Archive for the ‘دراسات’ Category

مانيكان حيدر الاسدي   Leave a comment

حيدر الاسدي

مانيكان

مسرحية ( مانيكان) من تأليف بنيان صالح وإخراج خالد سلطان وتمثيل الدكتورة ثورة يوسف وقد عرضتها فرقة ( إبراهيم جلال المسرحية) على مسرح قاعة عتبة بن غزوان وقبل ان ادخل العرض الى ماكينة النقد لابد من ملاحظات أولية ، أولهما الإشارة إلى النقد المسرحي المريض في أدبنا حتى تلك التي جنست تحت عنوان ( دراسات أو قراءات نقدية) في نصوص مسرحية لا أجدها الا وصفا انطباعيا متحايل جره النص إلى ساحته …والأمر الأخر بلادة المقولة التي تتشبث في منهج نقدي أحادي في تحليل النص ( وكان هذا المنهج) نصا مقدسا لا يمكن اقتحامه والالتفاف حوله ،فما الضير ان كان اعتماد أكثر من منهج قرائي ( يوفر لذة جمالية ومعرفية / للمتلقي) وحتى الجمهور الواسع على مستوى العرض . وهذا ما سجلناه من ملاحظات حول العروض التي أقيمت مؤخرا في مختلف مناطق العراق تحت تجنيس ( دراما دانس) المأخوذ تسميةٍ من الرقص الجسدي او التعبيري . والذي جنسه بعضهم بعنوان ( حداثة المسرح) وما بين البانتومايم PANTOMIME…الصامت ..فما الضير ان كان التداخل يوفر اللذة الجمالية للمتلقي ..فاجتراح المنهج الخاص هو من يميز الناقد النبه في ترشيح تلك الأعمال …وبالعودة الى العرض المسرحي( مانيكان) وهو موندراما من تمثيل ( الدكتورة ثورة يوسف الأستاذة في كلية الفنون الجميلة / جامعة البصرة) وكذلك ( نهاد غانم صالح) والفرقة الإيقاعية ( وليد عذار ، أعياد كاظم، جهاد فلاح ، مقدام فرج) كنت قد قرأت النص مطبوعا تحت عنوان ( أربع مسرحيات) احدهم منيكان والذي اؤلف عام ( 1995) ولظروف ما أجلت الكتابة لتشاء الصدفة والقدر بحضور هذا العرض الذي شاء له ان يكتب بالنجاح، وثمة ملاحظة تضاف الى مسار النقد للنص المسرحي ، وهي مشاغل بعض الذين لا يمتون بصلة للمسرح عن نقد النص ( باعتباره نصا أدبيا مستقلا) بعيدا عن مكملاته التي تختم بالعرض …وفي حقيقة الأمر هي ( انا / باذخة المجاملة للنص) مهما كان مستواه لأنه يتعامل مع النص وكأنه قصيدة او قصة متناسيا المكملات الأخرى وقد هاجمهم بعض منظري ونقاد المسرح باشتراطات جمة منها ضرورة ان يكون الناقد المسرحي ملم بالفن المسرحي من بيئة النص مرورا بالعملية الإخراجية وربما الأداء حتى ، في عرض ( مانيكان) كانت اتصالية العرض تمر بمرحلتين ( ايصالية وشعرية) وثمة نص تحتي للكلمة جسد من قبل الدكتورة ثورة يوسف فالتركيز المتشكل صيرورة ( لبؤرة ) انطلاق نحو المتلقي ( الجمهور) لفتح شفرات الثيمة ، والإيقاع لدى الدكتورة ثورة مع علو النبرة وتدرج الإضاءة كشخصية هلامية داخلة بالعرض وذا فاعلية …صاعدة من الدراما في البنية …رغم قلة السينوغرافية كأنه انسحاب نحو المسرح الفقير. والعملية الإخراجية في بعض جزيئاتها ، لمسرح الصورة لرائده صلاح القصب، فهل كانت أفعال الدكتورة ثورة الفيزياوية والجسمانية حركات وحسب …؟ بل كانت أفعالها المنجزة منسابة …ملاشية بذلك لأي فعل حركي عشوائي ..حتى لا تشوش الجمالية في العرض ..كما كان فعل الأقنعة جامداً إلى دور / مانيكان ( الفزاعة) ليكون الإيقاع / الصوتي / جرس خوف يدق ليصاعد بين الفينة والأخرى من تأزم الموقف / المرأة / الدكتورة ثورة . فهذا اجتراح جمالي( يخلط العرض في تشكيلة بنيته …النص ، الإخراج ، الأداء ) فالإشباع واللذة الجمالية كانت حاضرة سواء في النسق ألمضموني او كما يود الشكلانيون من استلهام الانفعال الحياتي وترجمته إلى انفعال جمالي محض! وسأعتمد في المقتبس على النص الأصلي كما أشرت بالرغم ان الدكتورة ثورة لم تشوهه في إلقائه في اللغة العامية ..لكن لتكامل القراءة وتماميتها وجد هذا التحديث.
( حبيبي سمرني سنين طوالا على صليب انتظاره)
باعتبار ان ( المرأة ) ( واناها) تنطلق نحو ( العالم) ( المخاطب/ الرجل بمعناه التصوري)
( منيكان) ( غائب حاضر) بمعناه ألتصديقي في الحوار .لتشكل بتلك بنية خاصة تنطلق منها وفي رمته كان ترميما هائلا لحتمية الختم….منذ النص …والأكثر تجسيد الأداء .
( ففن المسرح ليس هو التمثيل ولا النص – حسب جوردان كريج وليس هو المنظر ولا الرقص ولكنه يتكون من كل هذه العناصر التي تؤلف هذه الأشياء : من الفعل الذي يعد روح التمثيل الصميمة والكلمات التي تعد جسم المسرحية والخط واللون وهما قوام المطهر في المنظر…) (1)
فالفن المسرحي لا يكتفي بالتقاط الواقع ..بل على الخيال ان يشترك لتجسيد العرض كما كان يفعل شكسبير مع متخيله الخاص …وبهذا تكون الحكاية احد عناصر الإبداع في العرض المسرحي وهو روح الدراما ولكن ( بالتجسيد وليس السرد والحوار وحسب) وهذا ما فعلته الدكتورة ( ثورة يوسف) تماما. فكانت الحركة لديها تأكيداً للحياة ( وصراعاتها المستمرة والمتصاعدة) وهي فعالية تعبيرية مباشرة ( استمرارية) باعتبارها قضية ديناميكية …
( البحر مغلق من أين تجيئني الأصوات )
( وقاتلك أبصره مستورا بالنور مفضوحا بالظلمة يلوك جراحه)
أن المشغل الرمزي والتداعي فعال …/ الفعل ألنقضي/ يفضي عن تعرية تامة ..فالمرأة لا تنتظر
الانتظار يسلبها الإرادة بل هي من تتمرد بالإفصاح عن طول انتظارها …
( اسمع أجراس نصرك تدق راسي تخرق إضلاعي ..نصرك ام خذلانك سواء؟ جبنك ام جبني ؟ حقدك كذبك تملقك ..حقدي وتفاهتي) فقد حاولت اناها الفردية ان تحقق بعدا أجماعيا / مجتمعيا تتحول من كونها حالة فردية الى وعي عمومي تنثره في الخطاب عبر الأفق رغم ضيقه وانحساره حسب تصوراتها . ( يعمد النص إلى إستراتيجية بتقديم الذات في انشطارها على نفسها وتحويلها من ذات فردية – منولوجيه الى ذات حوارية – ديالوجية تنقسم على نفسها لتقدم الصورة ونقيضها بطريقة تدعم مناخ الاختلاط والغموض من ناحية ولكنها تزيل من ناحية أخرى شبهة التناقض في مجال الرؤية ) ( 2)
إمكانية الممثلة علاقة عضوية داخلية تنمي ذلك البعد الخارجي في تكوين الصورة المرئية
فالفرق بين القاء كلمات الدور ومعايشته التي دعا لها ستانسلافسكي بون واسع .وهذا ما عملت عليه الدكتورة ثورة التي لم تنشغل ( بالمانيكان) Manneken كشخصية حاضرة …بل اتخذت مسافة بينهما ( لا اقصد المسافة على جغرافية المسرح) بل المسافة الحوارية والأدائية والحركية.
( ولكن الأمر الأساسي هو ان على الممثل حيث يعيد بدء الشخصية . ان لا ينسى واجبه باعتباره ( صاحب وجهة نظر خاصة وانه مجبر على ان يتخذ موقفا من علاقته مع الدور …) (3)
فالوضع الجسدي يوثر في تكوين الصورة بالاعتماد على أدوات الممثل ( جسد / حركة/ صوت)
وليس الفعل العضلي وحسب يقف إزاء الدور لتكوين صورته على الخشبة .فالأساليب المقتصدة للعملية الإخراجية وظفت ميكانيكية الجسد مع العرض… والإيقاع / الصوتي/ الحاضر في بنية الدراما ولكنه لم يكُ متحكم بالأداء إطلاقا..ان الأداء مع حوارية النص ..كاد ان يمزج الحضور المادي ( لدى المنتظرة) مع ذلك الغياب / المجهول/ ليسلبها تعقلها ومنطقها وواقعيتها…
( من شد ظفائري ؟ تمهل اشبكها بأصابعك احذر شعري) الخطاب من لدن المرأة إلى المخاطب
والوسيط المرسل اليه ( الجمهور ) كان عبر دلالة واضحة المعالم في الكشف عن هويته الا وهو الحاضر الغائب الحبيب ( حبيبي ..حبيبي ) ولكن ثمة كشف وإفصاح عن أنية العلاقة أو ماضويتها وجوهر الاختلاف والفراق ( هكذا لا يكون ، الحب الحقيقي ألان من طرف واحد انه وحيد الاتجاه وأحادي الحقيقة وإذ كان حق المحب على محبوبه يوجب الافتراق، فان حقيقة الحب توجب الاجتماع ، ثمة أذا فرق وجمع وفي حال الفرق ينظر المحبوب إلى ذاته ويرى اختلاف صفاته عن محبوبه …) ( 4)
لاحظت تغيرات في رؤى المخرج لم تتواجد في النص وهذا ما فعله المخرج المسرحي حاتم عودة مع نص الدكتور مجيد الجبوري ( الصدى) كما دعا الناقد الفرنسي غاستون باشلار بان النص لا يقول كل شيء وعلى المخرج ان يقول كلمته . فالاشتغال ( ألعلاماتي) حاضرا باعتبار كل عمل يحمل دلالة ( سيمائية ) تركز على مقومات العرض المسرحي ( النص ، العمل) والغاية المقصدية .لكي يعيد إنتاج الواقع . فالنص مصيوغ بكثافة جمالية ..كلله الأداء المائز ..فقد سيطرت الدكتورة ثورة على سلوكها العضوي وسيطرت على التقنية الأدائية لديها على خشبة العرض. وكان المخاطب ( الرجل / الغائب) له شبه حضور طاغي / لا مرئي / بسيوكولوجيا يسبغ الخاص ( الحالة المعاشة) عبر المتخيل البيئوي …ليفصح عن تمفصلات ( انا المرأة) التي تناغيه عن بعد ( عدم مرئية من جانب الرجل) يقابله ( حضور طاغي لدى المرأة) والدلالة الشنيعة بينهما …حضور الأخر بالاستدعاء يشكل كثافة في الأداء والعرض وربما حد التفرد
لخاصيته كون العرض يرتكز ويتوكز عليه …فهل كان الاغتراب سمة لنزوعات المرأة ..
كان تفرج ( المنيكان) الممثلة نهاد ودورها ( walk-on lady supernumerary) فهي كانت محط سد فراغ وأنظار وإفراغ شحنات لدى المخاطبة ( الملتاعة) حتى يردهما الموت / الضوء الأحمر وفاعليته في علم النفس/ عبر إعادة بناء المنظر ( reconstruction) .
( اسمعي وصايا العالم وصلاته القائمة: اقتلوا بعضكم بعضا يبارككم رب المذابح )
إضفاء السوداوية عبر التداعي والاستنكار الحوار يصاعد من الدراما ..لنقد بنية منظومة مهشمة وبالية بذات الوقت.( بلهاء أهذا وقت للموت؟ ) إلى ان تغدوان جسدا واحدا …فهذه لم تكن الذروة وحسب بل حل للعقدة …( الأهمية الجديدة التي يتمتع بها الحوار- المحاجة داخل المأساة ، هذا الحوار الذي يجسد بصورة مباشرة جدا فكرة انتصار العقل على الغواية) (5)
جمالية الحوار ( مع المستدعى / مع إنكارية العنوان / منيكان – نكره) واللغة الشعرية العالية … إضافة جمالية وغائية وظفت بطريقة سليمة لتعبر إلى أذهان المتلقي .والعمل بطبيعته كان يعالج معاناة المرأة
( الخياطة في العرض أكيدا) التي هجرها حبيبها / زوجها/ ورحل خارج البلاد فلم تجد أمامها غير تمثال خشبي – منيكان- للبوح بأسرارها ومشاعرها وخيبة أملها إلى أن تموت في ختام العرض . ولعل العنونة النكرة حققت مرتبة وحدانية عالية بدرجة مقصديه فهل تحققت نبوة شكسبير في النص بقوله عن المرأة بأنها (كوكب يستنير به الرجل، ومن غيرها يبيت الرجل في الظلام) أم ماذا ؟ . يذكر ان المانيكان كمسمى مقتبس عنوانا ظهرت لاول مرة عام 1860 وتطورت على يد المهندس البلجيكي ( ستوكعن) سنة 1869 عندما اضاف اليها وجه وشعر طبيعي ليثير بذلك دهشة واعجاب الناس.

****************

(1) في بنية العرض المسرحي ( د.عقيل المهدي )
(2) مجلة الأقلام ( عدد 11- 12) (د.صبري حافظ)
(3) في بنية العرض المسرحي ( د.عقيل المهدي )
(4) الحب والفناء – (علي حرب)
(5) نظرية الأدب ( م .س. كوركينيان)

Advertisements

Posted 10/12/2010 by talibart in دراسات

  Leave a comment

فن النحت وجماليات المكان

لقاء أجراه : علي الحمداني
كلية الفنون الجميلة

يعد فن النحت من التعابير الفنية الرائدة ضمن الممارسات التشكيلية المتعددة , المتعالقة في شبكة التضليل الناتجة عن العديد من الأحكام المسبقة , والملتبسة أساسا ً بالمؤسسة الدينية في فهمها للفن على انه أصنام , وأوثان . ما يمكن أن يحدد المستويات المتفاوتة لذهنية ونفسية المتلقي تجاه التمثلات المجسمة .
فمن علاقة الفن بالدين , والفن بالمجتمع , يمكن أن ننفذ الى العلاقة بين الفن والتربية , ومن ثم بين النحت والتربية , أي تربية الذائقة الجمالية للمتلقي .
وهنا يبرز السؤال الاشكالوي الآتي: هل يكفي اعتماد البرامج المخصصة لتعليم الفنون على المؤسسات المتعلقة بالفنون الجميلة , مثل كليات ومعاهد الفنون الجميلة ؟ وكيف يمكن لفن النحت أن يأخذ صفته وحضوره الابداعي على المستوى السوسيوثقافي من جهة , وعلى المستوى الجمالي والتربوي من جهة أخرى ؟
وفن النحت هو الجنس الذي يطمح كثيرا للخروج الى الشارع , بغية تلبية الذائقة الجمالية للمتلقي , في تعانقه مع الفضاءات الخارجية للمدينة , لما له من تمظهرات في البعدين السوسيولوجي والجمالي , في التأثير على المتلقي الرائي للمشهد المجسم .
وعلى وفق ذلك فان وضع المجسم النحتي في موقع محدد , يختلف عن وضعه في موقع آخر , تبعا ً لأبعاد الفضاء المحيط به والعلاقة مع الأشكال الهندسية الأخرى .
ومن هذا المنطلق المفهومي لفن النحت , وللتعرف على تجربة احد الممارسين ميدانيا لهذا الفن , كان اللقاء مع الفنان فلاح الحمداني , مدرب الفنون في كلية الفنون الجميلة في جامعة البصرة , سعيا لتلمس رحلته الفنية والعملية .
– ما هي برأيك فلسفة فن النحت الجمالية , وهل يمكن تأشير عناصر اختلاف أم اتفاق مع الفنون التشكيلية الأخرى ؟
منذ القدم كان النحت مكملا للوجه الجمالي في المدن الكبيرة , وفي كافة الحضارات الاغريقية والرومانية والبيزنطية والمصرية , وحضارة بلاد وادي الرافدين .
ففلسفة التعبير الفني في العمارة , هي اظهار اللمسة الجمالية لانجازات الانسان الحضارية . وقد كان النحت وسيلة أخرى لغرس المفاهيم الحسية وتوثيق ثقافة المجتمعات .
ولكون النحت يعمر طويلا في الأماكن والأزمنة , كان له السبق عن بقية الفنون بالوصول الى أجيال متلاحقة , ولا يلغي هذا المشاهد الموثقة من قبل الفنون الأخرى داخل الأبنية , كونها لم تتعرض لعوامل الطبيعة وتأثيراتها , ونرى ذلك في رسوم الكنائس والكاتدرائيات والأبنية الاسلامية وغيرها .
– هل لك أن تحدثنا عن البدايات ؟
بدايتي مع فن النحت منذ كنت طالبا في معهد الفنون الجميلة في البصرة عام 1978 , حيث بدأت بوادر التفوق الأكاديمي وحبي لفن النحت , ما دفع أساتذتي في المعهد , ومنهم الأستاذ الفنان قيس عبدالرزاق الى اشراكي في مشاريعهم الفنية وخاصة في ساحات البصرة . وبعد ذلك أكملت دراستي في كلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد , وعملت مع أساتذتي الفنانين من أمثال الفنان اسماعيل فتاح , والفنان محمد غني حكمت , والفنان صالح القرغلي . واستمر عطائي الفني في تنفيذ المشاريع الكبيرة في ساحات بغداد والموصل والبصرة .

– هل يؤثر المكان ( مكان العرض ) في درجة التلقي الجمالي للمنجز المجسم ؟

لاشك بان المكان و هو البيئة التي ينمو بها العمل الفني , مستمدا من الفضاءات والمحيط اللمسة الحسية والصفة الجمالية , فضلا عن موضوعة العمل الفني وانسجامها مع بيئته التي تمثل الأرضية الثقافية للفنان , والفكرة , على حد سواء .
فاذا أخذنا على سبيل المثال تمثال ( قهرمانة) للفنان محمد غني حكمت , فلا يصلح ولا يليق , الا ببغداد وفي ذات المكان الذي وضع فيه , كون الحكاية نابعة من ذلك المحيط , فضلا عن الارث الثقافي والانثروبولوجي التي تحيله الحكاية ( حكاية النصب) للمتلقي , بوصفها دليلا سياحيا للمتلقي الأجنبي , فضلا عن قيمتها الفكرية والجمالية .
لذلك ومن هذا المنطلق فانا أدعو الى تشكيل لجان هندسية وفنية يشارك بها الفنانون أنفسهم , لتحديد الأماكن التي توضع بها الأعمال النحتية , وذلك من اجل دراسة المعطيات المكانية والفكرية حيث يوضع العمل الفني النحتي , ومن ثم قدرته على بث رسالته الجمالية للمتلقي .

– هل تأثرت بفنان معين , أم لك رؤية جمالية متفردة ؟

الفن عبارة عن خبرة كما يقول ( هربرت ريد ) ولا يمكن الاستغناء بأي حال من الأحوال , عن خبرة فنان دون آخر , بادعاء انه لا ينسجم وصيغة التعبير لدي حيث ان كل فنان هو تجربة , واذا جمعنا تلك التجارب أصبحت لدينا حصيلة ثقافية واسعة , وادراكات حسية متعددة .

– كيف تقيم دور المؤسسات الأكاديمية في تدريس مادة الفن عموما , ومادة فن النحت على وجه الخصوص , أي بمعنى هل يمكن تعليم الفن ؟

لا يمكن لمؤسسة فنية ان تكون متطورة , وتعطي كافة منتسبيها الخبرة والقدرة الأكاديمية , دون الاعتماد على الخبرات الشخصية لمدرسيها , ونلاحظ في احيان كثيرة عدم الاهتمام بالمستوى الفني للتدريسيين , وتحولهم الى ملقنين , وليس مضيفي قدرات الى الطلبة , وذلك نابع من انهم بحاجة الى تطوير قدراتهم الذاتية , كما هو الحال في تطوير قدرات الطلبة .
ولا يعني الفن اجترار الخبرة عند كل مدرس , أو معلم فن , بل لابد من مواكبة التطور الحاصل في كافة ميادين الفن التشكيلي في العالم .
ان الفن لا يعلم بالتلقين , وانما هو تواصل ذهني ونفسي . وهناك الكثير من الأساتذة الذين لهم اثر كبير في اغناء واثراء مخيلة الطالب , وهم في ذات الوقت , عنصر فاعل في الوصول بهم الى مشارف الابداع الجمالي .

Posted 12/03/2010 by talibart in دراسات

السينوغرافيا وأسس تكنلوجيا التلقي في الخطاب المسرحي العربي

السينوغرافيا وأسس تكنلوجيا التلقي في الخطاب المسرحي العربي

(  إشكالات التعريف والمعنى )

                                            أ.د.فاضل خليل

fadil_khalel@yahoo.com

 

       ان انعدام التكنلوجيا او تخلفها في المسرح العربي على وجه الخصوص، مشكلة لازمت عمل كافة الاجيال من المخرجين، وبالذات الجيلين الاول والثاني اللذان ظلا يستخدمان الوسائل التقنية البدائية السائدة آنذاك وحتى وقت قريب من يومنا هذا. وهي تكنلوجيا الخشبة التي نعني بها (المسرح الدوار، والعتلات الرافعة البدائية) لقد شكلت انعطافة او قفزة في تطوير عمل المخرجين وانطلاق خيالهم باستخدامات امكاناتها على شكل العرض، فـ (المسرح الدوار، والعتلات اليدوية البدائية الرافعة) قد سهلتا استخدام وتوظيب المناظر وعملتا على تجهيز العرض الواحد بأكثر من منظر. ومن ثم تطور عملهما بالتدريج لتدارا بواسطة التيار الكهربائي. نوجز القول، بان عمل التكنلوجيا في المسرح ظل استخداما بدائيا لا يرقى، الى ما وصلت اليه الآن من امكانات هائلة – ليزيرية ورقمية عالية – ، اقترنت بنهضة التكنلوجيا في كافة وسائل الاعلام. لقد ظلت التقنيات ولازمان طويلة نسبيا محدودة الاستخدام. الأمر الذي عقد وسائل الانتاج، مما دعى الى اختيار المسرحيات ذات الحد الادنى من المستلزمات والمتطلبات الفنية، كأن تكون مسرحيات ذات المنظر الواحد، هروبا من نقص امكانات الانتقال السريع، ذو التأثير العالي. بل كثيرا ما كان المخرجون يلجئون الى توزيع المناظر في المسرحيات ذات التعددية المنظرية، على طول الخشبة وعرضها، او جعل الخشبة بمستويات مختلفة تتوزع عليها المناظر بأحجام صغيرة غالبا ما تؤثر على عناصر العرض بالمستوى الطموح، على الرغم من أن هذا التفكير قد حل الكثير من فقر التقنيات في المسارح القديمة التي لم يكن لها بدائل. فعقد امكانية التوزيع الرشيد في الحركة الاخراجية على كامل الخشبة حين تم اختصارها في مناطق ضيقة لا تتجاوز المترين في احسن الاحوال، الأمر الذي أثر على عمل المخرج في ايصال خطابه  بشكل اقل من الطموح. وهكذا ظلت ازمة نقص التكنلوجيا تتحكم في عمل المخرجين من كافة الاجيال الى يومنا هذا. لقد استمر جيل كامل من أهم المخرجين بسبب المعمار المفروض قسرا بسبب قدم المسارح وبساطة تركيبها ، فمسرح بغداد مثلا، وبحكم بناءه الذي تم تحويره الى من مكان لخزن المواد الغذائية الى قاعةللعروض المسرحية، الأمر الذي حتم على المخرجين الذين قدموا عروضهم على خشبتها ان يبتكروا وسائل يتحايلوا بواسطتها على النواقص في تكنلوجيا هذا المسرح وما يشبهه من مسارح ولو بابسط الحدود فابتكروا مقترحات ارتقت باعمالهم، ولو الى الحد الادنى من الوسائل ذات التاثير والأهمية غير المألوفة – وان كانت بالحد الادنى – في العروض التي قدموها. ان الاعتقاد بضيق المكان ومالوفيته والامكانات المحدودة بحكم نوع المعمار المعروف في (مسرح العلبة الايطالي)، جعل المخرجين يعتقدون بان عروضهم لن تتفق مع طموحاتهم ان لم يخرجوا منه لينطلقوا بعروضهم الى مكانات اخرى غير(مسرح العلبة). كي يتخلصوا اولا من نقص التكنلوجيا  ال  في تلك المسارح، ولكي ينهضوا بافكارهم في فضاءآت جديدة غير مألوفة لجمهورهم في الاقل، فاختاروا الساحات والاماكن العامة والفضاءآت المختلفة أملا في تحقيق طموحاتهم لالارتقاء بتلك العروض. وبالرغم من سلامة التفكير الا انه زاد من اعباء جميع العاملين عندما تركوا مسارحهم التي تحوي ورشهم واجهزتهم مهما كانت بسيطة ليخرجوا الى فضاءآت خالية منها. وشمل التأثير حتى المضامين الطموحة لنصوصهم في الاختيار النوع، والامكانات والمتطلبات التي حكمها الاختيار الجديد للفضاء المقحم من اجل الطموح بسبب فقر الامكانات المتاحة في ممالكهم القديمة(المسارح).

      لن نختلف اذن، على الاطلاق من ان التكنلوجيا في عموم المسرح العربي كانت بدائية، ليس بسبب فقر المسارح التي تمتلكها الموؤسسات المسرحية فقط، وانما بسبب الجهل في استخدام المتوفر منها ان وجد. علما انها لم تكن باكثر من دوران الخشبة وما يرافقها من عتلات رافعة – كما اسلفنا – والاضاءة التي استعانت بالليزريات في الاونة الاخيرة. ولي وجهة نظر – قابلة للنقاش – ان استخدام الاضاءة الليزيرية لا يتفق دائما وايقونية العمل في الدراما، في بعض التفاصيل. بل انه يفرغ الدراما من محتواها أحيانا ليقربها كثيرا من عمل المنوعات وهذا غير مستحب في المسرح الدرامي – اكرر هي ليست اكثر من وجهة نظر قابلة للرد ليس الا – . لكن هذا لايعني ان يكون المسرح مجرد، خشبة مسرح stage ومستلزمات ميكانيكية يدوية مقنعة تجعل المخرجين ومنذ ازمان مبكرة يتحسرون على امتلاكهم اياها. نستذكر على سبيل المثال رائد المسرح العراقي حقي الشبلي حين قال: ” لو كان عندي في الثلاثينات، او الاربعينات، او الخمسينات، مسرح متكامل يحتوي غلى الاجهزة الفنية الحديثة، ومسرح مشيد على اساس هندسي وفني، لكنت اخرجت الكثير من المسرحيات العالمية والعربية بالشكل الذي اتمناه “(1).

        اذن فلنتفق قبل الدخول في عالم التكنلوجيا، بأن المسرح الذي سبق التكنلوجيا بالمفهوم الذي يريده كل منا، انما هو المسرح التقليدي القائم على الحوار الذي يقوله ممثل منار، والحوار، ليس فعلا، وبالتالي لا يمكن اعتباره من ادوات التعبير في المسرح. فالكلام لايلمس ولايرى وبالتالي ليس فعلا مرئيا، في حين ان الدراما فعل يشاهد action. وعليه لامكان للكلمة المجردة – التي تموت حين قولها – في الحياة وعلى المسرح. أما الذي يهمنا فهو الممثل (الفاعل) الذي يقول الكلمة التي تموت ويعزز المعنى بالفعل الذي يبقى أمام النظر كـ (شاهد عيان). ولأجل الممثل (الفاعل) استعان المخرجون بالضوء وكافة المرئيات – وهي التي نطلق عليها تقنيات technicality – لكي يتمكنوا من تجسيد الافعال وما ينطق به الممثل لايصال الخطاب المسرحي، حفاظا على الدراما من وجهة نظرهم – وهذا بحد ذاته ( خروج عن المألوف ) الذي باعتقادهم يبعد المسرح عن فهمه المتوارث منذ (ستانسلافسكي) والى اليوم. ولنبدأ بأول الخارجين عن المألوف في المسرح الحديث الألماني ( برتولد بريخت )، الذي انتقل بالبطل في مسرحه من (الممثل) الى (الكاتب) حين ابتدع المحتوى و(التغريب) في خطابه المرئي – المقروء . عندما يجسد بواسطة (التغريب) في طرح كل ما هو خارج عن المألوف والمنطق، مواضيعه الآسرة التي استعان بها على ايصال أفكاره بواسطة ( الجدل dialectic ) المحفز لذهن المشاهد كي ينظر الى العالم بفكر وقاد، ولمس جيدا مردودها العلمي في التأثير على المتلقي. الأمر الذي جعله يستعين بوسائل اتصال مبتكرة – غير التي كان يستخدمها ستانسلافسكي –وكانت غاية في الاهمية من حيث مرونتها وتقبل المتلقي لها مثل: الاغنية والرواية لكسر المألوف السائد في المسرح الدرامي الذي يعتبر دخولها على الدراما نوع من التجديف يبعد الدراما عن جديتها. لقد دعى بريخت الى المسرح الملحمي، وعمل مع الممثل من خلال (الهدف الاعلى) على الرغم من انه اراد من الممثل ان يكون قريبا دائما من الرواية المقصودة، ولم يرد من الممثل ان يعيش الدور كما عند ستانسلافسكي، وعلى الرغم من انه لم يكن ليسعى الى تطوير الضوء (الانارة) التي ابقاها كما الشمس في الحياة، بيضاء تؤدي اغراضها الاعتيادية في هداية الطريق للناس كما الحياة، والممثل على المسرح، وبذلك قلل كثيرا من اهمية الانارة، والديكور، وهي سابقة تحسب لـ (بريخت) دون سواه. لكن هناك الكثير من المخرجين ممن ساروا على نهج (بريخت) تجاوزوا بياض الضوء فلونوا الحياة التي اعتقدوا انها يجب ان تكون أو تصل هكدا. فاستهانوا بمسرح الكلمة وسعوا الى تجميلالحياة في المسرح باضافاتهم الاخرى التي كان لها الاثر الايجابي على التلقي. فمنذ الجيل الثاني بعد (ستانسلافسكي) من المخرجين الذين ابتكروا الجديد في فن التلقي من أمثال (مايرخولد) عبر( ممثل المستقبل) والبايوميكانيكا Bio-Mechanic)(2) و(المسرح الشرطي) : حين اهتم من خلالهما بـ (آلية الجسد) ومرونته في العمل الحيوي الذي تفرضه الحياة في البقاء من اجل العمل على ايصال الافكار. كان (مايرخولد) يعتقد بان المشكلة الاساس في تدني عمل الممثل، تكمن في جهله بفن (البايوميكانيكا). وهي واحدة من تأثيرات ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا 1917 وهي في المسرح بمثابة – الثورة المسرحية الاولى على نبذ الكلام المجردن الخالي من الافعال، وهو ما كان سائدا لفترات طويلة – . ان (البايوميكانيكا) وما يتطلبه من التدريب العالي، والاداء الدقيق والفاعل، في ترجمة الكلام الى افعال مرئية، وفق نظام عصبي وجسدي سليم، قادر على تجسيد اجراءآت الفعل الانساني المنعكس واللاارادي، المتطلع في الوصول الى (ممثل المستقبل) الذي دعى اليه (مايرخولد) حين اراد من خلاله ان يطابق بين عمل الممثل الذكي والعامل الماهر من خلال الحركة الدقيقة الخالية من التفصيلات الزائدة فتعمد الباس ممثليه وفقا لمنهجيته ملابس العمل في المسرح – على غير العادة المتبعة عند غيره من المخرجين – ربما انطلق في ذلك ايضا من تأثيرات ثورة اكتوبرعليه وعلى جيله من الشباب، في تاكيد دور العمل . نخلص من تجربة (مايرخولد)، هو اعتقاده في ان البطل هو ليس (الفرد) وانما هو (الشعب)، لذلك عمل على العرض الشعبي. كما كان يعتقد بأن أهم ما في العرض هو (الممثل) لذلك اختصر في الكثير من الامور ومنها: الديكور، الاضاءة، الملابس – حين تعمد الباس ممثليه ملابس العامل الماهر، لتكون جاهزة لكل الافعال .      

 

 أما (فاختانكوف) الذي أضفى السحرية في تعامله مع الواقعية حين أطلق (الواقعية السحرية) التي لونت الفضاء بانواع السحر اللوني، وحين كسر الواقعية المألوفة بالخروج عنها الى اللامألوف فيها حين اقترح المداخل العكسية في المعالجة فألبس التراجيديا لبوس الكوميديا والعكس ايضا صحيح- وجعلها المنطلق الكبير الى الـ (غروتسك)(3). فاتسمت تقدمية طريقته في انه ابتعد كثيرا عن (الايهام) ولم يتعامل مع المسرح الا باعتباره مسرحا/ وتعامل فيه منطلقا من (الكيفية) بدلا من الحيرة في (ماذا) أعمل ، المنطلق الخامل في الحركة المسرحية/ وتعامل مع المزيد من التركيب، ولم يكتف بالمألوف/ وتعامل مع المزيد من (الابداع) و(الخيال). وكي لا ندخل في كامل التاريخ الروسي في المسرح، فكل من سبق (ستانسلافسكي) وتلاه، بل ومنذ البدايات الاولى للمسرح وحتى زمن شكسبير وملاحظاته في التمثيل الواضحة في مسرحية (هاملت)، وموليير وملاحظاته للمثلين عند اخراجه لمسرحيته (ارتجالية فرساي)، وصولا الى ظهور شخصية المخرج في المسرح في العام1847 في دوقية (سكس مايننغتن- في الماني)، نلمس بأن لكل واحد من هؤلاء ومن زامنهم كانت لديه لمساته التي حاول من خلالها تخفيف حدة المشاهدة وجعلها اكثر طراوة في التلقي. فكانت عندهم اضافاتهم التي حاولوا من خلالها كسر المألوف في مسرح الكلمة التقليدي. ولو استعرضنا البقية الباقية من المخرجين على طول وعرض الساحة المسرحية العالمية، للمسنا ذلك ايضا. ومن الامثلة القريبة نجدها في محاولات (التجريب) منذ الكلاسيكية والرومانسية والواقعية والطبيعية و…. حتى السريالية والدادائية واللامعقول ومارافقها من التسجيلية والوجودية والمسرح الفقير ومسرح القسوة ، وغيرها، التي نلحظها في تجارب آرتو، وبروك، وغروتوفسكي، وشاينا، وفايدا، وباربا، وغيرها من التجارب ، الجيد منها وغير الجيد. وصولا الى الميتات المتوالية للمؤلف والمخرج والممثل- كما في تجارب كريج، وبيكاسو- والبقية الباقية من التجارب الباحثة عن وسائل التخفيف من حدة التلقي – كما اسلفنا -. حتى صار البحث في ادخال (التكنلوجيا) كعنصر هام من عناصر الارتقاء بالمشاهدة في المسرح.

     اذن فالخطاب في المسرح خطاب غير مدجن (ثابت) قابل للتغير. وهو حالة من الهدم والتاسيس الفكري والجمالي على الخطاب المتوارث – مسرح الكلمة الخامل – والذي بسببه ظهرت المدرسة الصوتية(*). ونتيجة للثوابت التي تلزمه ، قام نظام الكليهشه، وأصبح الاخراج بسببه في بعض البلدان العربية لا يتعدى أكثر من مجموعة من الممثلين المصطفين بجانب بعضهم، يتقدم من تصل اليه الجملة الواجب قولها في العرض. وهذه جميعا من اسباب قتل الجاذبية (الكاريزما) في المسرح.

       اختلف المهتمون حول معنى (السينوغرافيا) وتعريفها، فمنهم من اعتقد بأن المعنى فيها يقف عند حدود المنظر (الديكور)، والآخر في الضوء (الإنارة)، وغيرهم اعتبروها )الزخرفة(، وآخرون اعتبروها في المستلزمات البقية للتكوين الفني للصورة المسرحية، وهكذا. ومثلما اختلف المعنى المحدد لها، تعددت كذلك التعاريف الكثيرة لها، والتي سيرد البعض منها في سياق البحث تباعا. لكني أني وجدت من بين الكثرة من التعاريف: بعد المرور على أكثرها، بأن التعريف الأمثل منها جميعا هو: أن ٍٍ” السينوغرافيا هي فن تنسيق الفضاء، والتحكم في شكله بغرض تحقيق أهداف العرض المسرحي […..] الذي يشكل إطاره الذي تجري فيه الأحداث “(4). وهو تعريف واف وشامل ولا يترك الفرصة لأن تنفرد واحدة من مكونات العرض بالمعنى وإنما كل ما يحقق الصورة المسرحية بكاملها أمام المتفرج، وبعكسه ستصبح السينوغرافيا ناقصة بغياب واحدة من مكوناتها. وعليه فأن السينوغرافيا هي”الفن الذي يرسم التصورات من اجل إضفاء معنى على الفضاء”(5) وإضفاء المعنى في وصول الفكرة لن يترك مكونا من المكونات التي تحقق تشكيل الفضاء وتنسيقه إلا استخدمتها. إذن هي العملية الأهم في عمل المخرج على إعداد العرض المسرحي من اجل الوصول إلى التكامل الفني في العرض المسرحي.وبدأ من تحديد المخرج لـنوع المسرح  joiner، الذي يؤهل بالشروع في وضع الخطة الأرضية plan ، وما يتبعها من مناظر وضوء وألوان وحركة وإكسسوارات، وكل ما من شأنه توضيح المعالم النهائية المعبرة عن صورة الشكل والتجسيد في الفضاء المسرحي [ ساحة الأحداث ] المفترضة لحياة المسرحية، أو المكان الذي يتم اختياره في استخداماتها في الفضاءآت المتنوعة: [ المدينة ، الملاعب ، الساحات العامة ، العمارات ، السطوح ، المزارع ، السواحل البحرية أو النهرية أو البحيرات ، الشارع ، المقهى ، المعمل ، السجن … وغيرها من الأماكن المهيأ للفعاليات وأنواعها ]. ولو أن البعض يرى بأن [السينوغرافيا] فن لا يتجاوز فهمه عن حدود الديكور[المنظر]، منطلقين. مبررين ذلك من أن المصطلح الوارد في الدوريات المسرحية الصادرة باللغة الانجليزية، والمستخدمة غالبا في معاهد المسرح في أمريكا وانكلترا. وان الاستخدام الأقرب للسينوغرافيا يكمن في المصطلح [ scene design ] و[ seenichut ] و[ setting ] و[ scenic setting ] وكلها تصب في [فن المنظر](6). إن هذا الرأي وكل ما دار في فلكه من الآراء، لا يمت بصله لمفهوم )السينوغرافيا( مدار البحث إذا ما عدنا إلى تعريفها سابق الذكر الذي اعتمدناه، وهو [فن تنسيق الفضاء]. لسبب هام هو أن {فن المنظر} لا يبتعد كثيرا عن تصميم الديكور في تنفيذه وتركيبه، بعيدا عن خدمته بما يجعل منه مضمونا وشكلا واضحين ومتحركين باللون والممثل وبقية المستلزمات من موسيقى ومؤثرات وما بتبعها من مستلزمات تكوين العرض المسرحي . ان الذي اثار انتباهي في هذه الآراء هو ان أغلبها اتكأ على آراء تؤيد سيادة استخدام المصطلح الحرفي من تسيد [ فن المنظر] بعيدا عن عن تشكيل كامل الفضاء، البعيد عن المعنى الآخر الذي اعتمدناه: [ فن تنسيق الفضاء ] وفي كل الفضاءآت على اختلافها وليس في المسرح وحسب. لكن وعلى الرغم من الاقتراب الكبير بين المعنيين القديم لـ [ السينوغرافيا ]، والمعنى الحالي لها، وكلاهما سيبقى بعيدا عن مفهوم [ الزخرفة] بالمعنى الذي نعرفه، لكنها ستبقى قريبة منه في معنى [ الديكور] فقط، أو انها ستشكل جزءا هاما من تكوينه. على أن نعرف من أن العديد من مصممي الديكور يؤكدون على أن السينوغرافيا ، والديكور ، فنان مستقلان عن بعضهما تماما، وكل واحد منهما فن قائم بذاته، دون أن يلغي احدهما الآخر ، ومن يمارسهما سيلمس الفرق بينهما بوضوح وسيتأكد من الاختلاف بينهما بوضوح.  

      [ السينوغرافيا stenographic ] باعتبارها مصطلحا – في البدء كان يونانيا – و” معناه كل مايتعلق بالرسوم المتواجدة على خشبة المسرح “(7). ورغم الاعتقاد السائد بقوة في أن المصطلح اليوناني هذا لم يكن يقتصر على المناظر وحسب، وإنما تعداه إلى حركتها – المناظر – مع بقية العناصر المكونة لشكل العرض المسرحي كاملا، بدءا” من [ المضمون، وما يتبعه من حركة الممثل، ومستلزمات التنسيق لصورة الفضاء المسرحي. والذي ينطبق على سينوغرافيا المسرح ينطبق على غيره من سينوغرافيا الفضاءآت الأخرى، مارة الذكر. صحيح أنها جميعا ولدت من رحم [فن الزخرفة]، وإنها اشتقت من الكلمة اليونانية skenegraphein والتي تعني: تجميل واجهة المسرح skein بألواح مرسومة، عندما كان المسرح [ خيمة ] أو [ كوخا من الخشب ]، ثم [ مبنى ](8). و- أنا – اتفق تماما مع هذا المعنى لسبب غاية في الوضوح، وهو أن التقنيات الحديثة – المستخدمة الآن – لم تكن معروفة بعد في الفترة الرومانية وما تبعها من حقب، وإنما تدرجت في التطور لتصل إلى ما تعارفنا عليه اليوم بـ [ فن الديكور ]. ومن خلاله ما حصل من تطورات لتصل إلى فنون [ السينوغرافيا ] بمفهومها الحالي والذي نعرفه: [ فن تنسيق الفضاء ]، – حسب معماريو عصر النهضة أيضا – أو كما أطلقوا عليه [فن المنظورات](9). وقد برزت موجة في فرنسا، نهاية العقد الأخير من القرن العشرين، نزعة أخرى ثار أصحابها على كل المعاني القديمة فأطلقوا على حركتهم تسمية [ انفتاح السينوغرافيا ] ، وتعني ” تطبيق ما يتصل بخشبة المسرح في مجالات أخرى غير العرض المسرحي. فبشروا بـ[ سينوغرافيا المعارض ] و [ سينوغرافيا الأحداث الهامة ] و[ سينوغرافيا المناسبات والاحتفالات ]”(10). والتي تهدف إلى “عمارة الفضاء. وخلق إطار معين وتحديد فراغ ما، وإضفاء طابع معين على مكان ما، من اجل شخوص معينة وحكاية ما، وصياغة وجهة نظر أو أكثر”(11). إن استخدام كل الوسائل والمستلزمات الواجب تحضيرها بما يحقق الصورة المثلى لتنسيق الفضاء في شكله ومضمونه قبل التحضيرات التركيبية لها، كي يعرف العاملون – من مصممين ومنفذين وفريق عمل – كيف يتصرف كل منهم في الحيز المخصص لواجبه وإبداعه ضمن مكانه المخصص له في السينوغرافيا ضمن مكانها المقرر المسرح أو أي مكان آخر كان. على أن نعرف بأن أهم المتحركين في كامل الفضاء المنوي تجسيده هو [ الإنسان ] في الفضاءآت خارج المسرح، أما الإنسان المقرر في فضاء المسرح فهو [الممثل] الممتلك لأدواته والعارف بنوع العلاقة التي تجمعه مع كل واحدة من تلك المستلزمات ومنها العلاقة مع الممثلين، وما يحيط به من الكتل الديكورية ومصادر الضوء وما يرافقها من ألوان تحدد نوع تصرفه في فعله وحركته ، وبضمنها المتفرج الذي يتلقى الخطاب المسرحي يدخل ضمن سينوغرافيا المسرح . بل وكل ما ” يشير إلى تنسيق كافة العناصر الداخلة في الإنتاج المسرحي ضمن فراغ محدد هو المسرح “(12) وقاعة العرض وخارجها ، فهي جميعا تدخل ضمن الجو العام الذي يتحكم بالمزاج العام لكل ما يدور في فلك الفنون الدرامية. فلا يقتصر فعل السينوغرافيا على ما فوق خشبة المسرح وحسب ، وإنما يتعداه إلى ما هو خارجها أيضا ، بل وفي الفضاءآت المتعددة ومهما كان حجم فضاءها سواء كان ذلك الفضاء ضيقا حينا أو متسعا في أحايين  أخرى . حيث ينشط في استثمارها [ السينوغراف ]: الرجل الخبير بالرسم والتصوير والنحت والعمارة والمنظور، الذي يبتكر ويصمم وينفذ ما يتاح له من أشكال معمارية فنية وكل أنواع الديكور اللازمة للمسرح”(13) وغيره من الفضاءآت التي مر ذكرها . فهو – السينوغراف – أو – المخرج – الذي يمارس عمله على إيجاد الخطاب المناسب – وفق رؤيته – كي يبثه إلى المتلقي ، من خلال تلك الفضاءآت، ومن خلاله يلعب دوره الذي يريد . وبالتالي السينوغرافيا : كأي فضاء حي دائم التبدل والتنوع ، تماما كما الحياة الواقعية الدائمة الحيوية المتغيرة في تحولاتها المتعددة والمنطقية للأشياء ، بل وحتى اللامنطقية منها أحيانا. والمسرح الذي يخضع للتغير وفق التطورات الحتمية في الحياة ، وفي حركة الممثل المتنقل دوما بين الأجزاء والمحرك الديناميكي لفضاءآت العرض. وهذا لا يمكن له أن يحصل إلا في لحظات ثبات الرؤية الفنية في وحدة فنية وأسلوبية للصورة المكتملة وما يليها من الصور في سياقات التطورات الديناميكية الدراماتيكية للحياة والمسرح ، تماما مثل حركة [المتواليات المنطقية] والمحكومة بقوانين التطور الاجتماعية. وهنا حيث تتدخل ضمن عمليات التكوين ، في الهدم والبناء ، قوانين : [ الكتلة ، والحركة ، والزمن ] مع الاستخدام الأمثل : [ للضوء ، والظلام ، والمؤثرات الصوتية والصامتة ، وما يلحق بها من الملابس على اختلافها ، وما يتخللها من الالون ]، في الفسحة التي تمنحها مكونات فراغ الفضاء من : [ الارتفاع والعمق والعرض ] . وهي المستلزمات التي تساعد الإنسان – الممثل في المسرح ] إلى امتلاك الأجواء في إتقان فعله المسرحي، في تأثيراته العاطفية والنفسية والجمالية، والتي تحقق الإيقاع – نبض الحياة الطبيعية أو المصنوعة، التي توصل الخطاب المطلوب في أحسن صوره. إن في فهم تلك العناصر المكونة للعرض – مجتمعة – كفيلة بخلق صورة السينوغرافيا التي نريد في الحياة أو على خشبة المسرح . وعليه فان الحركة في المسرح وتحريك كامل أجزاء الفضاء ، هي : [ صورة التشكيل الحركي ] أو ما نطلق عليه اصطلاحا [ الميزانسين في حالة الفعل ] .

     والسينوغرافيا فن مركب – كما أسلفنا – ويمتلك التعددية في المعنى أيضا . فهو الجامع لكل الفنون وهو احد تعريفات المسرح الذي نطلق عليه مصطلحا [ أب الفنون ]. أو هو  نتيجة حتمية لجمع شمل كل الفنون في تركيبة واحدة نطلق عليها [ العرض المسرحي ] ، في وحدة أسلوبية وفنية بقيادة [ السينوغراف ] أو [ المخرج ] – الرجل الأهم في المسرح – فهو المفكر ، والقائد ، والمنظم لكامل العميلية في تنسيق الفضاء ، والذي لن يستغني عن جهود المحرك لكل أجزاء السينوغرافيا ، ومكوناتها [ ألممثل ] ، في وحدة متجانسة ، وكل لا يتجزأ . والذي ينطبق على سينوغرافيا المسرح وتنسيق فضاءه ، ينطبق كذلك على الفضاءآت الأخرى – مارة الذكر – المراد تحريكها في السينوغرافيا. وعليه فإن أي تداخل بين عمل [السينوغراف] – إذا ما أفردنا له عملا في العرض المسرحي – يتعارض تماما مع عمل [ المخرج ] في المسرح وربما في مجالات العمل المرئية كافة – لن نخوض في نقاشها لأنها خارج موضوع بحثنا- . وبالتالي فان من يقترح وضع السينوغرافيا المسرحية هو [المخرج] حتما وليس الـ[ سينوغراف ] ، وذلك بعد دراسة علمية مستفيضة لكامل احتياجات شكل المضمون المراد تجسيده . والتي تعني في الإخراج: [علم المرئيات والمسموعات] للخطاب المبني على دراسة وافية التي تلبي حاجات المتلقي الاجتماعية وما يتبعها من إجابات لتساؤلاته وفي البحث عما يخلصه من مخاوفه في الحياة المحفوفة بالكثير من المخاطر.  ولكي لا ينشأ الخلط بين عمل الاثنين [المخرج والسينوغراف ] لابد لنا من الاستغناء عن واحدة منها وبالتأكيد هي  وظيفة – السينوغراف – للتخلص من التداخل في عمل الاثنين معا في المسرح . على أن نتفق على أن في التفريق بينهما ، لا يعني الاستغناء الكامل عن دور[ السينوغراف] في بقية الفضاءآت التي مر ذكرها حيث ستحقق هناك نجاحها الأكيد غالبا ، لكنها لن تستغني في النهاية عن مكملات المشاهدة بالاستعانة ببقية الفنانين – كما في المسرح – بإضفاء اللون والضوء وحركة الناس – من غير الممثلين – في الفضاءآت الأخرى البعيدة عن المسرح.معزولة عن وظيفة المخرج في المسرح، إذا ماتم الاتفاق عليها وممارستها – كدور معزول – له خصوصيته في صناعة العرض، ستعزز النقاش.

      تتنوع السينوغرافيا في المسرح بتنوع الفضاء المسرحي الذي تقدم فيه العروض المسرحية من شكل الفضاء ونوعه ، فهناك الفضاءات المستوية والعلبة والمسارح المقوسة والدائرية ، وكذلك سعة الفضاء وضيقه ، كأن يكون ساحة عامة أو معمل أو مقهى .. وغيرها . كما في تجارب بروك واستخداماته لفضاءات بعيدة كل البعد عن مسرح العلبة الايطالية ولنا في تقديمه لأحد عروضه على ساحل البحر مثلا في مشاركته ألمعروفه في مهرجان شيراز في إيران . أو في تجربة ماكس راينهاردت ، حين قدم مسرحية ( حلم منتصف ليلة صيف – شكسبير ) التي قدمها على مسرح دوار. والبطل في اختيار الفضاء هو المخرج حين يقترح المكان الذي يعتقده مناسبا للمضمون الذي يشتغل عليه ، ويقوم بتدريباته فيه. وهي في كل الأحوال ليست من اختيارات الفنان التشكيلي أو المعماري أو [ السينوغراف ]. ولا نستبعد استعانة المخرج بهم لأغراض تحقيق الانسجام harmony في المنظور التشكيلي، وليس ابعد من ذلك. على أن نعرف بان السينوغرافيا لا تقدم أكثر مما يشاهده المتفرج من تلقاء نفسه حين تستهوية لحظة إبداع تتفق مع استقباله والتي تثير دهشته، للجزء المرئي من كامل السينوغرافيا وليس كلها – أحيانا – كما في الكاميرا التي تلتقط الجزء الهام من وجهة نظر الفوتوغرافي -. إذن [المثير] هو الذي يلعب الدور الهام في المشاهدة، سواء في الفضاء الواسع أو الضيق على حد سواء، وقد لا يثيره شيئا من ذلك الفضاء ، وهو ما نطلق عليه بـ [ موت السينوغرافيا ] أو فشلها. والسينوغرافيا المبدعة التي تحقق الدهشة، تأخذ بنظر الاعتبار ماتم عمله من قبل خوفا من السقوط في التكرار أو التقليد . والسينوغرافيا واحدة من ثلاث وسائل للرسم في البناء المعماري – مسرحي وغيره – وهي:

1)      التخطيط الأفقي.

2)      التخطيط العمودي.

3)      السينوغرافيا، في بقية مكوناتها.

وهي هنا ” تصوير لوجه من وجوه المبنى، والواجهات المتحركة التي تسمح بالحصول على تصور كامل عن مظهر المبنى النهائي عن طريق الحيل البصرية “(14). والحيل البصرية هنا هي ما يضفي على الواجهة من ضوء ولون ، وعليه فهي تأكيد كبير على إن السينوغرافيا هي ليست [ المنظر ] وحسب. والاختلاف في وجهات النظر حول مفهومها إنما تؤكده الممارسة لوحدها ، وهي الكفيلة التي تحسم الخلاف وفقا لتجربة كل فنان . فما جدوى من تأسيس الشكل المنظري المتكامل في ظلمة دامسة ، خالية من حياة الممثل التي تحركها؟ ومن بقية المستلزمان التي تحقق فيها المشاهدة الفنية ذات المتعة الحسية العالية.

      وفي المحصلة نستنج بأن [ السينوغرافيا ] بالنسبة إلى المعماري: هي تصور المظهر التشكيلي الخاص بالحيز الذي يقام عليه العرض ساحة أم ملعبا أم واجهة لبناية ..وغيرها . تماما مثل [ خشبة المسرح حين يعمل على تنسيق فضاءها فنيا [ المخرج]. فـ [ السينوغراف ]: هو مقنن المهمات والمواد التقنية التي يحويها المكان. و [ السينوغرافيا ]: يجب أن تستوعب مكانا فيه: حكاية، وشخوصا، وصياغة. أو باختصار شديد هي: [ إضفاء معنى للفضاء الذي نختاره للعمل ]. وهي منذ المخرج الأول في المسرح الحديث [ ساكس ما يننغتن ] في[ ألمانيا – برلين في 1 مايو 1874 ] الذي دعى إلى” إخضاع المناظر والإضاءة والملابس والماكياج والملحقات الأخرى إلى جانب التمثيل والتخطيط الكامل ، وكلها تجتمع في إطار التأثير العام “(11). في تكنلوجيا التلقي، وبين ايجابية التلقي بين الفرجة والجمهرة ، أنطلق من تعريف التسميه – المصطلح، والذي هو حسب اعتقادي الحلقة الأهم من [الجمهرة] – نسبة إلى (جمهور) – والتي لا تعني بالضرورة (المشاهدة) أو (التفرج)، لأنها قد تعني (التجمهر السلبي) على حدث آني طارئ بدافع الفضول. ولأنها خطأ شاع، منذ بدايات الفرجة في المسرح، فسيكون استخدامه ـ من قبلي ـ هنا واردا. على ان نتفق من ان ذلك لايعني بالضرورة (التلقي السلبي) أو (المشاهدة غير المساهمة)، بل سيعني بالتأكيد (الفرجة) البعيدة عن الجمهرة بدافع الفضول. او المشاهدات شبه القسرية للعروض الاستهلاكية، او ما شاعت تسميتها بـ (التجارية). بل سيشمل البحث، التطرق الى (نوع الرائي) أو المشاهد الذي نفترض وهو (المتفرج الذكي في المسرح)، وليس المتلقي – الخامل – السلبي، ولكن المساهم الإيجابي (المتفرج الذي نريد). ذلك الذي حين يتلقى العرض سيترك أثره بصواب الرأي الذي ينهض بالحركة المسرحية ولا يترك المسرح من أدنى رأي يذكر. لقد شاهدت الذي يجري على المسارح التجارية من تجاوزات خطيرة بعضها يحاسب عليه القانون أن لم أقل جميها – مغاليا -. أما اذا انطلقنا من الرأي الذي يقول: أن وظيفة المسرح ومنذ نشأته عملية – تعليم و ترفيه – لتحمل في طياتها هدفا نبيلا برر للعرب اقتباسهم له عن الغرب، انطلاقا من واجب نشر القيم والمبادئ السامية.

      وحين نتفق على ان الجمهور هو الحالة الاقوى في مكونات العرض المسرحي، ذلك لأنه يحمل ثقافات متعددة ومختلفة. ونحن كمسرحيون نظل قلقين من كيفية ارضاء كل تلك الثقافات المتعددة، في الوقت الذي يظل فيه الجمهور بعيد عن القلق، لأن مسؤوليته واضحة تكمن في التلقي غير المسؤول. والمشكلة الاعظم في مسرحنا العربي: إذا ما سلمنا بأن مسرحنا يتوجه إلى جمهور أُغلبهُ من الأمين(*)، ممن لايحسنون القراءة والكتابة. الأمر الذي دفع بالبعض اعتماد اللهجات المحلية الأسهل فهما بين الجمهور بسبب ارتفاع نسبة الأمية التي تزيد على 75% من مجموع الشعب. وقد راعى البعض من كتاب المسرح هذا السبب فخرجوا بلغة بليغة مؤدلجة ارتقت بهذا النوع من الجمهور. وكان هذا الكسر في مسرح الكلمة كسر ايجابي اوصل اغراضه مع بقية مستلزمات التشويق في مسرح الفقراء. فكانت عراقيا من عروضه المهمة: النخلة والجيران، الخان، فوانيس، الخرابة، بغداد الأزل بين الجد والهزل، البيك والسايق، أيام زمان، القربان، البستوكة، أضواء على حياة يومية، الينبوع، وعشرات وغيرها.

 

 

     وعندما تأكد لهم نجاح هذا التوجه ذهبوا إلى تحويل المسرحيات العالمية إلى اللغة الدارجة ولنا في ذلك مثلٌ أهم مسرحية ( السيد بونتولا – وتابعة ماتي )* لبرتولد بريخت التي قدمها المسرح العراقي باللهجة المحلية ولا أعتقد أن رفيق الصبان قد بالغ حين قال( إنني أعتبر تعريق البيك و السايق أكثر حرارةً من النص الفصيح الذي سبق أن قدمته فرقة لبنانية – في حلب – دون أن تحوز نجاحاً ما ) .

    إن فن المخرج يعني فن الفعل ، أي بمعنى أكثر دقة ، هو إيصال المعنى والمسؤولية والموقف الدقيق إلى الصالة . والثقافة والصحافة عبر تجسيد دقيق لهذا النشاط (الفعل) فلا يتواجد الفعل على خشبة المسرح إلا من خلال ( النشاط و الحيوية ) التي يتولى مسؤوليتها (الممثل ) المتحرك الفاعل الذي يتولى مباشرة في تحريك المستلزمات لكل أجزاء العمل الفني . ولا أُريد هنا أن أُثير تساؤلات سيبرز جوابها ضمنها وهي (ممَ يتكون المخرج ، أو ما هي إمكاناتهِ ، وأي السبل التي يسلك ) وصولاً إلى الحقائق التي يخاطب بها هذا الكم المتناقض ، المتفق ، المختلف ، من الجمهور في القاعة .

    مما لا جدال فيه ، ( فن المتفرج ) ليس فناً بالمعنى الواسع بمقدار ما هو حافز ومنبه للمسرح يوازي ( فن المسرح ) ، وخصوصاً الفن المعاصر ، الذي يعتمد القاعة إعتماداً كبيراً ، فالمعاصرة ليست هي الوعظية المطورة المتطورة لنقل المسرح بل هي النزاع العقلي العاطفي الذي يثير المشكلات ويستثار بها وعليه فمهما إكتمل عمل المخرج في أصولهِ يظل ناقصاً بمعزل عن تفكيرهِ بالقاعة . فالمخرج هو من يضع نصب عينيه كل ( المستلزمات ) التي تحقق الإنجاز الفني الإبداعي (المسرحية) مشروطة بواحدة من أهم تلك المستلزمات (الجمهور) ، فالمخرج هو عين المتفرج طيلة عملهِ على المسرحية ، تلك العين الواسعة المتنوعة التي تمثل كما هائلاً من مختلف الناس بمختلف أهوائهم .

     إذن فخلاصة العلاقة لدور المتفرج في المسرح بالمعنى العميق غير المشروط توضح لنا : كيف إذن يجب أن يلعب هذا المنبه الحافز كما أسلفنا ( أي المتفرج ) دورهُ ليكون أما إيجابياً مبدعاً أ و سلبياً (متلق فقط) ، يعني أن يجيب على الموقع المعني بالسؤال وهو كيف يجب أن تكون التركيبة الكاملة للمسرح المعاصر ، والمسرح في المستقبل ، إذن فالوصول إلى الخلاصة تشترط أن يلعب المتفرج دورهُ كاملاً في المسرح ، مادام هو أحد شروط التكامل الفني للمسرح التي يجب أن يتم توافرها سليمة في قاعة العرض كما يرى ( تايروف ) في دور المتفرج في المسرح وأن التفاعل الحقيقي مع الأفكار المطروحة على خشبة المسرح هو الذي يقود المتفرج نحو مستقبل كل الأشياء ومنها المسرح .

     فمعاصرة الأفكار ومعالجتها يجب أن تتفق مع ما يشغل الواقع الإجتماعي للفنان وعصرهُ . وإذا ما انعكست تلك الصورة ستؤثر سلباً على عمل الفنان وسيهدد أيضاً كامل المعمار المسرحي بكافة مستلزماته . وسيكون المسرح كل شيء الا أن يكون ( مسرحاً ) بالشكل الذي نفهمه .

     هذا هو المنهجي عند العمل على إخراج مسرحية بدءاً من التفكير في إختيار النص . وحتى لحظة انفراج الستارة عن أول يوم للعرض . حيث تبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة إستقبال نتائج سلامة التفكير أو عدمها عندما كنت عيناً في الصالة أيام التمارين ، أذن فالعرض المسرحي الإبداعي هو الذي يحتوي ( المضمون أولاً + الفهم المعاصر للمسرح في أن يكون العرض واضحاً ) ليصل بلا وساطة إلى القاعة من هذا الفهم المتقدم لدور المسرح في المجتمع يصبح أي عرض يقدم . ولا يصل بسهولة إلى ( المتفرج ) عرضاً فاقداً للموقف الفني الذي من أجلهِ أصبحنا فنانين .

     وكما لايمكن أن يكون مسرحا بلا ممثل كذلك يستحيل أن يكون المسرح بلا متفرج , ذلك لان كليهما يحمل ذات الأهمية في عملية الإبداع في المسرح . فهما في حالةمستمره من إحراج أحدهما الآخر بقبول أو رفض الموضوعات والأشكال التي تقدم لهما ومن خلالهما , عبر مجتمع يفرض عليهما بحتميته المتطورة المتصلة العديد من الأفكار . أذن فهذا الموقع المهم لدور المتفرج في المسرح الموازي في الأهمية نسبيا لدور الفنان . لأنه يهدينا عيوبنا ويساعدنا في ازدهار الظاهرة المسرحية ووصولها . ويعني بالضرورة ازدهار المجتمع ، والعكس صحيح أيضا لان المسرح والفنون عموما ترتبط بالجماهير ارتباطا وثيقا .

     أن هذه الأهمية تدفع المخرجين لان يخصصوا الجزء الأهم من عملية اختيارهم للموضوعات التي تعتمد الدراسة الدقيقة للمجتمع وميوله ضمن المرحلة – دراسة سايكولوجيه – متعمقة مع طرح مجموعه من التساؤلات أهمها :

ما الذي يهم المشاهد اليوم ؟

  1. 1.      -كيف يمكن إدراك متطلباته المشبعة لرغباته ؟

  2. 2.      ما هي حاجاته الملحة , وكيف يمكن الوصول إلى خصوصياته ؟

  3. 3.      ما الذي يجري في حياته العامة , والداخلية في وجه الخصوص ؟

…. وغير ذلك من الأسئلة المهمة.

     وفي ضوء تلك المعرفة تتنوع وتختلف المسرحيات التي يتم اختيارها كما يختلف تقديمها ضمن الزمان والمكان ، وطبيعة المجتمع – أي بمعنى آخر – كيف نستطيع أن نتوصل إلى تنوع عددي مقبول من الجميع عبر ريبورتوار متنوع . وبما أن المخرج هو عين المتفرج في القاعة – وهي قاعدة معروفه – يمكنه أن يختار نوع المعالجة , لان المخرج وفي كثير من الأحيان يتأثر عندما يبدأ عملية التجسيد بأفكار الناس الذين لهم علاقة به ويتفقون مع الهم الذي يشتغل عليه . وفي النهاية تجد ان تلك المعالجة ستشمل إيجابيا مجموعه كبيره من الناس , أي أنها تشمل جمعا اكبر من هذا القليل الذي يعرفه ويتأثر به من هذا المجتمع الكبير , وهذا لا يخلو من خطورة قد تحجم الفنان مثلما تحجم الجمهور الخاص الذي يعرفه .

     هذا الفهم المتقدم لدور المتفرج في المسرح يدعونا إلى التفكير بجدية البحث عن السبل الكفيلة بكسبه باستمرار , لان غيابه يؤدي إلى العديد من الأزمات , ابتداءا من خلو قاعات العروض المسرحية من حضوره فيها , حيث تنتفي حينها ضرورة البحث عن صالات عرض بمعزل عن المتفرج المتفاعل – المتطور والمطور – للظاهره المسرحية , ومعها سيصبح من غير المجدي وضع البرامج والتخطيط والريبورتوار . يضاف إلى ذلك أن تقيم الأعمال تلك سينتهي من غير المتفرج . فمجمل النجاح الذي حققته أعمال النخبة من الفنانين دلت على استمرار تواصل الفرجه معهم . وهي محاولة جادة لاخراجه من دور التلقي السلبي في العملية الإبداعية . فهم اخذوا بنظر الاعتبار تطوير موقف المتفرج, ومحاولة إخراجه من موقف التلقي السلبي الذي تغذيه المسارح الاستهلاكية التي –متعمدة أو غير متعمدة – تبعده عن إيجابية التلقي التي يسعى لها المسرح الجاد في النهوض بالمسرح كظاهره حضارية وكمؤسسه ثقافية مهمة في دورها الأهم في التغير والتحريض .

   من العبث ان نقارن بين حالة الجمهور المستقرة والواضحة الأبعاد في المسارح العريقة وبينه في مسرحنا العربي الذي يراوح إلى الان في إيجاد هويته وخصوصيته , وهي مسؤولية مشتركة يتحملها الاثنان معا المتفرج أولا والفنان . الأمر الذي يصعب معها تقديم دراسة مؤكدة للنهوض بهذا الواقع المشترك , وصولا الى المتغيرات التي يمكن حصولها , ضمن فترة زمنية يمكن أن نحددها مسبقا بفترة زمنية يمكن حصرها بموسم مسرحي محدد أو اكثر زائدا نوع وكم الجمهور لهذا الموسم والموسم الذي سبقه والموسم الذي سيليه . مع دراسة أسباب التطور في العدد والنوع . هذا الطموح يكاد يكون من المستحيل استنتاجه أو حصره لاسباب عديدة اهمها :

  1. 4.   المزاجية التي يتميز بها هذا النوع من الجمهور , مثقفون , نقاد مسرح , عاملون في الصحافة , وحتى فنانين … في ادعاء قبول هذا العرض من عدم قبوله , أو في ادعائهم القبول والانسجام معه , لاسباب كثيره منها ما هو موضوعي واكثرها يدخل في المزاجية والقرارات الانطباعية الانيه التي لا يعول عليها علميا . والتي تدعوهم لرفض أعمال غاية في الأهمية وقبولهم عروض أقل أهمية منها . ورغم عدم أهمية تلك الآراء أو أهميتها في أحيان نادرة جداً تحرض قسماً آخر من الحضور الذي يظل أياماً من غير رأي حتى يستأنس بتلك الآراء الانطباعية .

   

      هذا النوع من تقييم الجهود المسرحية – وهو لا يخدم الظاهرة المسرحية ولا يطورها – يؤثر سلباً في تقييم المتفرج الذي نسعى للنهوض بهِ لأنه سيفقد الثقة برأيهِ وبالمسرح . والأنكى من ذلك فإن فشل عرضاً مسرحي لفرقة أو لمخرج يعني فشل موسمهِ الذي لا يتسع لأكثر من عرض نتيجة للظروف الذاتية والموضعية والصعوبات التي تعترض تقديم ذلك العرض .

    هي وقفة إذن وتساوي .. كم تؤثر تلك الآراء المتسرعة في إستمرارية وتطور المسرح عربياً لأن وجود أية أزمة بين المسرح والجمهور سيجعل من المسرح تابعاً ذليلاً لاهثاً وراء ذلك الجمهور من أجل إرضائهِ وتطمين رغباتهِ. وسيكون المسرح في عزلة عن الجمهور وسينغلق على نفسهِ ولن يحقق الصدمة المطلوبة بين الحين والحين الساعية الى تمتين أواصر العلاقة بين المسرح والمتفرج سعياً في كسر مألوف والابتعاد عن التكرار في الشكل والمضمون النابعة من الصدق في التعامل ودقة الإختيار بالموضوعات ذات الصلة به المجيبة عن تساؤلاته والباحثة عن ما يخلصه من مخاوفه ومراعات أسس التوافق النفسي بينه وبين المعاصر من المفاهيم في الحياة والعمل والتساؤلات الأزلية في الوجود والعدم والسعي إلى الحرية المفقودة في أكثر الأحيان .

 

                                                            

المصادر:

       1. محمد داود : (حقي الشبلي.. متفائل لمستقبل المسرج)، مجلة فنون، العدد28، بغداد- 19/شباط/1979، ص49 .

       2.  البايو-ميكانيك Bio-Mechanic: ومعناه، الآلية الحيوية.

      3. غروتسك Grotesque: ومعناه الشائع، هو القبيح-الجميل في الفن، والكلمة من اصل ايطالي. وهي اشتقاق من كلمة بمعنى (مغارة او كهف)، وقد ترجمت الىالعربية بمعنى (المسخ) او(التبشيع). وفي (الأدب) يطلق على النو الكوميدي الفظ في(الأدب، والموسيقى، والفنون التشكيلية، والحركة). وهو من حيث الجوهر عبارة عن خلق فكاهي غريب وغير مألوف، يربط بين اكثر المفاهيم اختلافا دون سبب منطقي ملحوظ. (موسوعة المسرح، موسكو1965)

4. مارسيل فريد نون : فن السينوغرافيا ومجالات الخبرة ، كراس [ السينوغرافيا اليوم ]، ترجمة: إبراهيم حمادة وآخرون، وزارة الثقافة، منشورات مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي 1993 القاهرة ، ج.م.ع. ص8.

  1. 5.      نفس المصدر السابق، ص8.

  2. 6.   سامي عبد الحميد: السينوغرافيا وفن المسرح، بحث قدم إلى مهرجان أيام عمان المسرحية، الدورة الثالثة من 27/3/1996 لغاية 8/4/1996.

  3. 7.   زينو بيوس: السينوغرافيا، ملحق الثقافة الأجنبية، إصدارات وزارة الثقافة والإعلام، دائرة الشؤون الثقافية للطباعة والنشر، بغداد 1980، ص128.

  4. 8.      مارسيل فريد فون: ص13 .

  5. 9.      الياس أنطوان الياس: {القاموس العصري} المطبعة العصرية، ط1، ج.ع.م، 1956.

10.  مارسيل فريد فون: ص8 .

11.  مارسيل فريد فون: ص8 .

12.  لوي دي جانيتي : كتاب ( فهم السينما ) ترجمة : جعفر علي ، دار الرشيد للنشر ، بغداد 1981 ، ص75 .

13.  مارسيل فريد فون: ص8.

14.  مارسيل فريد فون: ص13.

 

 

 

 

Posted 09/01/2010 by talibart in دراسات

من اجل حملة لاطلاق سراح المسرح من خاطفيه / حيدر الشلال – استراليا – سدني

من اجل حملة لاطلاق سراح المسرح من خاطفيه

حيدر الشلال

halhajjaj@yahoo.com.au

هل ابدا بتاريخ المسرح والهالة القدسية التي احاطت به ؟؟
ام بمذاهبه ومدارسه واتجاهاته التي تملأ المكتبات تنظيرا عنه؟؟
ام براوده في كل بقاع الارض وعلى مدى التاريخ وكيف انهم اضحوا رموزا كبيرة لتاريخ وحركات الشعوب؟ هل انطلق معكم من دوره وتاثيره وانجازه وهو من أسهم بدفع المجتمعات للارتقاء والتطور والتحرر والانعتاق وكسر قيود الرق والعبودية وافشاء روح الحب والخيروالعدل والسلام وشجع العمل والتحدي والبناء والتحضر.. وهل يكفي ما نقوله عن معبد جعل الانسان مركزا ومنطلقا له والجمال فضاءا يحتويه؟؟أأذكركم بالمسرح في العراق وعظمة الدور الذي لعبه واسهم به ؟ام بكوكبة شهدائه ورواده ونجومه وعشاقه ؟
ساكتفي بدعوة ومناجاة وشجن.سانطلق مستعيرا جملة واحدة وكفى بها ايجازا(المسرح مدرسة الشعوب).

المسرح في بلدي اسير يستصرخ ذوي الضمائر الحية من المهتمين والمتابعين, المحبين والمختصين.المسرح في العراق اسيريستغيث بكم فهل له من اهل واقارب او محبين يسعون بتحريره وان بدفع الفدية عنه. المسرح في وادي الرافدين مصدر الحضارة والتمدن لكل شعوب الارض يستصرخ نخوتكم فهل من منتخي.؟المسرح في بلد التراجيديا الانسانية محرم ولم يحرم من الذبح الحلال, فهل من يد تردأ عنه سكين الشريعة المفرغة من محتواها .انه يأن الا من اذن تصغي لانينه وصوته المرتعش يقول:
احبائي..اصدقائي..ايها اللاعبين على صدري .. ايها الباكين في احضاني..يا من سلطت عليهم اضواء انارتي..ايها العاشقون الهامسون خلف كواليسي.. وانتم ايها الناهلون عزما ومرحا وانا ازقكم من ينابيع علمي ومعرفتي وحبي وسلامي وجمالي ..اااه….القيد يؤلمني… سارفع صوتي مذكرا بل معاتبا…الم اقف مدافعا عنكم ؟ الم أعطِ أعز أبنائي فداءا لكم؟ الم ابكِ لبكائكم وارسم البهجه على محياكم؟ الم أحزن لاضحككم؟ الم اقل كلمتي وجها جميلا بوجه اعداء الجمال؟ الم اجعل الصمت يطلق صرخة الخلاص بوجه ظالميكم؟انا من حرر اسراكم اقف اليوم تحت سيف النحر مأسورا في زنزانة لا يدركها النور..العتمة تقتلني.. وهل اعيش بغير النور..
انا الاب الشرعي للفنون.. والام الحاضنة لاحزانكم وفواجعكم ..حملت همومكم والقيت بها بوجه حاكميكم دون وجل او خوف..
تعالوا .. انظروا حالي باالأسر .. زنزانتي تضج بالاصدقاء.. انها الموسيقى غذاءروحكم.. السينما روح عصركم.. والنحت والرسم . . الغناء ..الرقص الشعبي ..الاندية ومقاهي الفنانين.. حتى الحلاقة ونقش الازياء تنعى في ركن زنزانتها الحياة..
انجدونا ..انقذونا .. اطلقوا صرخة من اجلكم .. من اجل مستقبل ابناءكم..
صرخة مسالمة من اجل تاريخكم و اجيالكم ..هزوا عروش القهر والظلم والجهل والظلامية والتخلف بارديتها الجديدة..فنحن اداتكم الطيعة باياديكم ..قولوا قولة عنا, بنا……دعوني اهمس الان باذانكم خوفا على ابنائي الخلص ..لقد حاولوا فك اسري بتنظيم سري اختاروا له مكانا بائسا لانتاج مسرحي يكسر حلقة من سلاسل القيد حول معصمي غير ان يد العابثين امتدت لهم مهددة بالسلاح واعدة بالموت لهم ان اشعلوا اضواء قاعتهم….قالوا لن نستكين.. عملوا سرا في بيوتهم وهم الان يخفوني بحقائبهم على امل تهريبي الى الخارج عسى ان احضى بنفس من نور..فقراء يدفعون مرتباتهم,ثمن وجباتهم,كسوةعيالهم,امنهم,رعب عوائلهم,يستدينون من اجل دعوة للحب..من اجل ان يسوروا الوطن بسور يحميه من غدر اخوتهم قبل اعدائهم..قلبي يتفطر عليهم خوفا وهم يرفعوني راية من اجل رقيٌ قرٌة اعينهم العراق..ادعوا لهم معي..واحموهم ان عادوا بل افخروا بهم واحموهم ..بل جازفوا من اجلهم فقد اوقفوا العمر لاجلكم..(ساصرح عنهم وعن مشروعهم ومشاركتهم في مهرجان عربي دعوا للمشاركة به..قريبا)
ساكتفي بهذه المناجاة معكم واقول:
كان في بلدي الذي زادت جراحه بيد مطببيه, كليات ومعاهد للفنون..اقولها بصيغة الجمع فهي كثيرة.. في بلدي مدارس للفن الراقي تشمل حتى السمفونية والباليه.. في بلدي اجيال من الاساتذة وطلاب الفن بنين وبنات.. في بلدي مبدعين ومبدعات.. مطربين ومطربات ..مخرجين ومخرجات ..ممثلين وممثلات ..كتاب وكاتبات .. عازفين وعازفات ..في بلدي من لا يمارس الفن يهواه ومن لا يهواه يشجعه و لا يعاديه..
غير ان بلدي سطت عليه عصابة من ملثمين..حجبوا المسرح وحرموا الفنون..حرموا اختلاط الاناث بالذكورفصارت معاهده قسم للبنات وقسم للبنين..
احتلوا المسارح وقاعات الفنون..صارت لتخريج وجبات لضاربي الزنجيل والقامات..ومفخخي الاجساد والسيارات ..وضاربي الفنانين بالنعل وشاتمي المبدعين ومكفري اصحاب الراي الحر ودعاة الحضارة والجمال.. صارت المسارح مشاجب.. والقاعات قواعد انطلاق حملات القتل والاعتقال وتكميم الافواه.. هل بالغت..؟؟لا بل لا زالت اجامل ازاء ما يعتمل في صدور المفجوعين وهم يرغمون على الصمت او يرغمون لمغادرة العراق..اهو زمن العودة ام زمن الرحيل..؟؟
نعم انا مجامل كبير لا يقدر على تفجير حقيقة المعاناة ..بلد يحتظر وثقافة تذوي وشعب يموت..ولاني احمل الهم بطريقة تعذيب الذات..وتلك خصلة اعاني منها.. لذا انا القي العبء على كل حريص يرى ان دوره قد حان ليكسر حاجز الصمت وحاجز الصوت..على من يدرك ويعي خطر ما يجري وما هو مضمور للمستقبل….على الاشخاص والمنظمات والاحزاب ..على الصحف والمجلات والاذاعات والفضائيات..على المنتديات ومواقع الانترنت..ليس في وسعي سوى الدعوة لحملة حقيقية ترفع الاسر عن الفنون وتطلق عنان الحياة في بلدي ..هل طلبت الكثير..هل تجاوزت حدود الكبار..اذن ساكتفي بالقليل..ساكتفي بطلابي واصدقائي ومن حضر درسا او عرضا لي..ساكتفي بمن لا يملك شيئا يخسره..وهل عند مبدعينا ما يخسروه غير اغلالهم..املي بهم كبير..وساختم باخر جرح اوجعني,وهو من مقدمة نشر بها الصديق الكاتب المسرحي فلاح شاكر-وهو واحد من كبار مؤلفي المسرح العربي- سيناريو مسرحية العرس الوحشي يوم امس على الحوار المتمدن, معلقا انه(ضد النشر لاسباب موضوعية وخاصة,اما الان وقد اختنقت العروض المسرحية في العراق فاني مضطر للنشرلاقول كلمتي).

 

 

Posted 31/12/2009 by talibart in دراسات

ستانسلافسكي ، من رواد فن التمثيل العالمي – عامر موسى

ستانسلافسكي ، من رواد فن التمثيل العالمي

عامر موسى الربيعي

Alrubaiay_47@ yahoo.com

ستانسلافسكي ، اسم معروف في أنحاء العالم ، وخاصة في مجال الفن المسرحي ، ( كوستانتين سيرجيفيتش ستانسلافسكي ، 1863- 1938 ) ممثل روسي ، مخرج مسرحي ، معلم المسرح الحديث ، مدير مسرح موسكو الفني ، حاز على لقب فنان الشعب في الاتحاد السوفيتي آنذاك ، رفض أسلوب الحماس الخطابي للتمثيل من اجل مدخل أكثر واقعية ، ركز على القواعد النفسية لتطور الشخصية ، وأسس أستوديو الممثل على طريقته و منهجه ، الواقعية لا ترتبط كاتجاه في الفن المسرحي بكاتب أو مخرج من رجال المسرح الحديث ( مسرح القرن الحديث ) مثلما ارتبط باسم ستانسلافسكي وطريقته ومنهجيته في الواقعية السايكلوجية فهو أكثر من حققوا عن جدارة صفة العالمية بصورة عملية ، وحاز ستانسلافسكي على مكانته ليس بسبب عروضه التجريبية الرائعة أو أرائه السياسية الساخنة ، بل لأنه كان و بحق أول معلم تمثيل حقيقي ، أي أول من امتلك طريقة ومنهج في تدريب الممثل ، وقد كان ظهور ستانسلافسكي هو خطوة مهدت لها كافة خطوات التطور السابقة للمثل الجمالية ، للواقعية الروسية خلال القرن التاسع عشر ، فقد جاء إبداع المنهج تأسيساً على أفضل ما في التقاليد الفنية الروسية ( تقاليد إبداع جوحول ، بوشيكن ، لير منتوف ، ليو تو لستوي وغيرهم ) ألا انه يبدو أن التأثير الخاص على الصياغة الجمالية لنظرة ستانسلافسكي هو ماكان لكتابات ( تسيخوف وغور غي ) الدرامية ، وهي الواقعية التي تختلف بالمرة عن الطبيعة التي سادت المسرح الأوربي وحتى ذلك الوقت ، والتي فرضت على الكل مناهضتها لما فيها من سطحية وشكلية فارغة ، وكما يشير وكما يشير أن الواقعية ( لم تعد هي واقعية البيئة ، أو الصدق الخارجي بل واقعية الصدق الداخلي في حياة النفس الإنسانية ، واقعية المعايشة الطبيعية التي تتماشى بطبيعتها مع مشارف المذهب الطبيعي الروحي ) في أولى مراحله الفنية الأولى ، كان ستانسلافسكي ( ككل المبتدئين ) يقلد العديد من الممثلين الكبار ، وقد مثل في حياة عشرات الأدوار الكوميدية الغنائية الراقصة في الفودفيلات ، الاوبريتات التي كانت تقدمها حلقة الهواة التي كونتها عائلته ، وكان لهذا ميزة ، انه سرعان ما أدرك انه تقليد النماذج الأخرى مهما يكن فانه يقود إلى ثوابت شكلية ، أكليشيهات ) ، و أن البحث في الحياة و الطبيعة هو ما يقود الفنان إلى طريق واسع إلى الفن الحقيقي المتسع ، وهكذا قرر رفض الأسلوب الخطابي والحماسي للتمثيل من اجل مدخل أكثر واقعية ، مركزاً على القواعد النفسية لتطور الشخصية ، و على هذا الأساس أقام منهجه ( طريقته ) من خلال عمله في مسرحه ، مسرح الفن ( 1898 ) موسكو ، و لكن ما هي حقيقة هذا المنهج الذي أورثه ستانسلافسكي إلى تلامذته في العالم اجمع ، ليس في روسيا فقط ، يتألف المنهج وفق الخطة التي وضعها ستانسلافسكي نفسه لمؤلفاته في مدخل و قسمين :

المدخل هو كتاب ( حياتي في الفن ) حيث يعرض فيه منطلقاته الأساسية في الفن المسرحي معتمداً على تجربته الذاتية.

القسم الأول ويتألف من جزئين بعنوان ( عمل الممثل مع نفسه ) و هما :

1- أعداد الممثل في المعاناة الإبداعية ( الداخلية ).

2- في المعايشة و التجسيد ( الخارج ).

القسم الثاني هو كتاب ( عمل الممثل مع الدور ) أو ( إعداد الدور المسرحي ) ، هذا عدا أبحاثه و كتاباته النقدية في الفن المسرحي ، فن الأوبرا وأيضا رسائله ، ونشرت ( مجلة أفاق المسرح ) المصرية العدد 21 أن ( د. شريف شاكر المخرج والباحث السوري ، قام بترجمة هذين القسمين إلى العربية عن الروسية ، بعد أن كان متوفر من منهج ستانسلافسكي هو الجزء الأول في القسم الأول والمترجم عن الانكليزية ، وهو ما أدى لفترة طويلة إلى انتشار فهم منقوص و خاطئ لمنهج ستانسلافسكي من جانب المسرحيين العرب خاصة ).

وتختلف طريقة أو منهج ستانسلافسكي عن غالبية الطرق المسرحية السابقة عليها ، كونها لا تطمح إلى دراسة النتائج النهائية للإبداع ، ولكن إلى تفسير الدوافع المؤدية إلى هذه النتائج أو تلك ، فمن خلالها تحل مشكلة ( السيطرة الواعية ) على العملية الإبداعية اللاواعية ، وتتبع خطوات عملية التجسيد العضوي التي يجريها الممثل للشخصية ، والمهم أنها لم تكن مجرد نظرية صرف بمعزل عن التجربة الكلية الإبداعية و التعليمية لستانسلافسكي نفسه ، ولمسرحه ، وقد سماها ( فن المعايشة ) ، ولا يعني هذا الاصطلاح الذي عانى من التباسات كثيرة ، أن يفقد ( الممثل نفسه في الشخصية ، بل يعني إلى ما اشرنا إليه في عملية ولادة أو خلق الممثل لـ ( شخصية إنسانية جديدة ، على أساس من الصفات الفردية الخالصة ، أي يخضع الممثل ذاته و أفكاره ومشاعره لجميع الدقائق وخصائص إنسان أخر ).

فالصدق الذي يسعى إلى تحقيقه الممثل وفقاً لهذه الطريقة ، وليس هو بالمرة صدق واقعي ، بل هو الصدق الفني ، الذي يؤمن الممثل بوجوده في نفسه وعند الآخرين من فريق العمل المسرحي وبدون هذا الصدق لا وجود للعمل الفني الخلاق على المسرح ، فهو يؤكد على ( المنحى الخيالي ) الذي يرتبط به ، حيث أكد على العمليات الداخلية لدى الممثلين ، وأكد على الوسائل التي يستطيع الممثلون من خلالها استحضار في مجال خبراتهم و المواقف والانفعالات التي يمر بها الكاتب المسرحي ومحاولة أن يجعل من الشخصيات المسرحية التي تشعر بها ، وتمثيل الممثل ما يمكن أن يكون عليه هذا الدور في الموقف الدرامي على المسرح ، ويفكر قائلا ( ما الذي ينبغي أن افعله ) واستخدام ( لو) السحرية التي يعتبرها ستانسلافسكي هي المفتاح الخاص الذي يفتح باب التجسيد الخيالي للمشاعر والانفعالات وعلى نحو يتم بالكفاءة ، وهناك أيضا ( المذاكرة الانفعالية ) التي توكد على محاولة الممثل والممثلين تذكر المناسبات التي حدثت فيها ، أو من خلال حياتهم والظروف المماثلة لها في المسرحية ، بعدها يعيدوا تكوين أو إيقاظ ذلك الانفعال الذي كانوا يشعرون به من خلال ذلك الزمن الماضي ، و دمج الانفعال والإيماءات التي احى بها أو استثارتها في المشهد الدرامي الآني وبشكل مناسب ، أي تكيف ما في داخله بما يتناسب مع الدور ، مع التأكيد على تجنب ( الإحساس المتطرف ) الذي يبديه الممثل على خشبة المسرح ، لما له من تأثير سلبي في إيقاف التواصل مع المشاهد ( المتلقي ) ، كما يقول ( لكل لحظة فعل يرتبط بشعور محدود ، وكل شعور يستدعي بدوره فعلاً محددا ، أي يعرف من أين هو آت و لأي سبب موجود ، وعكسه فان ما يقوم به عبارة عن شعوذة وليس فعلا نموذجيا ، أي انه أدرك أن عليه جعل منهجه يعمل وفق ( من الداخل إلى الخارج ) ، والفعل ألبدئي الفيزيولوجي هو نقطة الانطلاق في خلق أو تخليق الشخصية ، إذ كيف يمكن البدء مع الممثل من ( الخارج إلى الداخل ) بدون دور مكتوب ؟ ، أن الارتجال الوسيلة الناجحة التي اكتشفها ستانسلافسكي أنها قوة دافعة لخيال الممثل ، وهو تأكيد للدخول إلى الحياة الشخصية الداخلية ، بصورة أكثر صدقا و هو الأساس في حل المقارنة القائمة في فن الممثل ، الوهم – الحقيقة / الخيال – الواقع . أي بالانتصار للواقعية وللحقيقة السايكلوجية ، وجعل الشخصية الخيالية تصبح شخصية واعية ، بواسطة خلق ( حياة الروح الإنسانية ) من روح الممثل. وفي قميص الشخصية أي ( موّلد كائن أنساني لا سيما في هذه الحالة الخاصة ، الإنسان – الدور ).

1- أعداد الممثل .

2- أعداد الممثل ، في المعاناة الإبداعية ، د.شريف شاكر – مجلة آفاق المسرح.

3- نظرية المسرح الحديث ، اريك بنتلي .

Posted 30/12/2009 by talibart in دراسات

المسرح والمجتمع..غائية التلقي المسرح العراقي نموذجا – خليل الطيار

خليل الطيار , كتب لي هذه الكلمات , فخورا , كتب ل ( بابات ) :

 الغالي فائز .. كنت ولاتزال مصدر ابداع وتواصل , وانا مسرور بهذا الاصرار على المسك بعشبة النجاح . موقعك بابات , اضافة واسهامة جادة لثقافة مسرحية , سأحاول ان اقدم لك مايخدم الموقع بالوقت المتاح , تقبل محبتي وارجو ان تكون هذه المادة متناسبة والسياق الموضوعي للموقع …

   وقبل ان انشر موضوع الزميل الاستاذ ساقول لكم من هو خليل الطيار ..

محظوظ من يعرف خليل الطيار , الابداع في شرايين خليل كريات دم بلون آخر , وتلافيف مخ هذا الرجل تشتغل فيها ثقافة اصيلة متفاعلة صاعدة خلقتها عصاميته وارادته في التغيير , تغير نفسه , المحيط , خليل يرى في نفسه انه مسؤول عن ثقافة أي صديق يعرفه , او اي احد , وعندما كان طالبا في المعهد كان ينتخب كتبا وبمنهجية ليهبها للطلبة من مختلف المراحل ويسالهم من ثم على مناقشتها , خليل الطيار مشاكسا غريبا جريئا في ايام النظام السابق العصيبة , ليس لموقفه الرافض دائما وانما لايمانه ان الثقافة موقفاجريئا مواريا لموقف العصر والمجتمع والنظام . فقدم مع اول دورة انتخابية اقامها النظام السابق مسرحية ( حصان في مجلس الشيوخ ) وهي اطروحة تخرجه . بربكم , من يقابل النظام السابق انذاك وبتلك الظرفية مسرحية فيها برلمان شكلي ودكتاتور اصيل وحصان مرشح مطلوب من الديموقراطية الصورية الموافقة بالا جماع على مزاج الرئيس . في حصان في مجلس الشيوخ جمع الجمهور مع اعضاء مجلس الشيوخ ( الممثلون ) في فضاء واحد ليتذوق الجميع بصقة حقيقية من الحاكم . لتحسم العمل خطبة القائد العسكري الذي يشبه موقفه موقف ( كنت) الرافض  في (الملك لير ) ليقول للطاغية ان هذا الشعب يستأهل تلك الركلات لقبوله بها , اما انت ياكاليغولا , ف ” لمزبلة التاريخ ” من كان يجرؤ على تقديم خطاب بهذه المباشرة في عام 1980 . اذا عملت ممثلا مع خليل الطيار فانه يعلمك ان المسرحية درسا في القراءات المتعددة ليس في النص وانما في المحاور الموضوعية التي يشير اليها النص , في ذلك الوقت , طلب خليل الطيار من ممثليه , زملائه , قراءة في العقد الاجتماعي لجاك روسو و ( الامير ) فكانت صناعة الشخصية والموقف العام للمسرحية يرسمها فهم الاطر الموضوعية البعيدة عن النص وليس القريبة منها . خليل الطيار اذا استدان منه طالبا مبلغا من المال وكان لايملكه يستدين ليعطي , خليل , يعلمك ان الكرم يبدأ بان تشع ثقافتك , ماتملك من معرفة , الى التضحية , وكأن الانا الحقيقية هي ان تنكر نفسك للاخر , خليل علمني ان المعلم الاول لك هو الصديق . وان المعلم الاول للصديق هو انت.. ابتعد خليل الطيار عن البصرة الى  كربلاء وانقطع عن المسرح مخرجا , منذ اكثر من 25 عاما , ولكن اسطورته يتحدث بها جيل لم يره.

                                                                                                                                        فائز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ورقة عمل مقدمة إلى مهرجان المسرح التجريبي في ميسان

 

المسرح والمجتمع..غائية التلقي

 المسرح العراقي نموذجا 

 

 بقلم * خليل الطيار

 منذ أن نطقت الكلمة على المسرح ولد فن التلقي  فبدأت عناصر المسرح ترتبط  يهما بعلاقة ثنائية لا يمكن أن تفترق أحداهما عن الأخرى منشئة متلازمة، أحدى عناصرها تكمل الأخرى وفق جدلية المسرح،  فالمسرح نتاج معرفة مجتمعية، والمجتمع تشكل جمعي ينقاد لوعي وخطاب المسرح ومضمونه….. من هنا تتولد العلاقة السسيلوجية بينهما  وتلك قوانين فلسفة المسرح منذ أن انطلقت الممارسات الطقسية له ،مشترطة وجود الجمهور قاعدة ارتكاز لفعالياته .

وهكذا تطور المسرح بتنامي المعارف بين المجتمع كمنظومة منتجة للأفكار في حركته التاريخية،  وبين تطور مفردات المسرح كمعايير وأسس  جمالية ، رغم إن وجه الارتباط  في هذه المشترطات لم تقو حرفيات  المسرح وتطور آلياته الفصل بينهما، والمتأتية من أطروحات نقدية تفصل بين غائية المسرح وعلاقته بالمجتمع وتحاول الإجابة عن اسئلة ماهية نتاج المسرح هل هو تلقي نخبوي أو تلقي جماهيري واسع الطيف؟

 وإذا ما استبعدنا التطور في التقنيات المسرحية التي أثرت بشكل التعامل مع الجمهور وغيرت من خطاب التلقي عنده على أسس تحديث المنظومة الجمالية للمسرح والتي رمت بضلالها على تغيير نمط العلاقة بين المسرح والمجتمع عندما تلاعبت بالمكان والزمان والغايات والوسائل  لكن هذه التطورات الجمالية لم تتحرر من مدرستين نقديتين فسرت كل منهما غائية المسرح ودوره في المجتمع وظلتا تكيفان مفهوم المسرح على وفق نظرياتهما .

 الأولى تكيف نتاج المسرح تكيفا اشتراكيا بإخضاعها المسرح لفلسفة وسائل الإعلام والثقافة الجماهيرية المنمية لوعي المجتمع والهادفة لإعادة بنائه، فهي تهتم بأطره العامة على أساس مشاريع التنمية البشرية  فتعمل على توسعة مساحة تلقي الجمهور لنتاج المسرح وتنوع مصادره لإحداث الأثر المطلوب في وعي المجتمع والانتقال به من  حالة  الجهل إلى التنوير….

 والمدرسة الرأسمالية التي تهتم ببناء الفرد على حساب المجموع وتجد في المسرح ترف جمالي يخضع لذائقة النخب المحدودة، فهي لا تسعى لجذب الجمهور إلى المسرح بل تريد من يختاره ويرتاده..

 واجد إن مجمل ما يدور من أفكار حول علاقة المسرح بالمجتمع محكوم وفق هاتين المدرستين.. والسؤال الأهم التي تثيره ورقتنا النقدية  أين موقع مسرحنا العراقي في جغرافية غائيته المجتمعية ؟ سنحاول أن نستقرأ جملة عناصر في أفق مسرحنا العراقي ماضيا وحاضرا

 

1-    غائية تلقي المجتمع للمسرح:

                                                                              

 قضية في غاية الأهمية في هذا الجانب تتعلق بكون الجمهور يدرك جيدا إن ما يجري على المسرح هو الوهم وليس الحقيقة وان المدونة المسرحية هي ترتيب لأوضاع وأزمنة قد مضت فما هو المبرر من إعادة مشاهدتها من جديد ولماذا يأتي الجمهور بنفسه إلى محيط مساحة ضيقة ينحصر فيها بظلمة بعد إن ينتقل من مساحة الفضاء الواسع المليء بالإحداث والمستمرة في واقعها ؟

 تلك هي ابرز ما يميز جدل التلقي في المسرح منذ نشوؤه والى ألان، فالإنسان بطباعه                الغريزية  ميال إلى لغة المشاركة الجمعية مع الأخر منذ أن نما في مجتمعات صغيره عمد على تطوير قابلياته بالاقتراب من الأخر والنفاذ من محيطه الذاتي الخاص الى محيط الجمعي العام ، مدركا حاجته إلى الإصغاء للأخر والتحدث والمشاركة معه لإثبات وجوده من جهة ولاختبار مكامن القوة والضعف من جهة أخرى. والتعايش المجتمعي يجعله قادرا على ممارسة الإرادة  لتبني وسائل وأنماط العيش الجديدة أو العمل على تطوير أداءها أو يتعلم من أخطاء الآخرين لغة المقارنة لتثبيت القناعة بتجاربه الخاصة ومن هنا تنشئ دوافع التغيير الفكري والحسي في دواخله .

والمجتمع يتوازن مع العرض المسرحي على أساس المعرفة المسبقة لقوانينه ولعبته ويدرك جيدا وجود مضامين  على المسرح ستعرض وتسرد  إمامه أما أن تكون جديدة عليه فيتبناها أو ماثلة لدية ويتأكد من قناعتها أو وجود متغيرات فيها  فيعمل على تبني الأصلح منها .

 وتلك واحده من أهم غائيات المسرح في المجتمع والمتمثلة بتغيير القناعات بالارتباط مع مساحة خطاب الأفكار المطرحة والمتبناة في العرض المسرحي.

من هنا ندرك جيدا إننا في المجتمع نحتاج غائية المسرح على أساس وجود رغبة مسبقة لرؤية ذواتنا  تتتصارعها  إراداتها المختلفة إمامها  تختلط فيها متبنيات  الخير أو الشر أو الفضيلة والرذيلة ويأتي العرض المسرحي ليؤسس مستقرا في تبني  الإرادة الصحيحة بممارسة فعل التطهير عليها،  تارة بالضحك أو البكاء لتبني الجمال في الحياة  وتارة أخرى بالتحريض ضد القبح فيها ، وتتواصل الرغبة المشتركة بين المسرح والمجتمع  متنامية بينهما على أسس تطوير حاجة كل منهما للأخر المجتمع من جهة تطور وتعقد معطيات حياته المجتمعية  والمسرح  بقدرته على تنمية فن الإصغاء والحوار والتلقي والاشتغال على القيم المجتمعية بالمعايير الجمالية .

 

2-    غائية المسرح في الإطار ألسياسيي:

 

 لا شك إن المسرح يتأثر بالمناخ السياسي الذي يمر به المجتمع ويمكننا القول إن في غياب الديمقراطية لن نستطيع أن نؤسس لمسرح اجتماعي  لان الأنظمة الدكتاتورية سوف تعمل على واد كل نشاط مسرحي من شانه إن يرتقي بالمجتمع ويضعه في زاوية المواجهة وطلب التغيير.

وأجد من الأهمية بمكان القول إن المسرح العراقي منذ أن نشأ وتلمس محاولاته الأولى وبعد أن عاش العراق مخاضات سياسية تنازعت فيه قوى اليمين واليسار كان مسرحا  لا يرتهن لمشيئة النظام السياسي الحاكم للبلاد  بل كان كثيرا ما يتمرد على أطروحاته  مرتميا بأحضان المجتمع ينهل من معين مشاكله ويدافع عن قضاياه فهو مسرح مجتمعي النزعة أكثر منه مسرح سلطوي الاتجاه.

  ومن خلال مراجعتنا إلى نتاجا ته الأولى نجده مسرحا قد حدد خطابه الفكري منذ البدا ليكون بمصاف المجتمع ومع قضاياه المصيرية. ولم يكتفي المسرح العراقي إبان هذه الفترة من التعامل مع قضايا المجتمع العراقي بأطر محلية ضيقة بل رحل مدافعا عن قضايا الإنسان في إطار المحيط العربي والإقليمي وما مرت به من نكسات وتداعيات ،كان المسرح العراقي سباقا لمناقشتها وتسليط الضوء عليها وهو ما اكسبه صفة الصدام والتحريض ضد الواقع ولم يكتفي بذلك فحسب  بل انطلق من محليته لمناقشة أوضاع الإنسان مدافعا عن قضاياه في محيط العالم الواسع  وانشغل مسرحنا  في الدفاع عن ثورات التحرر في إفريقيا وكمبوديا وأمريكيا اللاتينية .وفي كل ما يمس الإنسان في مشارق الأرض ومغاربها.

 وهي الخاصية الأساسية في جوهر مسرحنا العراقي التي جعلت السلطات المتعاقبة تنتبه لنتاجه وتمارس دورها في استغلاله على أساس النفعية المترتبة منه.

 فإذا ما وجدت فيه وسيلة لاستدلال المجتمع عن مشاكلها وأداءها السلبي من خلال ما يطرحه من قضايا حساسة تلجأ الى محاربته وغلق مسارحه  ومطاردة رجاله  وهو ما حصل إبان فترة الستينيات وبداية  السبعينيات التي ظهرت خلالها المسرحيات العراقية المناوئة لسياسة الأنظمة القمعية .

 وعندما تحتاج السلطات من المسرح غائية نفعية  لتعبئة المجتمع بسياستها سرعان  ما تتخذ من المسرح وسيلة لبلورة نتاجه وفق محدداتها وهو ما ما انعكس في مستوى النتاج المسرحي في فترة الثمانينيات عندما أصبح مسرحا بواق للنظام ومجريات سياسته الهوجاء وباتت مسارحه تنشغل في تعبة المجتمع بسياسة الحروب والتطبيل لها وإبراز انتصاراته المزيفة دون أن يأبه بحجم الدمار والماسي التي خلفتها الحروب والتي كانت تمنع أي محاولة مسرحية  لتناولها من على خشبات المسارح  وتعتبرها خطوطا حمراء  تقهقرت على أثرها غائية النتاج المسرحي الاجتماعي  وأصبحت غائية  ترتمي بأحضان المسرح التجاري عبث به النفعيون كيفما شاءوا تحت أنظار ومباركة أجهزة النظام وسخرت كل الطاقات والوسائل الدعائية لئلا  يتحول المسرح إلى سلاح من أسلحة  التحريض الجماهيري ضد الحرب بل اتخذته وسيلة لتخدير المجتمع والتهريج والتسفيه على حساب قضاياه ومعاناته وهو ما دفع المسرح التجاري في حقبة الثمانينيات للازدهار بقوة وبفترة سريعة أصبحت خلالها العروض المسرحية تعج بالابتذال وتحولت المسارح إلى حوانيت لبيع  بضاعة رخيصة  لتهديم المجتمع، بعد أن كانت مسارح لممارسة التنوير والتحريض.

 

 

3-    الخاصية المجتمعية وتأثيرها على مناخ التلقي:

 

 تلقي الخاصيات المجتمعية بتأثيراتها على النتاج المسرحي وترمي بظلالها على خطابه الفكري وهو ما اتصف به المسرح العراقي في مجمل تاريخه  إذ لم  يقف عند نمطية اجتماعية محددة بل تعددت أنماطه لمحاورة مجتمعية واسعة ومتنوعة  فالإنسان هو المعيار الأساسي لغائيته سواء كان عاملا أو فلاحا أو مدنيا كان أو ريفيا  امرأة أو رجلا طفلا أو شابا  فاضلا كان أو رذيلا تتعامل مع معطياته الفكرية بمستوى واحد من الاهتمام فهو مسرح لا طبقي متنوع الأطياف ناقش مختلف الخاصيات المجتمعية باختلاف مستوياتها الفكرية والاجتماعية والمذهبية  ولم يجتزئ قسم منها

 ولم يكتفي  بتناول قضاياها في حدودها المحلية فحسب بل تجاوزه الى ما هو ابعد من ذلك ، فبعد الحروب الأخيرة وإرهاصاتها المدمرة على المجتمع  وما شاهدناه من هجرة كبيرة للمسرحيين العراقيين جراء سياسة القمع وكم الأفواه اضطر الكثير منهم اللجوء إلى مجتمعات قريبة أو بعيدة توثقت معها صلاتهم المجتمعية منعكسة على واقع نتاجهم المسرحي ودللت على قدرة مسرحنا العراقي  على سهولة التعايش المجتمعي مع الأخر برزت من خلاله ميزة جديرة بان يسجلها المسرح العراقي في صفحات تاريخه وتتعلق بتنامي مستوى البعد الاجتماعي والإنساني  لمسرحنا  باستثماره ارث التلاقح مع ميراث المجتمعات العربية والعالمية استطاع المسرح العراقي خلالها أن يقدم مضامين مسرحية عالجت الهم الإنساني بوعي متفرد  سواء في مستوى الأفكار المطروحة أو مستوى التعبير عنها  واخذ يلقي بظله على نوع وحجم العطاء المسرحي في العراق ألان وبدأت ملامحه ومراجعة سريعة للسنوات الأربع الأخيرة سنلاحظ مستوى الحراك المتطور لمسرحنا العراقي وتعدد مصادره استطاعت أن تعيد اللحمة المجتمعية بين المسرح والجمهور.

  4-     التلقي المسرح في عصر الحداثة :

  لابد وان نقر بان اختلاف لغة التلقي المعرفي وتنوع مصادرها وهيمنة التقنية المعلوماتية المعاصرة جعلت غائية النتاج المسرحي في المجتمع يتراجع خطوات كبيرة إلى الوراء متحولا من كونه وسيلة مجتمعية واسعة الطيف  الى لون نخبوي محدود التأثير بسبب ما أحدثته تطورات وسائل التلقي البصري الحديثة  بدأت تنحسر على أثرها مناخان القوالب الجمالية الأولى  كالسينما  بتراجعها إمام التلفاز وتطور الأخير من النظام  البث الأرضي الى النظام البث الفضائي وتطور تقنية البرمجيات المعلوماتية التي وسعت مساحة التلقي وأخرجته من حيزه وإيقاعه المعروف  واثر كل ذلك بشكل مباشر على  التلقي المعرفي في المسرح رغم استفادة الأخير من مصادر التقنية المعلوماتية الحديثة في تنويع وتطوير سينغرافيا العرض المسرحي لكن وبلا أي شك اثر كل ذلك على تبديل الذائقة المجتمعية  وبات المسرح اليوم يواجه أزمة حقيقة في تراجع تفاعلها معه  ويحتاج منا وقفة نقدية لدراسة معادلته الجديدة وتلك هي مسؤوليتنا جميعا !

  ختاما أستطيع القول عندما تسقط النظم السياسية القمعية  وتتحول إرادة الشعوب نحو العيش في نظم ديمقراطية، تزدهر فيها مؤسسات المجتمع المدني  يبرز هنا السؤال الأهم :

ماذا يريد المجتمع من المسرح وماذا يصنع المسرح للمجتمع؟

سؤال تبقى أبواب حواراتنا المشتركة، نحن المشتغلين في عالمه مفتوحة عليه، نتاجا وبحثا، ويقينا لم تتسع رؤيتنا عبر هذه الورقة للإجابة عن كافة أسئلتها ، وأمل أن نتداخل معها  بالرؤى  المتنوعة  لتكتمل إبعادها  ..

 

Posted 29/12/2009 by talibart in دراسات

مسرحية الرداء… نسمة جمالية في سماء المسرح العراقي./وديع شامخ

مسرحية الرداء… نسمة جمالية في سماء المسرح العراقي.
من قتل وضاح اليمن حقا ؟

وديع شامخ

مهاد

لقد إجتهد المسرح الحديث للتخلص من ربقة وسطوة الحكاية والحكواتية، إجتهد للقفز على التسلسل الإرسطي الصارم ، والملحمي البريشتي بتغريبه، اجتهد كثيرا حتى توصل الى جنسه الابداعي الذي كان عصيا على الحيازة ، فالمسرح خشبة واحدة ولكن النجارين عدّة، والأهواء والأمزجة والمدارس بكبر قدرة العقل البشري على إنتاج الجديد، وأهم ما أُتفق عليه هو طرح الاسئلة؟
لم يعد المسرح والابداع عموما أجوبة يقين، بقدر ماهو اسئلة وقلق .المسرح الحديث صورة وفكرة وحكاية، متعة، دهشة، وقلق ، وتغريب أو هو عدوى ايضا على طريقة ” انطوان ارتو”.
في مسرحية الرداء التي شاهدتها مرتين، مرة في بغداد آبان التسعينات وكانت من بطولة ” ليلى محمد وفيصل وجواد” ، ومرة ثانية في أستراليا عندما عرضت على مسرح الفنون التابع الى بلدية مدينة” فيرفلد” في ولاية سدني، وهي بحلّة جديدة ومن بطولة ” الفنان المبدع منير العبيدي ومشاركة الفنانتين المتألقتين رغد آغا و خلود النمر”، وكان القاسم المشترك هو المبدع عباس الحربي الذي كتب المسرحية وأخرجها أيضا .

النص والتأويل

ينهل الكاتب عباس الحربي في هذه المسرحية من ومضة تاريخية مُستلّة من التاريخ السري للحياة الشخصية للخلفاء المسلمين الأمويين ، وتحديدا حكاية زوجة الخليفة الوليد بن عبد الملك مع الشاعر وضاح اليمن الذي عاش في عصر الدولة الاموية وهو عصر ازدهر فية الادب إزدهارا تعددت فية مواضيعة واختلفت فية اتجاهاتة ومدارسة، وكان فيه شعراء السياسة والهجاء مثل جرير والفرزدق والاخطل وعدي بن الرقاع وغيرهم كما ظهر فية الشعراء الغزليين والعذريين امثال عمروبن ابي ربيعة وابن قيس الرقيات والعرجي وجميل بثينة وكثير عزة وغيرهم كثير . تقول الحكاية الرسمية: “إن وضـّاح اليمن (توفي 89 هـ/708 م) هو عبدالرحمن بن إسماعيل الخولاني، لقب بالوضّاح لوسامته، من شعراء الغزل في العصر الأموي. قيل إنه مات مقتولاً بأمر الخليفة الوليد بن عبدالملك لتشبيبه بزوجته” وان الحقيقة السرية تقول كما يروي – كتاب الاغاني لابو فرج الاصفهاني “رأته أم البنين فهويته . أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا القاسم بن الحسن المروزي قال حدثنا العمري عن لقيط والهيثم بن عدي أن أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان استأذنت الوليد بن عبد الملك في الحج فأذن لها وهو يومئذ خليفة وهي زوجته فقدمت مكة ومعها من الجواري ما لم ير مثله حسنا وكتب الوليد يتوعد الشعراء جميعا إن ذكرها أحد منهم أو ذكر أحدا ممن تبعها وقدمت فتراءت للناس وتصدى لها أهل الغزل والشعر ووقعت عينها على وضاح اليمن فهويته فحدثنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير ابن بكار قال حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري عن محمد بن جعفر مولى أبي هريرة عن أبيه عن بديح قال قدمت أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان وهي عند الوليد بن عبد الملك حاجة والوليد يومئذ خليفة فبعثت إلى كثير وإلى وضاح اليمن أن انسبا بي فأما وضاح اليمن فإنه ذكرها وصرح بالنسيب بها فوجد الوليد عليه السبيل فقتله”
ويقول الدكتور طة حسين في كتابة حديث الأبعاء الجزء الاول – كانت تريد” أم البنين ” أن يتغزل بها الشعراء كما تغزلوا باخت زوجها فاطمة بنت عبدالملك امراة عمر بن عبدالعزيز وكما تغزلوا بسكينة بنت الحسين وكما تغزلوا ببنت معاوية من قبل وكما كانوا يتغزلون بكل شريفة وجميلة وردت مكة فطلبت إلى كثيرعزة ووضاح ان يذكراها، فاما كثير فخاف الخليفة ولكنة ذكر احدى جواريها تدعى غاضرة أما وضاح فتغزل بام البنين فحبت وضاح وحبها وطلبت منة ان يتبعها إلى الشام كما يذ كر اكرم الرافعي في قصة وضاح تحت سلسلة افاق عربية طبعة 1960 تبعها وضاح ومدح زوجها ،امير المؤمنين الوليد بن عبدالملك حسب نصيحة حبيبتة ام البنين ووعدها انها ستعمل على حمايتة ورفعة شانة فقربة زوجها واكرمة علية القوم وكان يتردد على مخدع (غرفة نوم) ام البنين وكان جميلا حتى تعلق بة وبشعرة بنات ونساء رجال الديوان وبداو يتربصون بة – حسب ما تذ كر الرواية – ويذ كر الدكتور طة حسين ان الوليد اهدى جواهر اعجتبة وارسلها مع أحد الخدم ود خل الخادم فراى عندها وضاح فاسرعت ووضعت وضاح في الصند وق والخادم يرى ثم اخذ ت الجواهر من الخادم فطمع الخادم وطلب أحد هذ ة الجواهر فابت علية وسبتة فانصرف غاضبا واخبر الخليفة بما راى فاظهر الخليفة تكذ يبة وامر بقتلة ثم نهض من فورة ودخل على الملكة فاذا بها تتمشط فجلس على الصندوق الذي وصفة له الخادم وطلب منها ان تعطية ذلك الصند وق فلم تستطع الرفض فاخذه إلى مجلسة وامر بحفر بئر في هذا المجلس والقى الصند وق في هذ ة البئر ثم دفنها بالتراب وسوى بها الارض ورد البساط فوقها كما كان واختفى وضاح”، قال بديح فلما قتل الوليد وضاح اليمن حجت بعد ذلك أم البنين محتجبة لا تكلم أحد”.
من هذه الحكاية يستل المؤلف عباس الحربي نسقا حكائيا ليصوغ به ثيمة المسرحية ،
يضع الحربي الاميرة والعبد امام خيارين متباعدين ” لحظة وجود العبد شاهدا على وجود وضاح اليمن في سرير الامير” .. امسك المؤلف هذا الخيط ، ووضع الحكاية بطريقة مقلوبة بيد العبد ناسيا موت العبد على يد الخليفة ومؤلفا حكاية متوازية ثانية، عنوانها متوالية القلق.. قلق العبد من مواجهة سيدته ، وقلق السيدة من افتضاح السر. متوالية القلق بين العبد الرازح تحت وطأة الثأر من عبوديتة ، والاميرة الخائنة. تستمر الاحداث وفقا لهذا المنظور ، الخيانة “الخطية ” واجرتها الموت .. فلابد من قربان .. قربان العبد هو الوشاية ، وقربان الاميرة جسدها الذي يرده العبد المخصي.

مسرحة الحدث

إعتمد عباس الحربي المخرج سينوغرافيا موفقة للتوصل الى محاولة اقلاق حواس المشاهد، بالسرير،و كان موفقا في ابرازه كمهينة بصرية .. لانه يمثل ذروة الصراع في الحكاية بشقيها الرسمي والتأويلي، والسيفين والكأس ومبعدا وجود الصندوق الذي وفقا للحكاية كان الثيمة الرئيسة في موضوع الخيانة، وهذه لم تكن في اصل الحكاية التي عرضنا لها ، ولكن عباس الحربي جعل تأويله للحكاية مادة مسرحية ذات اشكالية متعددة، وهنا ينجح المبدع في الإستفادة من الحكاية التاريخية وتحويلها الى ومضة جمالية وفكرية . كل مفردات العرض تحركت بخطين متقاطعين ، يرافقهما خط عمودي ثالث ، وهو علاقة العبد المخصي بزوجته ، وهي اضافة نوعية لتأجيج رغبة العبد بالانعتاق .. عبد مخصي .. امام زوجته الأَمة ” العبدة” .
عبد مخصي ، ومعه سر الانعتاق .. امام اميرة خائنة. المؤلف لم يرد الاقتصاص من الاميرة الخائنة، لانها معروفة تاريخيا بكثرة عشاقها وما يحمله العصر الاموي من فضائح واحداث لاتجعل فعل الاميرة خيانة وعند الرجوع الى اصل الحكاية سنجد ان الخليفة قد دفن وضاح قائلا ” اذا كان في الصندوق مانظن دفنا شرا وان لم يكن دفنا خشب”
………….

القناع التاريخي والقناع الطائفي

لقد أدخل المخرج مناخا طقسيا من الإرث الشيعي تناغم بين العبد الذي يصرخ بمأساة “الأمام الحسين” ومرور الفرس الخشبي على المسرح ” تذكرنا بالتشابيه الحسينية الشيعية ” لتقديم المظلومية، وهذا برأي قد اخلّ قليلا بفكرة العرض وحركة العرض لغويا وبصريا ، لانعدام التناغم الفكري العام بين هذا المشهد والرؤيا العامة والشمولية للعرض.

………………………………………………
العبودية والإخصاء

ناقش المؤلف عباس الحربي العبودية بطريقة فنية وفلسفية مختلفةعن الحكاية التاريخية .
فالعبد ظل عبدا حتى بعد ان ضاجع الاميرة ، والعبد ظل عبدا حتى بعد ان تبادل الوظيفة بينه وبينها في السرير . لان لا توجد هناك عبودية .. بل هناك رجال عبيد..
هذه ثيمة وفهم مهمة جدا،استطاع الحربي ان يكرس له كل تفاصيل العرض ، حتى ان العبودية ستظل كعربة تحمل تاريخها وتمتد ويلاتها وهو ما شهدناه في الحركة الاخيرة من المسرحية ، عندما تتدخل الكاميرا السينمية لتعرض لنا سرير الاميرة مجرورا من قبل زوجة العبد المخصي ، وهي تحمل اهوال الحروب والتي يرى الكاتب ان العبودية او الرجال العبيد هم وراء اهوال هذا التاريخ الدموي.
,وبما ان المؤلف ركّز على ثيمة العبودية . فلنر كيف كانت معالجته فكريا ؟
فقد استخدم المخرج المؤلف ” السرير” بدلا من ” الصندوق في اصل الحكاية” الذي لا وجود له في الحكاية الاصلية واستبدله بمنظومة انماط جديدة من الاسرار وتمضي المسرحية بجدل حول السرير بين العبد القابض على سر الدسيسة وجسد الاميرة المستباح ، بلغة شعرية عالية وعلى سبيل المثل هذه العبارات المستلّة من المسرحية ” الاجداد الاشداء الذين يرون مايأتي من الجنه ومن السعير، ماهذه اليله في اقداركم بل مَن هذا المرسل الي فك رحى أم انامل دود سليمان ومامن عصى للاتكاء غير الدم… أيها الميزان المعلق بين زحل واسطبل العبيد تسامى فما عادت كفتيك بحاجه لكومه جياع مثلي لتعادل فردا متخوما بالخيانة… مالذي أتى بك الى هنا والليل يبتلع أصابعه خوفا من هذه اليله المجنونه؟ أتى بي فراشي البارد يازوجي ا لعزيز…ونحن نسبح ببحر انسانيتك لماذا جزّر هذا البحر وكشف عوراتنا للهجير ونحن لانملك غير ذراعين لانعرف، أنستر بهما عوراتنا أم نعتذر بهما للكبير فماعاد فينا من الكبر مانحيي به صباح فضائحنا”.
المسرحية فكريا إنتمت للانتصار الى الحل، غير تاركة النهايات مفتوحة . فالعبد قد انتصر على جسد الاميرة المستباح، وتم تبادل الادوار بين العبد ليصبح أميرة ، وبين الأميرة الجارية ، وهو حوار مقلوب يتمم وجهة نظرنا بان المسرحية سارت الى مآلها للنهاية ، العبد ينتصرعلى عبوديته بحل عقد ” الإخصاء”القرين الدائم للعبودية .

الأداء والبعد الجمالي للعرض المسرحي

أما على مستوى أداء الممثلين فقد كان الفنان منير العبيدي منتصرا على نفسه في هذا النص المركب حيث طوع كل ملكاته ومواهبه الجسدية والصوتية لتجسيد دور العبد المخصي، ” تعامل مع الشخصية في ثلاث مراحل وذلك بتجميع اكثر من شخصية تكاد تكون قريبة من شخصية العبد ، والثانية باستخدام المخيلة وهو كيف يرى العبد خلافا لما يراه المؤلف ، وثالثا استخدم” الكاركتر” الذي جمع بين الحالتين السابقتين باستخدام البودي التكنيك وتناغمها مع الطبقة الصوتية المناسبة ، أي ان هناك توافقا جسديا أنصب لرسم ملامح الشخصية ، الايماءة ، الحركة ، وكذلك فهم لطبيعة الدور المركب ..وقد استطاع منير العبيدي بأدائه المميز كذلك أن يكون حافزا للفنانة الواعدة رغد آغا أن تؤدي برشاقة، مشيرة الى طاقة واعدة في المسرح العراقي وكذلك الممثلة خلود النمر الذي تخطت رهبة الخوف من العمل مع ثنائي مسرحي محترف ، وهما منير العبيدي وعباس الحربي .

………………………………………………………..

Posted 28/12/2009 by talibart in دراسات

%d مدونون معجبون بهذه: