الأزياء وتطورها عبر العصور

الأزياء وتطورها عبر العصور

 تنوع  الأزياء  يعكس علاقتها بالدين والبيئة والمهنة والطبقة

 اعداد : عدي عبد الجبار/ الرابع اخراج

تبدو العلاقة وطيدة ومتبادلة بين الجسد الإنساني واللباس، فالثياب هي اللحظة التي يصبح فيها المحسوس دالا، وبالتالي حاملا لعلامات خاصة ينقلها الجسد كوعاء معرفي إلى اللباس. وقد كان اللباس في المجتمعات القديمة وظيفة إشهار، وإظهار الإشارة إلى حالات مختلفة، وظروف مختلفة، ومهن مختلفة.. إي إلى اختلافات طبقية، ولم يكن الجسد الإنساني يرى عاريا، فالعري لم يكن موجودا إلا في بعض التمثيليات الدينية، وبصورة فيها الكثير من التسامي.

 في تلك المجتمعات، كانت المهنة متمثلة في اللباس، وكان اللباس ذاته متجسدا في الجسد، اما في المجتمع المعاصر فنحن نعلم انه قد بدأ في مطلع القرن التاسع عشر، بعد الثورة الفرنسية ومع انبثاق الديمقراطية، نوع من توحيد اللباس، اذ كانت الطبقات العليا التي ظلت موجودة حتى في ظل الديمقراطية في حاجة للتميز عن الطبقات العاملة، بابتداع تفاصيل لباسيه معينة قادرة على إنتاج هذه القيمة الخاصة بمجتمع القرن التاسع عشر، التي هي التميز، اذ ذاك بدأت الموضة بالانتشار الذي اتخذ الإبعاد التي نراها اليوم، واذ كان هناك تعديل للجسد مفهوما يتعلق بالتمايز بين الجنسين، فألان هناك ميل إلى إلغاء الفرق بين الجنسين في اللباس، فالجسد ـــ اللباس يفقد تمايزه، والجسم يتحرر من اللباس، والمراقب لمقاطع من اللباس يؤدي وظيفة جعل الجسد الحديث يعبر عن نفسه ويصبح دالا.

 لقد حاول العلم الحديث ان يفقد الجسد الإنساني إسراره الأولى بالكشف عن التشريح التام (الظاهر والخفي) لهذا الجسد، وباختراق الأشعة وما فوقها او ما دونها لهذا الجسد بات التعامل معه اليوم من جانب علاقته بالأزياء والألبسة والإكسسوارات الأخرى يختلف في التعاطي العام، وبالتالي فنظرات التعبير عنه وعن كل متعلقاته الخارجية بالنسبة لكافة المراحل العمرية وللجنسين باتت نظريات تخضع للاعتراف بغياب الإسرار. وإذ أحاول إن أتطرق إلى اللباس أو الأزياء عند اليونان، فإنما للوقوف على القيمة التي كان يشكلها الزى الإنساني كدلالة وكشاهد او وثيقة نستطيع من خلال التعمق فيها الوصول إلى خبايا النفس الإنسانية والمجتمع الإنساني بعامة، ولعل الاهتمام بالزى اليوناني يقدم تنوعا واضحا كون الحضارة اليونانية حضارة مزدوجة، شرق وغرب، ما اكسبها خصوصيتها وغناها.

 مرت الأزياء بمراحل متتالية من التطور، والتنوع، ولقد حققت وصولها ألينا كقيمة معرفية إما من خلال الرسوم الجدارية في الكهوف والمغوار عند الإنسان في العصر الحجري القديم، او من خلال ما رسم في المقابر عند المصريين، او عبر التماثيل والمنحوتات، وأخيرا من خلال كتابات المؤرخين القدامى وتحاليل علماء الآثار المعاصرين، ومما لا شك فيه إن أكثر العصور وضوحا من حيث معرفتنا بالأزياء، هي العصور القديمة والعصور الكلاسيكية.

 ونقصد بالعصور القديمة تلك التي قطن فيها الفينيقيون والكنعانيون والأشوريون والمصريون وآخرون.. ومن أهم المصادر التي يمكن اعتمادها للدلالة على تطور الأزياء في هذه الفترة الكتابات الهيروغليفية التي أثبتت إن الفينيقيين كانوا من سادة صناع الملابس في العالم، حيث جابوا البحار متاجرين بصناعتهم ومنتجاتهم إلى أكثر بقاع العالم، ما بين أواخر الألف الرابعة ومنتصف الإلف الثالثة ق.م.

 إما في فينيقيا نفسها فأول المصادر التي تتحدث عن الأزياء تعود إلى أواخر الألف الثالث (2300 ق.م) حيث كانت قبائل الآمو AMOO لتزال في ظل الحياة البدوية، ولعل الرسومات الموجودة في مقابر فراعنة هذه الفترة تشير إلى أنهم كانوا يرتدون ثوبا مستطيلا له فتحتان الأولى كبيرة للعنق والذراع الأيمن معا، والفتحة الأخرى للزراع الأيسر، وقد كان لا يتعدى الركبة الا قليلا.

 بينما في الآثار والرسوم التي تركها فراعنة الملكية المصرية الحديثة، إي بعد 500 عام، فقد أوضحت إن الأزياء بقيت على حالها ولم تتغير الا تغيرا بسيطا، حيث استطال ثوب الرجال حتى القدمين وأصبحت له ثلاث فتحات، الأولى للرقبة، والباقية للذراعين وذلك حوالي العام 1900 ق.م.

 وفي بعض الآثار الفينيقية التي تعود لأواخر الألف الثاني، ومستهل الألف الأول، والتي وجدت على الساحل السوري فتشير إلى إن الثياب في هذه الفترة كانت استمرارا لأزياء الألف السابعة مع ظهور بعض التحولات على كيفية (الطرحة) او (غطاء الرأس الإنساني) ليصبح أكثر جمالا وأناقة، كما أصبح يوضع على رأس المرأة مباشرة بعد إن كان يوضع فوق عمة اسطوانية بالغة الارتفاع، ودلت النقوش الأثرية للمدخل اليساري في قصر النمرود الشمالي والتي تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد على إن الرجل الفينيقي الأنيق كان يلبس طاقية من اللباد بيضاوية الشكل ويتزين بحلي كثيرة كالأقراط في الإذنين.. إلى جانب الأطواق والأسوار في المعصمين، ويشترك في ذلك الرجال والنساء على حد سواء.

 تطور الأزياء في العصور الكلاسيكية (500 ق.م ـــ 500 م) يؤكد الباحث حسن حمامي إن الثياب امتازت في هذه الفترة بثوب مستطيل مغلق من الإمام يصل طوله حتى الركبتين، ويحزم في الوسط بنطاق ضيق للنساء وعريض للرجال، والجنود ويلقون فوقه رداء أو لفاحا مستطيل الشكل يلفون به أجسامهم من الإمام والخلف، فيتهدل بانثناءات كثيرة مستديرة، ثم صار يثبت بزر كبير، إما على الكتف للمدنيين، أو على الصدر للعسكريين في أزمنة متأخرة، ويسمى هذا الرداء بالطوجا للرجال والبال للنساء، إما في القدمين فقد كانوا يلبسون نعلا رقيقا ذا أشرطة طويلة تلف حول قصبة الرجل، مرات عديدة يلبسون حذاء لينا منخفضا، ولم يعرف لباس القدمين المرتفع الا في فترة متأخرة، ربما بسبب الفتوحات والتوسعات في بلاد فرضت طبيعتها عليهم هذا النوع من الأحذية، وفي هذه الفترة مالت الأزياء الى التراخي والانثناء بعد ان كانت مستقيمة طويلة ذات كسرات حادة.

 بين الأسطورة والواقع تشير بعض الكتابات إلى إن حنان إلام قد يكون دافعا بدائيا لإيجاد الألبسة والأغطية لكن الثابت أكثر انه يمكن إرجاع هذا (الاختراع) إلى سببين اثنين يمكن تحديدهما بالأسطورة الدينية والاتجاه العلمي، ففي الأول ترى الأسطورة القديمة ان (برتا Berta) البطلة كانت امرأة غزلت ونسجت بيدها أول ثوب في العالم إيمانا منها بأن هذا الكساء سيجلب لها أنظار المعجبين، ولقد نسب اليونان القدماء الملابس إلى هرمس ــ عطارد، بينما نسب قدماء المصريين الملابس للإله (طوت) وذلك مع بقية العلوم والفنون الجميلة وتشير الأساطير الدينية بأغلبها من قريب او بعيد إشارات عن الأزياء منذ بدء الخليقة مما يتعلق بوصف عري آدم وحواء بعد إن أكلا الثمرة المحرمة وشعرا بالخجل الشديد والندم على هذه المعصية فأدركا بأنهما عاريان وشعرا بالحاجة لستر عورتهما فاستخدما بداية أوراق التين.

 ويعتمد السبب الثاني (الاتجاه العلمي) على تقلبات الجو والطقس، وتبدل درجات الحرارة، إضافة لما يمكن معرفته عن التطور الذي طرأ على التجمعات الإنسانية (مرحلة اللقط والجمع »أوراق الشجر«، والصيد »الفراء والجلود«، والزراعة، ومن ثم التعرف على النسيج »الملابس المنسوجة من الأصواف او ألياف النباتات«). فتقلبات الجو هي التي دفعت الإنسان لحماية جسده فبدأ بأوراق الأشجار (العريضة الضخمة) التي تغطي اكبر جزء من جسمه، ورغم انقراض هذا النوع من الألبسة البدائية إلا إن الأبحاث السكانية تشير إلى مجموعات اقوامية تعيش في بعض الغابات وتستخدم هذه الأزياء حتى اليوم، فقد بدأت قبل ان يعرف الإنسان الصيد ثم اهتدى الإنسان إلى الجلود والفراء حيث كان ينزعها عن جسم الحيوانات ليغلف بها جسمه هو، وترافق هذا الأمر بتطورات تقنية تمثلت بنقله نوعية مما هو قبل الصيد وحتى ما بعده أدت الى تطور أدوات الصيد والذبح والسلخ وحفظ الجلود والفراء، اما الملابس المنسوجة فلم تظهر الا بعد ذلك بوقت طويل جدا بعد ان أضحى الإنسان لا يكتفي بالجلود الحيوانية كما هي، بل بدأ بتفصيله ليكون ملائما لمقاييس جسمه وتضاريسه،! ومطابقا له قدر ما يستطيع ووجد ان بعض الألياف النباتية من المرونة بحيث يمكن ان تأخذ شكل الجسم بسهولة فعكف على زراعتها (القنب، الكتان، القطن) ومن ثم عالج هذه المنتجات بالغزل اليدوي، ويقال بأن صناعة السلال والحصر اوحت له بصناعة النسيج.

 أزياء الحضارة الإيجية: تشكل الحضارة الكريتية والحضارة الميسينية قوام الحضارة الإيجية التي ولدت في كريت، اكبر جزر البحر المتوسط الشرقي، ويطلق على الحضارة الكريتية الحضارة المبنية نسبة الى (مين) كما الكريتية نسبة الى (كريت) وتنقسم الى الحضارة المينية المبكرة (3400 ق.م ـــ 2100 ق.م) والحضاة المينية المتوسطة (2100 ـــ 1580م) والحضارة المينية المتأخرة. (1580 ـــ 1100 ق.م) وتعتبر المتأخرة منها معاصرة للحضارة الميسينية. ولقد كانت الأزياء في كل من (مي) و (كريت) متأثرة بالملابس المصرية والآشورية في بادئ الأمر، وساعدت الأختام بما تحويه من ملابس وأزياء آشورية في تصوير الأزياء كأحد المؤثرات الحضارية، وتعكس المقارنات المنهجية بين الزى الآشوري لاورنينا، كبيرة كهنة لاجا وهي ترتدي التنور التقليدية السومرية بالإضافة إلى شال ملتف على احد الكتفين وبين الآلهة المصفرة الإيجية التي ترتدي زيا طويلا يغطي الجزء الأعلى من الجسم مع احد الكتفين ويترك اليد الأخرى محررة.. هذه المقارنة توضح التأثيرات المتبادلة والمباشرة في الاستفادة من أزياء بعضهما البعض، بينما يمثل رسم أخر امرأة ورجل وجد بالقرب من (كموسوس) امرأة ترتدي زيا يصل إلى ما بعد الركبتين ويغطي الجزء الأعلى من الجسد وأحد الكتفين تاركا الكتف الأخرى عارية (مقارنة مع ورنينا).. ويبدو في المشهد الرجل عاريا تماما إلا من حزام في الوسط وعليه الخنجر بغمده.

 وما لبثت الأزياء في تلك الفترة إن تحررت من التأثيرات الأجنبية (المصرية والآشورية) أو على الأقل من التقليد الحرفي لها، وقد ساعد على هذا التطور في الأزياء تحرر المرأة في المجتمع الكريتي آنذاك، تحرر لم تتمتع بت المرأة في إي مكان آخر باستثناء الآلهة من الإناث حيث كانت تظهر كاهنات الدور الأول في الاحتفالات فتظهر الرسوم النساء خارج بيوتهن وفي الساحات العامة.. في هذه الفترة وضمن هذه المعطيات ابتكرت (لتوجا) النصف دائرية للنساء حيث نلحظ فتحتي اليدين في نصف دائرة من القماش، وبعد إن تدخل في اليدين تجمع وتربط في حزام عند الوسط، وهي من القطن السميك، وقد تختلف نوعيتها باختلاف الانتماء الطبقي لمرتديها، كما قد تبدو مزخرفة وجميلة.. وتشير الوثائق إلى إن الرجال استمروا بحالة العرى بإضافة قطعة من القماش على الوسط، تلف لستر العورة ويعلوها الحزام والخنجر، وبرغم كثرة الفقراء في كريت إلا إن هذا لم يلغ القصور والمساكن الكبيرة التي زخرفت بحياة متألقة، إي بحياة بلاطي متكاملة حيث وفر الذهب، والفضة والبرونز واللآلئ والحجارة النادرة المادة الضرورية لصناعة الحلي والجواهر والخواتم ! والفصوص التي جمعت الذوق اللطيف إلى كمال الصنع.. كما يمكن إن نشير إلى انه قد شاع آنذاك زى نسائي مستحب يستلزم التنانير الناقوسين ذات الإطار، والصدارة التي تكشف عن العنق وعن الكتفين والصدر، والأكمام الضيقة. ويشير كبروزيه موريس في تاريخ الحضارات العام إلى انه كانت هناك علاقة بين الدين والملابس حيث تستهدف الديانة تمجيد خصب الأرض المغذية، وهذا دليل على وفرة الرسوم النسائية التي تبرز الميل إلى إبراز الكاشحين وتعرية الثديين بوضع اليدين متشابكتين عليهما أحيانا وإشراك هذه الرسوم برسم الشجرة والحية التي ترمز إلى عبادة إلام الكبرى.. وتثبت ماري هيوستن رسوما للآلهة الحية في وضعيات مختلفة وقد ارتدت ملابس مزخرفة ومزركشة ومنقوشة ويمكن إجمال الصفات العامة لهذه الأثواب ببروز الأكتاف وضيق الأكمام وعري الصدر وطول التنور التي تغطي الكعبين مع مئزر متوسط الطول.. كما تظهر الرسوم إشكالا متنوعة للتيجان كالتاج الذي يعلوه فهد رابض والتاج الذي يرتفع وقد التفت حية عليه. إما الرجال فقد بقي التأثير المصري واضحا في أزيائهم فبدأ الرجل مرتديا المئزر المزخرف، كما بدئوا بارتداء الصنادل، وتزينوا بالحلي ورغبوا بالساق! مشه والجلود الملونة، إلا إن تبرجهم كان قليل التعقيد، ولعل الرسوم تشير إلى إن الرجال في تلك الفترة كانوا ميالين لإطلاق شعورهم دون لحاهم، في الحضارة الميسينية نقل الإرث الكريتي بمجمله إلى (ميس) ولبست النساء الميسينيات أزياء الميميات، وكانت الرغبة واضحة في التقليد، إلا إن الحياة في البلاط المسيني كانت اقل غنى منها في كريت، وتظهر إحدى الرسوم الجد رانية في ميس بعض النساء يتبخترن في المسرح عند مقدمة مقصور ويلحظ المشاهد إهمالهن للتمارين الرياضية وهذا ما يتضح في قوامهن وحرية سلوكهن الخارجي، وفي رسم جداري أخر مأخوذ من (تيرنس) بالقرب من ميس نلحظ التنور الضيقة المفصلة للجسد مع القميص الضيق بزخارفه المتنوعة على شكل (كنار) يحيط بالأكتاف وإطراف الكم.

 وبينما كانت النساء في ميس ينعمن بحياة هادئة نسبيا كان الرجل مشغولا في ساحات المعارك، وتعرفنا الرسوم والأختام في هذه الفترة على أزياء المحاربين وقد بدئوا وهم يرتدون بطالا قصيرا أشبه بالملابس الداخلية تزينه أربطة.. بينما يرتدي الصيادون التنور المبنية (آلهة الصيد اليونانية ارغيس) مع صدرية قصيرة سوداء حاملين السهام على ظهورهم والأقواس بين أيديهم.

 الأزياء عند اليونان بلاد الإغريق اقرب إلى الشرق كونها تقع في الجنوب من أوروبا ولهذا فإن تميزها بالشاعرية المتأججة والعواطف والروحانيات ـــ ككل بلاد الشرق ـــ قد انعكس في الفنون والعمارة والنحت والتصوير ويجب إلا نخفي إن جانبا مهما من هذه الفنون قد بقي عصيا على الفهم لأسباب تحتاج إلى تذوق ما هو أكثر من التمثال أو الصورة الجامدة، ونعني بذلك الأزياء التي وصلنا إليها عن طريق التماثيل أو بقايا الجاريات وزوايا نصوص المؤرخين القدماء، ولهذا كانت دراستها تحتاج إلى الجهد كون الرداء قطعة من الحياة، ومرآة لها تعكس لنا جمال المجتمع، اقتصاديا واجتماعيا، وسياسيا، ولدراسة أكثر تفصيلا نستطيع إن نورد أهم الخصائص التي طبعت الملابس الإغريقية كما يوردها كامل حسين تحية في كتابه تاريخ الأزياء وتطورها حيث لم يخل الرداء الإغريقي رغم بساطته من مميزات وخصائص أهمها:

  تثبيت القماش فوق الكتف، بحيث تنطبق حافته الخلفية على الأمامية. يراعى إن ينسدا القماش فوق الصدر، والجسم، وعمل ثني طويلة جميلة. يراعى إن يكون الكناري، فوق الصدر والذيل، أو احدهما. يراعى في الأردية الخارجية إن تترك الذراع اليمني عارية

 الملابس الإغريقية عامة تلتف حول الجسم، لذلك كان لنوع القماش أثره في إبراز جمال الثوب، ومن هنا برزت ضرورة دراسة أنواع الأقمشة المستعملة من قبل الإغريق التي من أهمها الصوف، والنيل والحرير، والقطن فالصوف نوعان، خشن للعبيد والخدم والفقراء من الناس، بينما الصوف الممتاز للأردية الدورية وأردية السفر.. إما النيل فكان متوفرا بدرجات مختلفة كونه ينسج في المنازل التي تقضي فيها المرأة الإغريقية جل وقتها لتشرف على نسجه، بينما انتشر استعمال الحرير بوفرة بين الإغريق منذ القرن الرابع قبل الميلاد، واقتصر استعماله على علية القوم ثم ما لبثوا إن مزجوه بالنيل لصناعة أثواب اقل كلفة.. وقد عرف الإغريق القطن بعد توغلهم شرقا في حملات لاسكندر، لكن استعماله اقتصر على الخدم والعبيد.

 ودون الالتفات إلى نوعية القماش فقد اهتم الإغريق بنقش الأقمشة فتنوعت الوسائل وتعددت كأن ينسجوا النقوش نسجا مباشرا على النول، أو إن يطرزوا على الأقمشة وفق رسوم محددة تناسب الفئة العمرية والمكانة الاجتماعية أو الانتماء الطبقي، كما استعملوا الطبع ألصباغي على الأقمشة، لكنها لم تكن شائعة.. إما النقوش فكانت عبارة عن نجوم، وأوراق شجر، وإشكال هندسية، أو طيور إذ كان اهتمامهم ينصب على إطراف القماش ليزينوه على شكل كنار يحف بالقماش، كما لجأ القادرون من الناس على توشية القماش وتطريزه بالمسبوك الذهبية.. ولعل ما ورد ألينا من بقايا الأقمشة، وما وصل ألينا من مصادر وملاحظات في هذا الخصوص يمكننا إن نحدد الألوان الأكثر استعمالا عند الإغريق بك (الأصفر، الأزرق، الأخضر، الأحمر القاتم، البنفسجي، القرمزي القاتم، والألوان التي استمدوها من طبيعة الحياة، كلون الصدأ، ولون الحناء، والأبيض، والأسود) مع ملاحظة إن الرجال كانوا يستعملون الألوان القاتمة، وان الأردية الخارجية (للرجال والنساء) كانت قاتمة أيضا.

 لقد كانت البساطة سمة واضحة في أزياء العامة وخاصة الريفيين بلباسهم التقليدي الذي كان يحزم بأربطة في الوسط، ولم يكن الطول موحدا إذ يمكن إن تكون الألبسة قصيرة حتى منتصف الفخذ وقد تكون طويلة بفتحتين طويلتين على الجانبين أو بدونهما، إلا إن غيابا واضحا للأكمام يشار إليه في كافة الرسوم المنقولة من تلك الفترة..

 وتمثل الزى ألايوني برداء قصير يرتدي الأطفال، والعمال والصبية، وهو عبارة عن قطعة مستطيلة من القماش يبلغ عرضها ضعف المسافة من المرفق إلى المرفق، ويتوقف طول القماش على عمر الشخص ومركزه الاجتماعي، ولكنه على كل حال لا يتعدى الركبة. ويرفع هذا الزى إلى منتصف الفخذين بواسطة حزام ثم يثبت فوق الكتف اليسر بمشبك (دبوس) أو يعقد فوق الكتف، وفي هذه الحالة يصبح الصدر والذراع اليمنى عارية وقد يرتدي الفلاحون والعبيد الرداء الايون في، وخاصة في أوقات العمل وهو مصنوع من الصوف، أو النيل الخشن، ويثبت على الكتف اليسر فقط، ويلجأ المسنون منهم إلى لف أرجلهم وأذرعهم بقماش من الصوف يربطونه بشريط من الجلد اتقاء البرد..

 وغالبا ما كان شعر هؤلاء طويلا لعدم قدرتهم على دفع نفقات الحلاق، كما كان المسافرون والصيادون والجنود يرتدون القبعة ألمسماه (بيتا سوس) patios، وهي عبارة عن قبعة مصنوعة من الخوص أو الجوخ أو الجلد، ذات قرص مستدير، وحافة إما صغيرة أو كبيرة يمكن رفعها إلى الأعلى من الإمام أو الخلف، أو مشقوقة الجانبين ترفع إلى اعلي أو أسفل، وتربط هذه القبعة برباط تحت الذقن، بينما يرتدي العمال والبحارة قبعة صغيرة ضيقة من الجوخ وتسمى (بلوس piles).. وفيما يخص الأحذية، تعود عامة الإغريق السير في المنازل والشوارع عراة القدمين.

 في أزياء النبلاء نلحظ وصفا أخر للزى الأيوني وهو رداء طويل يرتدي الكبار سنا ومقاما، ويراعى إن يصل من الكتف إلى القدم مع زيادة قدرها بوصتان لثني القماش عند الوسط، ولعمل كمين لهذا الثوب إما إن تثبت على مسافات متساوية أو تحاك مع كشكشة القماش، وفي كلتا الحالتين يجب إن تكون مسافة القماش المستعمل ضعف المسافة بين المعصمين في حالة فرد الذراعين كما أشرت سابقا، أو إن تحاك الحافة العليا للقماش مع وضع شريط على طول هذه الحافة للزينة.

 وفي جميع الحالات تكون خياطة الثوب على الجانب الأيمن، وعلى هذا الثوب ألايوني كنار من الأعلى بعرض بوصتين وآخر من الأسفل بعرض ست بوصات، ويزدان الكناري برسوم إغريقية ولا يشترط إن تكون الرسوم واحدة في كلا الكناري ويلبس الثوب ألايوني من الرأس، مع مراعاة إن تكون الخياطة على الجانب الأيمن ثم يجذب الطرف العلوي للرداء المجاور للرأس، ويثبت على الجزء المقابل له من الإمام بمشبك، فيتحرك بذلك القماش منسدلا فوق الصدر بحيث يغطي الرقبة.

 بينما ينسدا باقي القماش تاركا الذراعين عاريتين مكونتين ثني على جانبي الشخص تكسب الرداء شكلا جميلا. ويشير وول ديورانت إلى إن علية القوم كانوا يحرصون على ارتداء عباءة دائرية من الصوف الخشن أو الجوخ تربط تحت الذقن وتصل إلى العقبتين.. إما غطاء الرأس فقد تفنن الأغنياء في صنفه من شرائط وشبكات من الذهب الخالص، وكانوا ينفذون هذه الأغطية من أوراق الأشجار المصنوعة من الذهب. وغالبا ما انتعل أشراف القوم صندلا من الجلد، وهو عبارة عن شريط يمر بين الاصبعتين الكبيرة والتي تليها ويتصل بشريط أخر يلتف حول العقب.

Posted 12/01/2010 by talibart in 21426474

%d مدونون معجبون بهذه: