستلزمات ) التي تحقق الإنجاز الفني الإبداعي (المسرحية) مشروطة بواحدة من أهم تلك المستلزمات (الجمهور) ، فالمخرج هو عين المتفرج طيلة عملهِ على المسرحية ، تلك العين الواسعة المتنوعة التي تمثل كما هائلاً من مختلف الناس بمختلف أهوائهم .

     إذن فخلاصة العلاقة لدور المتفرج في المسرح بالمعنى العميق غير المشروط توضح لنا : كيف إذن يجب أن يلعب هذا المنبه الحافز كما أسلفنا ( أي المتفرج ) دورهُ ليكون أما إيجابياً مبدعاً أ و سلبياً (متلق فقط) ، يعني أن يجيب على الموقع المعني بالسؤال وهو كيف يجب أن تكون التركيبة الكاملة للمسرح المعاصر ، والمسرح في المستقبل ، إذن فالوصول إلى الخلاصة تشترط أن يلعب المتفرج دورهُ كاملاً في المسرح ، مادام هو أحد شروط التكامل الفني للمسرح التي يجب أن يتم توافرها سليمة في قاعة العرض كما يرى ( تايروف ) في دور المتفرج في المسرح وأن التفاعل الحقيقي مع الأفكار المطروحة على خشبة المسرح هو الذي يقود المتفرج نحو مستقبل كل الأشياء ومنها المسرح .

     فمعاصرة الأفكار ومعالجتها يجب أن تتفق مع ما يشغل الواقع الإجتماعي للفنان وعصرهُ . وإذا ما انعكست تلك الصورة ستؤثر سلباً على عمل الفنان وسيهدد أيضاً كامل المعمار المسرحي بكافة مستلزماته . وسيكون المسرح كل شيء الا أن يكون ( مسرحاً ) بالشكل الذي نفهمه .

     هذا هو المنهجي عند العمل على إخراج مسرحية بدءاً من التفكير في إختيار النص . وحتى لحظة انفراج الستارة عن أول يوم للعرض . حيث تبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة إستقبال نتائج سلامة التفكير أو عدمها عندما كنت عيناً في الصالة أيام التمارين ، أذن فالعرض المسرحي الإبداعي هو الذي يحتوي ( المضمون أولاً + الفهم المعاصر للمسرح في أن يكون العرض واضحاً ) ليصل بلا وساطة إلى القاعة من هذا الفهم المتقدم لدور المسرح في المجتمع يصبح أي عرض يقدم . ولا يصل بسهولة إلى ( المتفرج ) عرضاً فاقداً للموقف الفني الذي من أجلهِ أصبحنا فنانين .

     وكما لايمكن أن يكون مسرحا بلا ممثل كذلك يستحيل أن يكون المسرح بلا متفرج , ذلك لان كليهما يحمل ذات الأهمية في عملية الإبداع في المسرح . فهما في حالةمستمره من إحراج أحدهما الآخر بقبول أو رفض الموضوعات والأشكال التي تقدم لهما ومن خلالهما , عبر مجتمع يفرض عليهما بحتميته المتطورة المتصلة العديد من الأفكار . أذن فهذا الموقع المهم لدور المتفرج في المسرح الموازي في الأهمية نسبيا لدور الفنان . لأنه يهدينا عيوبنا ويساعدنا في ازدهار الظاهرة المسرحية ووصولها . ويعني بالضرورة ازدهار المجتمع ، والعكس صحيح أيضا لان المسرح والفنون عموما ترتبط بالجماهير ارتباطا وثيقا .

     أن هذه الأهمية تدفع المخرجين لان يخصصوا الجزء الأهم من عملية اختيارهم للموضوعات التي تعتمد الدراسة الدقيقة للمجتمع وميوله ضمن المرحلة – دراسة سايكولوجيه – متعمقة مع طرح مجموعه من التساؤلات أهمها :

ما الذي يهم المشاهد اليوم ؟

  1. 1.      -كيف يمكن إدراك متطلباته المشبعة لرغباته ؟

  2. 2.      ما هي حاجاته الملحة , وكيف يمكن الوصول إلى خصوصياته ؟

  3. 3.      ما الذي يجري في حياته العامة , والداخلية في وجه الخصوص ؟

…. وغير ذلك من الأسئلة المهمة.

     وفي ضوء تلك المعرفة تتنوع وتختلف المسرحيات التي يتم اختيارها كما يختلف تقديمها ضمن الزمان والمكان ، وطبيعة المجتمع – أي بمعنى آخر – كيف نستطيع أن نتوصل إلى تنوع عددي مقبول من الجميع عبر ريبورتوار متنوع . وبما أن المخرج هو عين المتفرج في القاعة – وهي قاعدة معروفه – يمكنه أن يختار نوع المعالجة , لان المخرج وفي كثير من الأحيان يتأثر عندما يبدأ عملية التجسيد بأفكار الناس الذين لهم علاقة به ويتفقون مع الهم الذي يشتغل عليه . وفي النهاية تجد ان تلك المعالجة ستشمل إيجابيا مجموعه كبيره من الناس , أي أنها تشمل جمعا اكبر من هذا القليل الذي يعرفه ويتأثر به من هذا المجتمع الكبير , وهذا لا يخلو من خطورة قد تحجم الفنان مثلما تحجم الجمهور الخاص الذي يعرفه .

     هذا الفهم المتقدم لدور المتفرج في المسرح يدعونا إلى التفكير بجدية البحث عن السبل الكفيلة بكسبه باستمرار , لان غيابه يؤدي إلى العديد من الأزمات , ابتداءا من خلو قاعات العروض المسرحية من حضوره فيها , حيث تنتفي حينها ضرورة البحث عن صالات عرض بمعزل عن المتفرج المتفاعل – المتطور والمطور – للظاهره المسرحية , ومعها سيصبح من غير المجدي وضع البرامج والتخطيط والريبورتوار . يضاف إلى ذلك أن تقيم الأعمال تلك سينتهي من غير المتفرج . فمجمل النجاح الذي حققته أعمال النخبة من الفنانين دلت على استمرار تواصل الفرجه معهم . وهي محاولة جادة لاخراجه من دور التلقي السلبي في العملية الإبداعية . فهم اخذوا بنظر الاعتبار تطوير موقف المتفرج, ومحاولة إخراجه من موقف التلقي السلبي الذي تغذيه المسارح الاستهلاكية التي –متعمدة أو غير متعمدة – تبعده عن إيجابية التلقي التي يسعى لها المسرح الجاد في النهوض بالمسرح كظاهره حضارية وكمؤسسه ثقافية مهمة في دورها الأهم في التغير والتحريض .

   من العبث ان نقارن بين حالة الجمهور المستقرة والواضحة الأبعاد في المسارح العريقة وبينه في مسرحنا العربي الذي يراوح إلى الان في إيجاد هويته وخصوصيته , وهي مسؤولية مشتركة يتحملها الاثنان معا المتفرج أولا والفنان . الأمر الذي يصعب معها تقديم دراسة مؤكدة للنهوض بهذا الواقع المشترك , وصولا الى المتغيرات التي يمكن حصولها , ضمن فترة زمنية يمكن أن نحددها مسبقا بفترة زمنية يمكن حصرها بموسم مسرحي محدد أو اكثر زائدا نوع وكم الجمهور لهذا الموسم والموسم الذي سبقه والموسم الذي سيليه . مع دراسة أسباب التطور في العدد والنوع . هذا الطموح يكاد يكون من المستحيل استنتاجه أو حصره لاسباب عديدة اهمها :

  1. 4.   المزاجية التي يتميز بها هذا النوع من الجمهور , مثقفون , نقاد مسرح , عاملون في الصحافة , وحتى فنانين … في ادعاء قبول هذا العرض من عدم قبوله , أو في ادعائهم القبول والانسجام معه , لاسباب كثيره منها ما هو موضوعي واكثرها يدخل في المزاجية والقرارات الانطباعية الانيه التي لا يعول عليها علميا . والتي تدعوهم لرفض أعمال غاية في الأهمية وقبولهم عروض أقل أهمية منها . ورغم عدم أهمية تلك الآراء أو أهميتها في أحيان نادرة جداً تحرض قسماً آخر من الحضور الذي يظل أياماً من غير رأي حتى يستأنس بتلك الآراء الانطباعية .

   

      هذا النوع من تقييم الجهود المسرحية – وهو لا يخدم الظاهرة المسرحية ولا يطورها – يؤثر سلباً في تقييم المتفرج الذي نسعى للنهوض بهِ لأنه سيفقد الثقة برأيهِ وبالمسرح . والأنكى من ذلك فإن فشل عرضاً مسرحي لفرقة أو لمخرج يعني فشل موسمهِ الذي لا يتسع لأكثر من عرض نتيجة للظروف الذاتية والموضعية والصعوبات التي تعترض تقديم ذلك العرض .

    هي وقفة إذن وتساوي .. كم تؤثر تلك الآراء المتسرعة في إستمرارية وتطور المسرح عربياً لأن وجود أية أزمة بين المسرح والجمهور سيجعل من المسرح تابعاً ذليلاً لاهثاً وراء ذلك الجمهور من أجل إرضائهِ وتطمين رغباتهِ. وسيكون المسرح في عزلة عن الجمهور وسينغلق على نفسهِ ولن يحقق الصدمة المطلوبة بين الحين والحين الساعية الى تمتين أواصر العلاقة بين المسرح والمتفرج سعياً في كسر مألوف والابتعاد عن التكرار في الشكل والمضمون النابعة من الصدق في التعامل ودقة الإختيار بالموضوعات ذات الصلة به المجيبة عن تساؤلاته والباحثة عن ما يخلصه من مخاوفه ومراعات أسس التوافق النفسي بينه وبين المعاصر من المفاهيم في الحياة والعمل والتساؤلات الأزلية في الوجود والعدم والسعي إلى الحرية المفقودة في أكثر الأحيان .

 

                                                            

المصادر:

       1. محمد داود : (حقي الشبلي.. متفائل لمستقبل المسرج)، مجلة فنون، العدد28، بغداد- 19/شباط/1979، ص49 .

       2.  البايو-ميكانيك Bio-Mechanic: ومعناه، الآلية الحيوية.

      3. غروتسك Grotesque: ومعناه الشائع، هو القبيح-الجميل في الفن، والكلمة من اصل ايطالي. وهي اشتقاق من كلمة بمعنى (مغارة او كهف)، وقد ترجمت الىالعربية بمعنى (المسخ) او(التبشيع). وفي (الأدب) يطلق على النو الكوميدي الفظ في(الأدب، والموسيقى، والفنون التشكيلية، والحركة). وهو من حيث الجوهر عبارة عن خلق فكاهي غريب وغير مألوف، يربط بين اكثر المفاهيم اختلافا دون سبب منطقي ملحوظ. (موسوعة المسرح، موسكو1965)

4. مارسيل فريد نون : فن السينوغرافيا ومجالات الخبرة ، كراس [ السينوغرافيا اليوم ]، ترجمة: إبراهيم حمادة وآخرون، وزارة الثقافة، منشورات مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي 1993 القاهرة ، ج.م.ع. ص8.

  1. 5.      نفس المصدر السابق، ص8.

  2. 6.   سامي عبد الحميد: السينوغرافيا وفن المسرح، بحث قدم إلى مهرجان أيام عمان المسرحية، الدورة الثالثة من 27/3/1996 لغاية 8/4/1996.

  3. 7.   زينو بيوس: السينوغرافيا، ملحق الثقافة الأجنبية، إصدارات وزارة الثقافة والإعلام، دائرة الشؤون الثقافية للطباعة والنشر، بغداد 1980، ص128.

  4. 8.      مارسيل فريد فون: ص13 .

  5. 9.      الياس أنطوان الياس: {القاموس العصري} المطبعة العصرية، ط1، ج.ع.م، 1956.

10.  مارسيل فريد فون: ص8 .

11.  مارسيل فريد فون: ص8 .

12.  لوي دي جانيتي : كتاب ( فهم السينما ) ترجمة : جعفر علي ، دار الرشيد للنشر ، بغداد 1981 ، ص75 .

13.  مارسيل فريد فون: ص8.

14.  مارسيل فريد فون: ص13.

 

 

 

 

Posted 09/01/2010 by talibart in دراسات

%d مدونون معجبون بهذه: