Leave a comment

فن النحت وجماليات المكان

لقاء أجراه : علي الحمداني
كلية الفنون الجميلة

يعد فن النحت من التعابير الفنية الرائدة ضمن الممارسات التشكيلية المتعددة , المتعالقة في شبكة التضليل الناتجة عن العديد من الأحكام المسبقة , والملتبسة أساسا ً بالمؤسسة الدينية في فهمها للفن على انه أصنام , وأوثان . ما يمكن أن يحدد المستويات المتفاوتة لذهنية ونفسية المتلقي تجاه التمثلات المجسمة .
فمن علاقة الفن بالدين , والفن بالمجتمع , يمكن أن ننفذ الى العلاقة بين الفن والتربية , ومن ثم بين النحت والتربية , أي تربية الذائقة الجمالية للمتلقي .
وهنا يبرز السؤال الاشكالوي الآتي: هل يكفي اعتماد البرامج المخصصة لتعليم الفنون على المؤسسات المتعلقة بالفنون الجميلة , مثل كليات ومعاهد الفنون الجميلة ؟ وكيف يمكن لفن النحت أن يأخذ صفته وحضوره الابداعي على المستوى السوسيوثقافي من جهة , وعلى المستوى الجمالي والتربوي من جهة أخرى ؟
وفن النحت هو الجنس الذي يطمح كثيرا للخروج الى الشارع , بغية تلبية الذائقة الجمالية للمتلقي , في تعانقه مع الفضاءات الخارجية للمدينة , لما له من تمظهرات في البعدين السوسيولوجي والجمالي , في التأثير على المتلقي الرائي للمشهد المجسم .
وعلى وفق ذلك فان وضع المجسم النحتي في موقع محدد , يختلف عن وضعه في موقع آخر , تبعا ً لأبعاد الفضاء المحيط به والعلاقة مع الأشكال الهندسية الأخرى .
ومن هذا المنطلق المفهومي لفن النحت , وللتعرف على تجربة احد الممارسين ميدانيا لهذا الفن , كان اللقاء مع الفنان فلاح الحمداني , مدرب الفنون في كلية الفنون الجميلة في جامعة البصرة , سعيا لتلمس رحلته الفنية والعملية .
– ما هي برأيك فلسفة فن النحت الجمالية , وهل يمكن تأشير عناصر اختلاف أم اتفاق مع الفنون التشكيلية الأخرى ؟
منذ القدم كان النحت مكملا للوجه الجمالي في المدن الكبيرة , وفي كافة الحضارات الاغريقية والرومانية والبيزنطية والمصرية , وحضارة بلاد وادي الرافدين .
ففلسفة التعبير الفني في العمارة , هي اظهار اللمسة الجمالية لانجازات الانسان الحضارية . وقد كان النحت وسيلة أخرى لغرس المفاهيم الحسية وتوثيق ثقافة المجتمعات .
ولكون النحت يعمر طويلا في الأماكن والأزمنة , كان له السبق عن بقية الفنون بالوصول الى أجيال متلاحقة , ولا يلغي هذا المشاهد الموثقة من قبل الفنون الأخرى داخل الأبنية , كونها لم تتعرض لعوامل الطبيعة وتأثيراتها , ونرى ذلك في رسوم الكنائس والكاتدرائيات والأبنية الاسلامية وغيرها .
– هل لك أن تحدثنا عن البدايات ؟
بدايتي مع فن النحت منذ كنت طالبا في معهد الفنون الجميلة في البصرة عام 1978 , حيث بدأت بوادر التفوق الأكاديمي وحبي لفن النحت , ما دفع أساتذتي في المعهد , ومنهم الأستاذ الفنان قيس عبدالرزاق الى اشراكي في مشاريعهم الفنية وخاصة في ساحات البصرة . وبعد ذلك أكملت دراستي في كلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد , وعملت مع أساتذتي الفنانين من أمثال الفنان اسماعيل فتاح , والفنان محمد غني حكمت , والفنان صالح القرغلي . واستمر عطائي الفني في تنفيذ المشاريع الكبيرة في ساحات بغداد والموصل والبصرة .

– هل يؤثر المكان ( مكان العرض ) في درجة التلقي الجمالي للمنجز المجسم ؟

لاشك بان المكان و هو البيئة التي ينمو بها العمل الفني , مستمدا من الفضاءات والمحيط اللمسة الحسية والصفة الجمالية , فضلا عن موضوعة العمل الفني وانسجامها مع بيئته التي تمثل الأرضية الثقافية للفنان , والفكرة , على حد سواء .
فاذا أخذنا على سبيل المثال تمثال ( قهرمانة) للفنان محمد غني حكمت , فلا يصلح ولا يليق , الا ببغداد وفي ذات المكان الذي وضع فيه , كون الحكاية نابعة من ذلك المحيط , فضلا عن الارث الثقافي والانثروبولوجي التي تحيله الحكاية ( حكاية النصب) للمتلقي , بوصفها دليلا سياحيا للمتلقي الأجنبي , فضلا عن قيمتها الفكرية والجمالية .
لذلك ومن هذا المنطلق فانا أدعو الى تشكيل لجان هندسية وفنية يشارك بها الفنانون أنفسهم , لتحديد الأماكن التي توضع بها الأعمال النحتية , وذلك من اجل دراسة المعطيات المكانية والفكرية حيث يوضع العمل الفني النحتي , ومن ثم قدرته على بث رسالته الجمالية للمتلقي .

– هل تأثرت بفنان معين , أم لك رؤية جمالية متفردة ؟

الفن عبارة عن خبرة كما يقول ( هربرت ريد ) ولا يمكن الاستغناء بأي حال من الأحوال , عن خبرة فنان دون آخر , بادعاء انه لا ينسجم وصيغة التعبير لدي حيث ان كل فنان هو تجربة , واذا جمعنا تلك التجارب أصبحت لدينا حصيلة ثقافية واسعة , وادراكات حسية متعددة .

– كيف تقيم دور المؤسسات الأكاديمية في تدريس مادة الفن عموما , ومادة فن النحت على وجه الخصوص , أي بمعنى هل يمكن تعليم الفن ؟

لا يمكن لمؤسسة فنية ان تكون متطورة , وتعطي كافة منتسبيها الخبرة والقدرة الأكاديمية , دون الاعتماد على الخبرات الشخصية لمدرسيها , ونلاحظ في احيان كثيرة عدم الاهتمام بالمستوى الفني للتدريسيين , وتحولهم الى ملقنين , وليس مضيفي قدرات الى الطلبة , وذلك نابع من انهم بحاجة الى تطوير قدراتهم الذاتية , كما هو الحال في تطوير قدرات الطلبة .
ولا يعني الفن اجترار الخبرة عند كل مدرس , أو معلم فن , بل لابد من مواكبة التطور الحاصل في كافة ميادين الفن التشكيلي في العالم .
ان الفن لا يعلم بالتلقين , وانما هو تواصل ذهني ونفسي . وهناك الكثير من الأساتذة الذين لهم اثر كبير في اغناء واثراء مخيلة الطالب , وهم في ذات الوقت , عنصر فاعل في الوصول بهم الى مشارف الابداع الجمالي .

Posted 12/03/2010 by talibart in دراسات

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: